ثورة الشيخ صالح العلي: وثائق وحقائق
محمود اسماعيل
رداً على التزوير الممنهج والتزييف البنيوي للذاكرة الوطنية السورية، ورداً على صبيان المعرفة الذين يحاولون طمس الحقائق التاريخية، تقدم هذه المقالة توثيقاً أكاديمياً لثورة الشيخ صالح العلي، بالاعتماد على الوثائق الأرشيفية الفرنسية والمصادر الأكاديمية الغربية الرصينة.
أولاً: الأدلة الأرشيفية الفرنسية… الاعتراف من قلب الخصم:
إن أبرز الأدلة على حجم وأهمية ثورة الشيخ صالح العلي تأتي من الوثائق المحفوظة في الأرشيفات الفرنسية، والتي تقسم إلى ثلاثة أنواع رئيسية، هي:
1-التقارير العسكرية الفرنسية:
تعد هذه التقارير الصادرة عن القادة الميدانيين الفرنسيين تحت إمرة الجنرال غورو شاهداً لا يمكن دحضه على حجم المقاومة التي واجهوها:
تقارير الجنرال غورو المحفوظة في أرشيف وزارة الدفاع الفرنسية، وهي مذكرات وتقارير رسمية تصف العمليات العسكرية الواسعة النطاق التي أطلقت لإخماد التمرد في جبال الساحل بين عامي 1920 و 1921 وتحديداً بعد معركة ميسلون.
سجلات المعارك التفصيلية المحفوظة في أرشيف وزارة الدفاع الفرنسية، وهي تقارير يومية توثق خسائر القوات الفرنسية بمن فيهم جنود السنغال والقوات الخاصة المشرقية، وتحدد أسماء المواقع التي وقعت فيها الاشتباكات مثل معركة المريقب والسودة، مما يثبت استمرار القتال المنظم.
طلبات التعزيزات المحفوظة في أرشيف وزارة الخارجية، مراسلات بين المفوضية العليا والقيادة العسكرية لطلب المزيد من القوات والعتاد إلى الساحل السوري لمواجهة المقاومة الخطيرة.
إن مجرد إطلاق عمليات عسكرية واسعة النطاق وطلب المزيد من القوات والعتاد لمواجهة المقاومة في منطقة الساحل يؤكد أن ما حدث لم يكن مجرد اضطرابات متفرقة، بل كان ثورة منظمة تهدد نفوذ الانتداب.
2- المراسلات الدبلوماسية والإدارية:
تظهر هذه الوثائق كيف تعاملت الإدارة المدنية والسياسية مع الثورة وتأثيرها المباشر على خطط الانتداب.
وثائق الوساطة البريطانية: تشير مراسلات دبلوماسية إلى محاولات بريطانيا التوسط بين الفرنسيين والشيخ صالح العلي في عام 1919 لوقف القتال، وهذا يؤكد على اعتراف القوى الدولية بالشيخ صالح العلي كقائد لحركة مقاومة شرعية وذات ثقل سياسي.
قرارات إنشاء دولة العلويين: تؤكد المراسلات الرسمية أن المقاومة كانت سبباً رئيسياً لقرار فصل الساحل وإنشاء دولة العلويين في عام 1920 - 1922 كجزء من الاستراتيجية الفرنسية لإضعاف الوحدة الوطنية السورية، وهنا لا بد من التذكير بما ورد في الكتاب الذهبي المترجم عن الفرنسية عندما قام الحاكم العسكري الفرنسي ديبوا باستدعاء الشيخ إلى اللاذقية، وقال له سنحكم هذه البلاد نحن وأنت فقال: أرفض مشاركتكم الحكم لأن ديني وثقافتي تمنعاني من امتهان سيادة وحرية سورية. ولا بد من تذكر الزيارات الثلاث التي تحمل خرائط دولة الجبل وردوه عليها حيث قال: نحن أبناء هذا التراب ولن نترك دمشق وحدها في العاصفة.
ثانياً: الشهادات الأكاديمية الغربية.. التوثيق التاريخي المحايد:
تؤكد الدراسات الأكاديمية الرصينة التي تناولت تاريخ الانتداب السوري على الدور المحوري لثورة الشيخ صالح العلي كحجر زاوية في تاريخ المقاومة الوطنية.
1. فيليب خوري (Khoury, Philip S. (1987). Syria and the French Mandate)
يشير خوري إلى ثورة الشيخ صالح العلي على أنها أول ثورة مسلحة كبرى:
المقاومة المسلحة المبكرة (ص 93):
"In the coastal region, Shaykh Saleh al-Ali led the first major armed revolt against the French, beginning in 1919 in the Alawite Mountain region (Jabal Ansariyya)."
("في المنطقة الساحلية، قاد الشيخ صالح العلي أول ثورة مسلحة كبرى ضد الفرنسيين، بدأت في عام 1919 في منطقة جبل العلويين (جبل النصيرية).")
اندماج الثورات (ص 94):
"The French faced a difficult situation as Saleh al-Ali’s rebellion in the Alawite Mountain coalesced with the much larger revolt of Ibrahim Hananu in the Aleppo area, illustrating the nascent unity of the anti-colonial movement."
("واجه الفرنسيون موقفاً صعباً حيث تضافرت ثورة صالح العلي في جبل العلويين مع ثورة إبراهيم هنانو الأكبر بكثير في منطقة حلب، مما يوضح الوحدة الناشئة للحركة المناهضة للاستعمار.")
2. ستيفن لونغريغ (Longrigg, Stephen H. (1958). Syria and Lebanon Under French Mandate)
يصف لونغريغ التحديات العسكرية التي واجهت سلطات الانتداب:
بداية الثورة (ص 98):
"In the northern parts of the territory... local resistance flared up almost immediately. The first serious trouble arose in the Jabal Ansariyya, where Saleh al-Ali, an Alawi notable, led his clansmen against the French posts in 1919."
("في الأجزاء الشمالية من الإقليم... اندلعت المقاومة المحلية على الفور تقريباً. ظهرت أول مشكلة خطيرة في جبل النصيرية، حيث قاد صالح العلي، وهو شخصية علوية بارزة، عشائره ضد المراكز الفرنسية في عام 1919.")
3. جيمس جيلفين (Gelvin, James L. (1998). Divided Loyalties)
يشير جيلفين إلى أن المقاومة كانت جزءًا من الرفض الشامل للسلطة الجديدة:
الرفض المحلي (ص 137):
"The French faced armed resistance from various quarters immediately after the war. Perhaps the most persistent resistance came from the Alawi Mountains, led by Shaykh Salih al-Ali, who refused to recognize the new foreign authority."
("واجه الفرنسيون مقاومة مسلحة من جهات مختلفة مباشرة بعد الحرب. ربما جاءت المقاومة الأكثر ثباتاً من جبال العلويين، بقيادة الشيخ صالح العلي، الذي رفض الاعتراف بالسلطة الأجنبية الجديدة.")
4. سامي مبيض وماتي موسى (Moubayed & Moosa)
تؤكد الدراسات السيرية (سيرة الشخصيات) والدراسات الاجتماعية الدينية على مكانته ودوره كقائد:
سامي مبيض (Moubayed, S. (2006). Steel & Silk): يوثق مبيض مكانة الشيخ صالح العلي كرمز وطني مبكر، مؤكداً على أنه "أول من أطلق حركة مقاومة مسلحة منظمة ضد السلطات الفرنسية في المنطقة الساحلية في ديسمبر 1918" (ص 363)، وأن إعلانه الولاء للحكومة العربية المؤقتة في دمشق "عزز الطابع الوطني للثورة" (ص 364).
ماتي موسى (Moosa, M. (1987). Extremist Shiites): يشير موسى إلى أن العلويين "تمردوا بقيادة الزعيم الديني والقبلي الشيخ صالح العلي، الذي ناصب الفرنسيين العداء رافضاً احتلالهم" (ص 282)، مما يؤكد البعد الديني والاجتماعي لقيادته في مواجهة الاحتلال.
خلاصة توثيقية
تؤكد هذه الوثائق والمقتطفات الأكاديمية بما لا يدع مجالاً للشك أن ثورة الشيخ صالح العلي كانت:
ثورة مسلحة كبرى: استدعت حملات عسكرية فرنسية واسعة النطاق وخسائر موثقة في سجلات المعارك.
حركة وطنية مبكرة: تحالفت مع الحكومة العربية في دمشق وتضافرت مع ثورة إبراهيم هنانو، مما يؤكد طابعها الوطني الموحد ضد الاستعمار.
عامل سياسي مؤثر: أدت بشكل مباشر إلى تغييرات إدارية فرنسية، مثل قرار إنشاء دولة العلويين، كاستراتيجية لمواجهة المقاومة.
إن محاولات التقليل من شأن هذه الثورة هي محاولة بائسة لمحو إحدى أنصع صفحات المقاومة السورية في التاريخ الحديث.