السلطة المارقة
مروان حبش
تُبنى الدولة الحديثة على جملة من المقومات القانونية والسياسية والأخلاقية التي تمنحها الشرعية داخلياً والخضوع للقانون دولياً. غير أن التاريخ السياسي المعاصر أفرز نمطاً من السلطات يُطلق عليه في الأدبيات السياسية وصف "السلطة المارقة"، وهي سلطة تمارس الحكم شكلياً، لكنها لا ترتقي إلى مفهوم الدولة بوصفها كياناً قانونياً وسياسياً وأخلاقياً يعبر عن المجتمع ويحميه.
السلطات المارقة، أو ما يُعرف بالأنظمة المارقة، هي تلك الأنظمة الحاكمة التي تخرج عن المعايير الدولية المقبولة، وتستخدم القوة والظلم في إدارة شؤون البلاد. غالباً ما تتميز هذه الأنظمة بانتهاك حقوق الإنسان، وغياب الديمقراطية، واحتكار السلطة، مما يؤدي إلى تفشي الفساد والفوضى. تُعتبر هذه الأنظمة تهديداً للأمن والسلم الدوليين، حيث يمكن أن تؤدي سياساتها إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة.
فما معنى هذا الوصف؟ وما خصائص هذه السلطة؟ وكيف تتصرف تجاه الوطن والشعب؟ ما أوجه التشابه بين سلطة الأمر الواقع والسلطة المارقة؟ وما آثارها داخلياً وخارجياً؟ وأخيراً، ما السبل الواقعية للتخلص منها؟
أولاً: معنى السلطة المارقة ومفهومها
عندما توصف سلطة ما بأنها "مارقة"، فليس المقصود مجرد مخالفة سياسية عابرة أو خطأ في إدارة الحكم، بل حالة انفصال جوهري بين السلطة ومفهوم الدولة ذاته. الدولة، وفق المفهوم الكلاسيكي المرتبط بفكرة "ماكس ويبر"، هي: (الكيان الذي يحتكر الاستخدام المشروع للعنف داخل إقليم محدد، ضمن إطار قانوني يُستمد من عقد اجتماعي ضمني أو صريح مع المواطنين). أما السلطة المارقة، فهي سلطة تحتكر القوة لكنها تفقد "المشروعية"، وتتحول إلى جهاز تسلط يخدم مصالح فئة ضيقة بدل أن يخدم الصالح العام.
السلطة المارقة لا تُعرِّفُ نفسها بوصفها وكيلاً عن الشعب، بل بوصفها مالكاً للبلاد. وهي لا ترى في الدولة مؤسسة قانونية، بل غنيمة أو أداة للسيطرة. لذلك فهي لا ترقى إلى مستوى الدولة، لأن الدولة تقوم على سيادة القانون، والمساءلة، والمؤسسات المستقلة، واحترام حقوق الإنسان؛ بينما تقوم السلطة المارقة على الإكراه، وتفريغ المؤسسات من مضمونها، وإلغاء المجال العام.
ثانياً: صفات السلطة المارقة كمجموعة وكأفراد
1-كسلطة أو مجموعة حاكمة
احتكار القرار، إذ تتركز السلطة في يد شخص أو دائرة ضيقة، وتُفرغ المؤسسات من دورها الحقيقي. غياب الشفافية، حيث تُدار الموارد العامة في سرية، ويُحجب الحق في المعرفة. إقصاء المعارضة، ولا يُسمح بوجود معارضة حقيقية، بل تُشيطن أو تُجرَّم. تسييس القضاء والأمن، وتتحول الأجهزة القضائية والأمنية إلى أدوات لحماية النظام بدل حماية القانون.
2-كأعضاء وأفراد
الولاء الشخصي لا المؤسسي، إذ ينتمي الأفراد إلى شبكة مصالح، لا إلى مؤسسات وطنية. الخوف والارتياب، فيعيشون هاجس فقدان السلطة، ويضاعفون القمع. التبرير الأخلاقي، حيث يصوغون خطاباً يبرر أفعالهم باسم "الأمن" أو "الاستقرار" أو "المؤامرة الخارجية". تضارب المصالح، ويخلطون بين المال العام ومصالحهم الخاصة.
ثالثاً: سلوك السلطة المارقة تجاه الوطن والشعب
السلطة المارقة لا تنظر إلى الوطن بوصفه كياناً جامعاً، بل باعتباره مورداً قابلاً للاستنزاف. لذلك تتجلى ممارساتها في تجريف المؤسسات، وتهميش المجتمع المدني وإضعاف التعليم، وتسييس الإعلام. إفقار الشعب، عبر الفساد وسوء الإدارة، ما يؤدي إلى اتساع الفجوة بين الحاكم والمحكوم. زرع الانقسام، إذ تعتمد سياسة "فرِّق تسد" لإضعاف أي وحدة اجتماعية قد تهدد وجودها. تكميم الأفواه، بقمع حرية التعبير، واعتقال المعارضين، وملاحقة الأصوات الحرة. حرمان الشعب من المشاركة، ومن العدالة، ومن تكافؤ الفرص، ويتحول المواطن من شريك في الوطن إلى مجرد تابع خاضع.
رابعاً: سلطة الأمر الواقع والسلطة المارقة
هما مفهومان يرتبطان بالأنظمة الحاكمة التي تخرج عن المعايير المقبولة دولياً، وهناك أوجه تطابق بينهما يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
غياب الشرعية القانونية. انتهاك حقوق الإنسان (الاعتقال التعسفي، والتعذيب، والقتل خارج نطاق القانون، مما يؤدي إلى قمع الحريات الأساسية). احتكار السلطة مما يمنع أي شكل من أشكال المعارضة أو التعددية السياسية. استشراء الفساد وسوء الإدارة وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد.
عدم الاستقرار السياسي الذي يمكن أن يؤدي إلى النزاعات الداخلية الناتجة عن سياسات قمعية إلى تفاقم الأزمات الإنسانية والنزاعات المسلحة. العنف والقمع، إذ تميل كلا السلطتين إلى استخدام العنف والقوة العسكرية كوسيلة للحفاظ على السيطرة، مما يعزز من بيئة الخوف والقلق بين المواطنين. تحدي المجتمع الدولي حيث تتجاهل القرارات والتوصيات الدولية، مما يؤدي إلى توترات دبلوماسية وصراعات.
خامساً: الآثار على الوطن والشعب
-داخلياً، انهيار الثقة وتآكلها بين المواطنين والدولة. هجرة الكفاءات بحثاً عن بيئة آمنة. تفشي الفساد ويصبح نمطاً طبيعياً للبقاء. تآكل الهوية الوطنية حين تُستبدل المواطنة بالولاءات الضيقة.
- خارجياً، على المستوى الدولي، تتسم علاقة السلطة المارقة بمحيطها بعدم الاستقرار. عزلة سياسية. فقدان المصداقية الدولية. توتر العلاقات واستخدم الخطابات العدائية لصرف الانتباه عن الأزمات الداخلية. عقوبات أو ضغوط دولية قد تُفرض بسبب انتهاكات حقوق الإنسان أو زعزعة الاستقرار.
وفي بعض الحالات، قد تتقاطع هذه الحالة مع توصيفات تُستخدم في العلاقات الدولية مثل مفهوم Rogue state) الدولة المارقة)، وإن كان هذا المصطلح يُستعمل غالباً من قِبل دول أخرى لوصف أنظمة تراها خارجة عن النظام ا لدولي. لكن الفرق أن "السلطة المارقة" هنا توصيف داخلي لبنية الحكم، لا مجرد حكم سياسي خارجي.
سادساً: سبل التخلص من السلطة المارقة
التخلص من مثل هذه السلطة ليس مسألة بسيطة، بل عملية مركبة تتطلب توافر شروط عدة، مثل بناء الوعي المجتمعي، ونشر الثقافة القانونية والسياسية، وتعزيز مفهوم المواطنة. توحيد الصف الوطني، وتجاوز الانقسامات الأيديولوجية والعرقية والدينية. النضال السلمي المنظم، عبر أدوات مشروعة مثل الحراك المدني، والضغط القانوني، والعمل النقابي. إعداد بديل سياسي واضح، لأن الفراغ خطر جداً، فلا بد من رؤية دستورية ومؤسسية تضمن انتقالاً منظماً. الدعم الدولي المتوازن، والاستفادة من الضغط الخارجي دون الارتهان له.
إن السلطة المارقة لا يمكن أن ترقى إلى مستوى دولة، وهي ليست مجرد سلطة سيئة الإدارة فقط، بل هي بنية حكم تفقد جوهر الدولة، وتستبدل العقد الاجتماعي بشبكة مصالح ضيقة. أثرها لا يقتصر على تراجع اقتصادي أو سياسي، بل يمتد إلى تدمير النسيج الاجتماعي وإضعاف هوية الوطن.