نهاية طموح زياد الحريري

علاء الدين تلجبيني

يقول السفير الأردني في دمشق أكرم زعيتر في يومياته: «في العاشرة والنصف صباحاً من يوم التاسع من تموز 1963 أعلنت إذاعة دمشق عن تسفير زياد الحريري إلى باريس، وبهذا أُسدل الستار على فصل من المسرحية التي تُمثَّل في سوريا، وبدأ فصل آخر. وقد قُدِّر لي أن أرى كيف أطاح الانقلاب بفارسه وبطله، ولم تُخفق التجارب الانقلابية في سوريا عن تقاليدها القاضية بأن يكون مصير كل بطل انقلاب إلى الأفول.»
في مثل هذا اليوم، 24 حزيران/ يونيو 1963، قرر المجلس الوطني لقيادة ثورة آذار نقل قائد الأركان العامة اللواء زياد الحريري (أحد أهم قادة انقلاب الثامن من آذار) إلى ملاك وزارة الخارجية وتعيينه سفيراً متجولاً فوق العادة في أوروبا. كذلك نُقل عدد من الضباط الموالين له إلى السلك الخارجي.
صدر القرار أثناء وجود اللواء الحريري في الجزائر مع وفد رسمي، حيث نص القرار أيضاً على ضرورة مغادرته الجزائر فوراً إلى باريس، فرفض الحريري تنفيذ هذه الأوامر وعاد إلى دمشق في 25 حزيران/ يونيو، حيث فوجئ بسيطرة البعثيين على جميع القطعات العسكرية داخل دمشق وفي محيطها. ولمنعه من المواجهة، هدد بعثيو العراق الحريري بالتدخل في حال تحركه ضد رفاقهم، فخضع الحريري للضغوط المحلية والخارجية وغادر سوريا في السابع من تموز ليُعيَّن ملحقاً عسكرياً في فيينا.
عن جذور الخلاف بين الحريري وبقية شركائه في انقلاب الثامن من آذار، يقول أ. مروان حبش: «بعد الثامن من آذار بدأ زياد الحريري يعمل على تثبيت مركزه في السلطة ليصبح الرجل الأول، وظن أن اقتران اسمه بانقلاب آذار يساعده على الوصول إلى غايته، وأخذ يركز مؤيديه في اللواء 70 المرابط في منطقة الكسوة، وأصبح قائد اللواء ورئيس أركان اللواء وثلاثة من قادة الكتائب من أنصاره. وبعد نقل بعض الضباط الناصريين في منتصف شهر أيار 1963 إلى السلك الخارجي، وكان للواء زياد موقف سلبي منهم، ازدادت هذه السلبية، خاصة بعد تهديد بعض الضباط الناصريين المرابطين قرب مبنى الأركان، منهم الرائد عبد الوهاب قطعج، بقصف المبنى وطرد الحريري. كما كان للواء الحريري موقف سلبي تجاه الفريق لؤي الأتاسي أيضاً، لأنه كان يطمح إلى استلام موقعه كرئيس لمجلس قيادة الثورة، كما كان له الموقف السلبي نفسه من العقيد محمد عمران.»
أراد الحريري استغلال غياب صلاح جديد، الذي كان يرافقه في الجزائر، والقيام بانقلاب يستولي بموجبه على السلطة.
يقول أكرم زعيتر، السفير الأردني في دمشق في تلك الفترة: «لقيت في دكان حلاق الصديق عبد الهادي المعصراني وعبد الكريم العائدي، وفهمت منهما أن اللواء سبعين (أنصار الحريري) قد تمرد، وأن قوات الجبهة قد تمردت استنكاراً لما جرى للحريري، وأن المغاوير في الجيش أنذروا بالانتقام لزياد الحريري من لؤي الأتاسي شخصياً إذا تبين لهم أن أذىً قد لحق بالحريري، لأن الوفد السوري سيعود بعد سويعات وسيعلم إذا كان الحريري بين القادمين. خلاصة القول إن الجو في البلد مكهرب، والقلق عام، والاستياء بين العسكريين عام، والقناعة أنه لم يبقَ في سوريا جيش يُباهى به. بادرت ليلاً إلى السفارة، حيث أبرقت بالشفرة إلى رئاسة الوزراء في عمان بوصف موجز للحالة.»
بقي الحريري في دمشق بعد عودته من الجزائر، وفُرضت عليه الإقامة الجبرية بعد جهود بُذلت لإبعاده عن الواجهة، وهو ما حدث في النهاية.
ويضيف زعيتر: «في الثامن من تموز، وبينما كنت في طريقي بالسيارة إلى السفارة، لمحت الدكتور عبد الكريم العائدي يسير على قدميه، فأوقفت السيارة ونزلت منها مؤثراً السير معه مشياً، وبعد التحية قال لي: قرر مجلس قيادة الثورة أمس تسريح زياد الحريري نفسه. وزاره صلاح البيطار، وكان بيته مطوقاً من قبل المغاوير الذين كان يقودهم سليم حاطوم، حتى منعوا البيطار، رئيس الوزارة، من الدخول، فاضطر للحصول على إذن من قيادة المغاوير في وزارة الدفاع حتى تمكن من الدخول، وأبلغه القرار الذي أصدره مجلس قيادة الثورة بالإجماع بإعفائه من منصبيه وزيراً للدفاع ورئيساً للأركان وبتسفيره إلى باريس، واضطر الرجل إلى الإذعان وتلاشت مقاومته، وطلب أن تُحفظ كرامته.» وقال العائدي: «حُجز للحريري ولرفيقه عارف الجاجة مقعدان في الطائرة الذاهبة في الساعة الثامنة صباحاً إلى باريس.»
يقول أكرم الحوراني إن قيادة البعث فاتحت زياد الحريري، قبل تصفيته من الجيش، بضرورة الانتساب إلى حزب البعث، وإن صلاح البيطار وعلي صالح السعدي نصحاه بقبول ذلك، ولكنه اعتذر قائلاً إنه يفضل أن يبقى عسكرياً غير منتمٍ لأي فريق سياسي، فأوفدته قيادة البعث بمهمة خارج سوريا، وخلال غيابه عنها فصلت جميع ضباطه عن قيادة قطعاتهم، ثم عينت بعضهم في السفارات السورية. أما الحريري فقد أوعزت إليه أن يسافر إلى باريس، ولكنه عاد إلى دمشق، ففُرضت عليه الإقامة الجبرية بضعة أيام قبل أن يغادر البلاد إلى باريس براتب كبير، وكان برفقته الضابط عارف الجاجة الذي كان قائداً للواء سبعين، أقوى ألوية الجيش السوري.
في السادس والعشرين من حزيران تم ترفيع العميد أمين الحافظ، وزير الداخلية، إلى رتبة لواء وتعيينه رئيساً للأركان العامة إضافة إلى منصبه كوزير للداخلية، قبل أن يشغل اللواء صلاح جديد رئاسة الأركان العامة في تشرين الثاني 1963 – شباط 1966.
أقام الحريري في باريس لسنوات قبل انتقاله إلى لبنان بعد اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، ثم عاد إلى سوريا واستقر في حماة في سنواته الأخيرة قبل وفاته عام 2015.
المصادر:
يوميات السفير أكرم زعيتر.
مذكرات أكرم الحوراني.
البعث وثورة آذار – مروان حبش.
دراسة في تاريخ سوريا المعاصر – أمل بشور.
صورة تجمع ثلاثي السلطة بعد انقلاب الثامن من آذار (تم ترميم الصورة باستخدام الذكاء الاصطناعي).
ومن اليسار إلى اليمين:
اللواء زياد الحريري، رئيس هيئة الأركان العامة.
الفريق لؤي الأتاسي، رئيس المجلس الوطني لقيادة الثورة.
صلاح البيطار، رئيس مجلس الوزراء.