عن الشيخ صالح العلي في ذكرى وفاته
علاء الدين تلجبيني
متل اليوم في 13 نيسان 1950 توفي في طرطوس الشيخ صالح العلي بعد أن قضى بضعة أشهر في المستشفيات، وقد أشرف على معالجته الطبيب الألماني الشهير الدكتور كارل كورت الأخصائي بأمراض القلب، بتكليف من رئيس الجمهورية هاشم الأتاسي.
هو صالح بن الشيخ علي بن سلمان بن محمد بن إبراهيم بن علي... ولد في قرية المريقب منطقة الشيخ بدر، شهر نيسان عام 1883م. وعندما توفي والده اجتمعت عليه الكلمة ليكون خلفاً له.
ينتمي الشيخ صالح إلى عشيرة (المحارزة/البشارغة).
يقول أميل عباس المعروف في كتابه "تاريخ العلويين في بلاد الشام" إن لعائلة صالح العلي علاقة قديمة مع مدحت باشا العثماني الذي حاول أن يجعل من جبال العلويين متصرفية تشبه جبل لبنان ومركزها الشيخ بدر، وهو الذي أدخل تربية دود الحرير من لبنان عن طريق الشيخ علي سلمان والد صالح العلي.
من هذه المقدمة يمكن الدخول نحو فهم حقيقة ثورة الشيخ صالح العلي التي قامت في وقت لم تكن فيها سوريا في وضعها الحالي قد تبلورت، كانت ثورته كثورة الأطرش وهنانو ثورات مناطقية لحمايتها من الغزاة في وقت كان يسعى فيه كل مكون لأن يحافظ على خصوصيته أمام أخبار تراجع الدولة العثمانية في الحرب.
الثورة وبدايات المواجهة
يقول فيليب خوري في كتابه سوريا والانتداب الفرنسي:
في أوائل تشرين الثاني 1918 وصلت أول وحدة عسكرية فرنسية إلى اللاذقية قادمة من طرابلس عن طريق البحر، طرد قائد الوحدة الحكومة المؤقتة العربية وأعلن سيادة فرنسية على المنطقة بأكملها.
بلغت أنباء تقدم الفرنسيين إلى الساحل الرجل الديني ذو الـ35 عاماً، والذي كان يشتهر بالشجاعة والعدل على حسب وصف فيليب خوري والذي قاوم العثمانيين من قبل لتدخلهم في منطقته.
تواصل الشيخ صالح مع الوجهاء السنة في حكومة اللاذقية العربية الذين طردهم الفرنسيون، واستطاع إقناعهم بإشراك المقاتلين الذين تحت أمرتهم في جيش العصابات الذي كان ينظمه.
يتحدث فيليب خوري عن دوافع الشيخ صالح للمواجهة بالقول إنه لم يكن مدفوعاً بالمشاعر القومية العربية المنبثقة من دمشق، بل كان مهتماً بحماية المناطق العلوية من أي تدخل خارجي، وكان يعتقد أن قوميي دمشق أقل تهديداً لاستقلال العلويين من الفرنسيين، فقبل الدعم الذي قدمته حكومة فيصل وأعلن تضامنه مع الحركة القومية العربية.
الصراع الإسماعيلي
كانت تلك الفترة تشهد صراعاً دموياً عنيفاً بين العلويين والإسماعيليين في منطقة القدموس، فقد اندلعت الفتنة في تشرين الأول 1917 عندما أطلق مراهق إسماعيلي النار بطريق الخطأ من مسدس أبيه في سوق القدموس لتصيب الرصاصة شاباً علوياً من عشيرة الخياطين كان يعبر الشارع مع أبيه.
تم احتواء الخلاف في البداية على أن تُدفع الدية بالتقاسم، إلا أن خلافاً وقع بين الطرفين أدى لتخلف أحدهم عن الدفع، ما أدى إلى مهاجمة معقل للإسماعيليين في قلعة العليقة، وضُخمت الأخبار وبدأ النزاع وامتد بصورة مؤلمة ودموية إلى مختلف قرى الطرفين.
(الصراع بين الإسماعيليين والعلويين يحتاج لمنشور مستقل سوف أقوم بكتابته قريباً).
أمام صعود قوة الشيخ صالح العلي في المنطقة بعد تحالفاته مع حكومة دمشق ونيله الدعم من مصطفى كمال في تركيا عبر هنانو وجد البرجوازيون الإسماعيليون أنفسهم أمام واقع خطير يتمثل بميل كفة الصراع نحو العلويين، خاصة بعد ما تعرضوا له من تنكيل وتهجير، حيث نهبت القدموس وخُربت بعض بيوتها، وكانت المعركة دامية بين الطائفتين.
فزحفت كتيبة من الجيش الفرنسي على قرية الدويلية العلوية فأحرقتها، وأحرقت قريتي كاف الجوع والسلورية كما يروي محمد كرعلي في خطط الشام.
دفع هذا الواقع الإسماعيليين إلى الوقوف بجانب الفرنسيين، واعتُبر المسيحيون في المنطقة حلفاء لهم أيضاً، ما عرضهم للانتقام من قريتي السقيلبية ومحردة اللتين تعرضتا لهجوم مباشر من قبل تحالف قوات صالح العلي وهنانو في قلعة المضيق.
الدعم الإقليمي وتشابك المصالح
بعد إعلان صالح العلي المقاومة ضد الفرنسيين، أرسلت فرنسا الضابط فلوريمون للقبض عليه بتهمة التمرد، ما دفعه إلى الدعوة لاجتماع وجهاء علويين وسنة في منطقته، وتحدث عن نوايا الفرنسيين تجاه العلويين.
التقت مصالح الشيخ صالح مع مصالح الملك فيصل ومصالح مصطفى كمال اتاتورك في مواجهة الفرنسيين، فتلقى دعماً سنة 1919 من وجهاء سنيين من طرطوس، وسانده عزيز هارون من اللاذقية وفريد بيك العظم من حماة ودنادشة تلكلخ، لكن الدعم الأساسي كان من حكومة الأمير فيصل ومن حكومة أتاتورك عن طريق إبراهيم هنانو.
مع توقف الدعم نتيجة الاتفاق التركي–الفرنسي عن ثورة هنانو، انتهت معها عملياً ثورة صالح العلي، فقد منح أتاتورك كيليكيا مقابل وقف دعم ثورات الشمال السوري، ما أدى إلى هروب هنانو واستسلام صالح العلي في أيلول 1922.
قراءة المؤرخين
عن ثورة صالح العلي يقول فيليب خوري إن المؤرخين السوريين نسبوا دوافع وطنية لجميع الثورات ضد الفرنسيين، مع أن مثل هذه الحركات ساهمت فيها اعتبارات محلية أكثر من كونها أيديولوجية، وكانت التبعية للزعماء المحليين والنزعة الجبلية أكثر وضوحاً من المشاعر العروبية الخالصة.
ويذهب حسان القالش إلى أن الثورة كانت محلية خالصة مرتبطة بموازين القوى في المنطقة، رغم ما شهدته من تحالفات واختراقات داخل العشائر.
الخاتمة
بين من يبالغ في تضخيم ثورة الشيخ صالح العلي، ومن يسعى إلى التقليل من شأنها، يضيع المعنى الحقيقي لها. فالخطأ الأكبر هو قراءتها بعيون ما آلت إليه سوريا لاحقاً، لا بظروف زمانها ومكانها. فالتاريخ لا يُختزل في نتائج لاحقة، ولا يُفهم من زاوية ضيقة أو بمعايير الحاضر. لقد جاءت ثورة صالح العلي في لحظة كانت فيها خريطة المنطقة تُعاد صياغتها، وفي زمن تتشكل فيه ملامح ما سيأتي، فكانت مقاومته تعبيراً عن سعيٍ لحماية الأرض ضمن تعقيدات تلك المرحلة، لا أكثر ولا أقل.
المصادر:
سوريا و الإنتداب الفرنسي سياسة القومية العربية 1920 1945 ل فيليب خوري
أميل عباس ال معروف تاريخ العلويين في بلاد الشام
قطار العلويين السريع ل حسان القالش
رحلة الى جبال العلويين يورد كاهون
المرشدية في محيطها العلوي و أجواؤها السياسية والاجتماعية ل عبدالله حنّا
عن العلويين و دولتهم المستقلة ل محمد هواش
العلويون والدولة السورية ل حليم صالح