عدنان المالكي في ذكرى اغتياله

علاء الدين تلجبيني

 متل اليوم ب 22 نيسان/ إبريل 1955، وأثناء مباراة لكرة القدم في الملعب البلدي بدمشق بين فريق شرطة الجيش السوري وفريق خفر السواحل المصري، وبعد دقائق قليلة من انطلاق المباراة، دوّى صوت إطلاق نار في المنصة الرئيسية. انبطح الحاضرون أرضاً، وحين حاول البعض النهوض سُمعت طلقة ثالثة، قبل أن يعمّ الصمت.
عندها تبيّن أن العقيد عدنان المالكي كان يترنح على مقعده والدم ينزف منه، بينما كان خلفه على الأرض رقيب من الشرطة العسكرية يُدعى يونس عبد الرحيم، مصاباً بطلقة في الرأس.
كان يونس عبد الرحيم، بحسب التحقيقات الرسمية، هو مطلق النار وعضواً في الحزب السوري القومي الاجتماعي، وقد قيل إنه انتحر بعد تنفيذ العملية، بينما تحدثت روايات أخرى عن احتمال استهدافه هو أيضاً.
يقول اللواء الطيار المتقاعد راشد كيلاني، الذي كان حاضراً في الملعب، في مذكراته:
«عندما نهضت بعد توقف صوت الرصاص وجدت القاتل مرمياً على الأرض، فقد قُتل هو بدوره».
منذ اللحظات الأولى اتجهت أصابع الاتهام نحو الحزب السوري القومي الاجتماعي، وبدأت الأحكام المسبقة تتشكل بسرعة وسط رأي عام مشحون، في بلد كان يعيش صراع محاور إقليمية ومحلية تحاول جذب سوريا إلى مشاريع متنافسة.
عززت هذه الاتهامات عوامل عدة، منها أن المالكي كان قد ساهم سابقاً في تسريح العقيد غسان جديد من الخدمة العسكرية، إضافة إلى خلافه السياسي مع رئيس الحزب جورج عبد المسيح.
يذكر رجل المكتب الثاني سامي جمعة أنه بعد أقل من نصف ساعة على وقوع الاغتيال، بدأت حملات واسعة من الشعبة الثانية والشرطة العسكرية والأمن السياسي والشرطة المدنية وقوى الدرك لملاحقة واعتقال القوميين السوريين ومداهمة مكاتب الحزب.
ويقول إن التعليمات كانت تقضي باعتقال جميع المسؤولين والكوادر، بما في ذلك جورج عبد المسيح وغسان جديد وإسكندر شاوي وعصام المحايري، مضيفاً أن مهمته كانت تنتهي بتسليم المعتقلين إلى فرع التحقيق في الشرطة العسكرية، وهو ما جعله يُلقب لاحقاً بين القوميين السوريين بـ«الجلاد».
أصدر رئيس الجمهورية هاشم الأتاسي قراراً بحظر نشاط الحزب السوري القومي الاجتماعي في سوريا وإغلاق مكاتبه وصحفه، كما عُيّن العقيد عبد الحميد السراج رئيساً للمكتب الثاني للتحقيق في القضية.
تذكر أمل بشور في دراسة عن تاريخ سوريا المعاصر أن التحقيقات جرت بمعزل عن محامي الدفاع، ولم تُراعَ فيها أصول المحاكمات، كما تعرض المعتقلون للضغط والضرب وأساليب متعددة من التعذيب، في حين لم يُتح للمحامين الاطلاع على تقرير الكشف عن الرصاصات التي أودت بحياة المالكي.
أما حضور المالكي إلى المباراة يوم اغتياله، فكان نتيجة دعوة من السفير المصري في سوريا محمود رياض. وكان المالكي ينوي السفر إلى لبنان للقاء خطيبته في صيدا، سميرة حجار، لكنه عدل عن الفكرة بعد إلحاح السفير المصري على حضوره، وفق ما يرويه سامي جمعة.
يذهب الكاتب السوري نبيل شويري، أحد البعثيين الأوائل، إلى تفسير أكثر تعقيداً، إذ يرى أن اغتيال المالكي أزال عقبة سياسية أمام النفوذ المصري داخل المؤسسة العسكرية السورية، معتبراً أن المصالح المصرية والأميركية ربما تقاطعت في تلك المرحلة، دون أن يعني ذلك وجود قرار مشترك مباشر.
تألفت المحكمة الخاصة باغتيال المالكي من بدر الدين علوش رئيساً، والمقدمين مظهر وصفي وعفيف البزري عضوين، إضافة إلى المقدم بشير الطباع عضواً متمماً.
وفي 12 كانون الأول/ ديسمبر 1955 أصدرت المحكمة أحكامها بإعدام ثمانية متهمين، ثلاثة منهم معتقلون والبقية فارون، إضافة إلى أحكام بالسجن تراوحت بين 12 و25 عاماً مع الأشغال الشاقة. كما حُكم على جولييت المير، زوجة أنطون سعادة، بالسجن 18 عاماً.
وفي 28 نيسان/ إبريل 1956 أصدرت محكمة النقض الأحكام النهائية، فخففت بعضها ورفضت قبول استدعاءات جديدة.
كان المناخ السياسي في تلك المرحلة مشبعاً بالمد المصري، خاصة بعد وصول محمود رياض سفيراً إلى دمشق قبل الاغتيال بفترة قصيرة، بالتزامن مع صعود دور عبد الحميد السراج داخل جهاز الاستخبارات المعروف بالمكتب الثاني.
كما شهدت البلاد قبل أسابيع من الحادثة استقالة حكومة فارس الخوري، التي عُدت آخر حكومة يهيمن عليها اليمين السياسي قبل مرحلة التحولات الكبرى التي قادت إلى صعود البعثيين وتزايد نفوذ المؤسسة العسكرية.
في تلك السنوات، كانت الساحة السورية، وتحديداً في جبال الساحل، تشهد تنافساً محموماً على استقطاب القاعدة الشعبية. وقد شهدت الكليات العسكرية موجات انتساب واسعة من القوميين والبعثيين، غير أن الحزب السوري القومي الاجتماعي كان يمتلك حضوراً لافتاً في جبال الساحل، بوصفه من أوائل الأحزاب التي صاغت برنامجاً أيديولوجياً سياسياً واجتماعياً، إلى جانب بنية تنظيمية محكمة. ويمكن القول إن تلك المرحلة شكّلت إحدى البدايات الأولى لبروز دور الاستخبارات وسطوتها وبطشها على الساحة السورية.
لم يكن الخلاف بين الحزبين مجرد تنافس سياسي، بل صراعاً على تعريف هوية سوريا نفسها. فالحزب السوري القومي الاجتماعي كان يرى أن سوريا جزء من مشروع «سوريا الطبيعية» الممتد في الهلال الخصيب، بينما تبنّى حزب البعث العربي الاشتراكي فكرة القومية العربية والوحدة مع المحيط العربي.
كما تحولت المؤسسة العسكرية إلى ساحة نفوذ بين الطرفين، حيث سعى كل حزب إلى كسب الضباط الشباب وتوسيع حضوره داخل الجيش، في وقت كانت فيه البلاد تعيش اضطراباً سياسياً جعل من الجيش لاعباً أساسياً في تقرير مستقبل السلطة.
ورغم أن الحزب السوري القومي الاجتماعي كان من أوائل الأحزاب التي قدمت مشروعاً فكرياً وتنظيمياً متماسكاً، فإن اغتيال المالكي شكّل نقطة تحول حاسمة في موازين القوى.
يمكن القول إن الحادثة كانت من اللحظات الأولى التي برز فيها دور الأجهزة الأمنية والاستخباراتية كفاعل سياسي مباشر في سوريا، حيث لم تعد مهمتها مقتصرة على الأمن، بل أصبحت جزءاً من الصراع على السلطة.
كسب حزب البعث معركته السياسية ضد القومي السوري، وبدأ يروج لشعاراته الاشتراكية والعروبية التي لاقت قبولاً شعبياً واسعاً، في وقت كان فيه الشارع السوري يبحث عن مشروع قادر على مخاطبة طموحاته.
لم يكن اغتيال عدنان المالكي مجرد جريمة سياسية أو حادثة أمنية عابرة، بل زلزالاً ضرب الحياة السياسية والعسكرية السورية. فقد أدى إلى إعادة تشكيل موازين القوى داخل الجيش، وإلى بروز دور المخابرات العسكرية، وتراجع مشروع الوحدة مع العراق، مقابل تصاعد المد الناصري الذي مهّد لاحقاً للوحدة مع مصر.
يقول الباحث الفرنسي ميشيل سورا في كتاب سوريا الدولة المتوحشة:
«شكّل المالكي رمزاً لضابط محترف أراد حماية الجيش من التسييس، لكن اغتياله كان إعلاناً بانتهاء تلك المرحلة، وبدء مرحلة السيطرة الحزبية على المؤسسة العسكرية».