زوهران ممداني عمدة نيويورك

مروان حبش

 ما يعنيه انتخاب زوهران ممداني عمدةً لنيويورك: انعكاسه داخل المدينة وعلى الجالية اليهودية هناك، علاقته بالقضية الفلسطينية، ومدى احتمال أن يصبح نموذجاً سياسياً "تسونامياً" يُقلَّد في أماكن غربية أخرى.
أولاً - حقائق أساسية موجزة
ينحدر "ممداني" الذي ترشح كمستقل وفاز في انتخابات نيويورك 2025 وأصبحَ العمدة المنتخب للمدينة. من خلفية يسارية- تقدّمية (عضويتة في صفوف الديمقراطيين وتحالفاته مع التيارات الديمقراطية الاشتراكية)، وبرنامجه يركّز على القضايا المعیشية: السكن، المواصلات المجانية أو الرخيصة، رعاية الأطفال، ورفع الضريبة على الأثرياء والشركات.
صرح "ممداني" مراراً بأنه ضد الحرب على غزة، وهو يدافع عن حقوق الفلسطينيين، وفي الوقت نفسه قد أدان معاداة السامية وصرّح برغبته في حماية الجاليات الدينية المختلفة داخل المدينة. هذه المواقف معاً جعلت مكانته معقّدة في أوساط الجالية اليهودية.
ثانياً - انعكاس نجاحه على الجالية اليهودية في نيويورك
المجتمع اليهودي في نيويورك غير موحد وتوجد أطياف يهودية متعددة: طيف واسع من المحافظين والصهاينة التقليديين إلى يهود ليبراليين-تقدميين منتقدين لإسرائيل. وانتخاب ممداني يجسّد هذا الانقسام، إذ بعض اليهود يشعرون بقلق حقيقي لأن ممداني يوصف بـ"معادي للصهيونية" أو ناقد لسياسات إسرائيل، في حين أن قطاعات يهودية تقدُّمية ترى في فوزه فرصة لالتزام المدينة بحقوق الإنسان وحماية الحريات المدنية.
مثَّل نجاحه ارتياحاً لدى اليهود الليبراليين- اليساريين، وهؤلاء يتعاطفون مع تركيزه على العدالة الاجتماعية وحرصه على رفض الاستبداد والعنصرية، ولذا قدموا له تشجيعاً وتصويتاً مشروطاً بالقيم المحلية.
خلق نجاحه تخوفاً لدى قطاعات أكثر تقليدية أو مؤيدة لإسرائيل سياسياً: قادة سياسيون وحكومات خارجية عبَّرت عن قلقها، وبعض السياسيين الإسرائيليين أدانوا النتيجة وطلبوا من اليهود التفكير بالهجرة (تصريحات استفزازية وردود فعل يُظهر عمق التوتر). هذا الطيف من ردود الفعل يعكس الخوف من أن صرحنة مواقف ممداني تجاه إسرائيل قد تترجم إلى سياسات بلدية أو رمزية تضايق الجالية.
قد يكون لنجاح "ممداني" أثر عملي محتمل أقل من الهلع وأكثر من الانتباه، حيث من المرجّح أن يتعامل عملياً مع قضايا مثل الأمن المحلي للمؤسسات اليهودية، والجرائم المعادية للسامية، والخدمات البلدية بنفس المنهجية العمرانية والاجتماعية التي يَعِدُ بها، أي أن القلق الأكبر الآن ليس دائماً سياسات خارجية، بل كيف ستحمي المدينة حيّزها المدني لجميع الجاليات. في ذات الوقت الذي أعاد "ممداني" التأكيد على إدانته لمعاداة السامية ونيّته العمل مع قادة المجتمع اليهودي..
ثالثاً — انعكاس نجاحه على القضية الفلسطينية والعلاقة مع غزة
ممداني معارضٌ للحرب على غزة ويدعم حقوق الفلسطينيين، وعبَّر عن مواقف نقدية تجاه سياسات إسرائيل المتعلِّقة بالصراع. وانتخابه يعطي صوتاً مدنياً مهمّاً على مستوى بلدية تمتلك منصة إعلامية وسياسية عالمية. لذلك تقع توقّعات التأثير في خانة الرمزية السياسية والدبلوماسية المدنية )إدانات، بيانات، دعم لمنظمات حقوقية محلية) أكثر منها تغييرات مباشرة في سياسة الخارجية الأميركية.
إن قدرة عمدة مدينة على تغيير مجريات الحرب أو سياسة واشنطن عملياً تجاه إسرائيل- فلسطين محدودة، لكن العمدة يستطيع توجيه سياسات المدينة (تمويل منظمات محلية، عقود عامة، علاقات أخوية مع مدن فلسطينية-إسرائيلية، برامج تعليمية) ما يجعل المدينة منبرًا مدنيّاً مؤثّراً يُسجِّل مواقف واضحة. هذا قد يزيد الإحساس بالشرعية أو التعارض لدى أطراف معيّنة داخل الجالية اليهودية وخارجها.
رابعاً — هل نجاح ممداني "تسونامي" في المجتمع الأميركي؟ هل هو انتقام من استبداد الرئيس "ترامب" وأزمة المعيشة؟
"ممداني" الفائز بمنصب العمدة جاء كممثل لتيار يساري شبابي يركّز على الضغوط الاقتصادية الحقيقية (غلاء السكن، كلفة المعيشة)، وانتصاره يُقرأ على أنه رسالة انتخابية ضد استبداد "ترمب" وسياسات اليمين والـ "بوبليزم" التي يستغلها "ترامب". وربطت وسائل الإعلام والمحلّلون السياسيون فوزه بإرهاق الناخبين من أزمة المعيشة والرغبة بتجربة حلول جذرية محلياً. وهي عناصر تجعل فوزه رمزيّاً "كموجة".
لكن ليس كلُ فوز محليّ قابل لأن يُعمّم كقاعدة. لأن المدن الكبرى في الولايات المتحدة تختلف ظروفها عن نيويورك المدينة الإستثنائية (تركيبة سكانية، اقتصاد عالمي، منظومة ناخبين خاصة). ونجاح حملة انتخابية قائمة على "تعبئة الشباب، الناشطين المجتمعيين، وحلول نابعة من غضب محل يمكن أن تُقلَّد تكتيكياً، لكن نجاحها في مدن أخرى يعتمد على موازين قوى محلية: "قوة النقابات، بنية الحزب الديمقراطي المحلي، تشكّل قواعد انتخابية، وموضوعات الإجماع المحلي.
خامساً – تطرقت الصحف والتحليلات الدولية بالفعل إلى إمكان استلهام نموذج "ممداني" كدرس في مواجهة اليمين. وهناك احتمالان متوازيان لكي يتحوّل هذا النموذج إلى دليل عمل للسياسيين الراديكاليين في العواصم الغربية.
1-النسخ التكتيكي: وجود عناصر من نموذج "ممداني" تركّيز على المعیشة، تعبئة قواعدية مكثفة عبر متطوعين وشبكات شبابية، تحالفات بين يسار ديمقراطي وليبرالي يمكن تقليدها ونجاحها في أماكن تشهد أزمة معيشية مشابهة.
2-الحدود الاستراتيجية :لكن تحويل الخطاب الراديكالي بالكامل إلى "استراتيجية موحّدة" يواجه عقبات، إذ تختلف هياكل الأحزاب، المسائل المحلية (مثل الأمن، العقارات، البنية التحتية) تتطلّب حلولاً عملية وليس شعارات فقط، كما أن جزءاً من الجمهور الغالب على بعض العواصم قد يقاوم سياسات تُعَدُّ "متطرِّفة" اقتصادياً أو رمزيّاً. لذلك من المحتمل أن يُستلهم نموذج "ممداني" لا أن يُستنسخ حرفياً في كل مكان.
سادساً - عوامل نجاح-فشل "ممداني"، بُعدها وتأثيرها على السياسات المحلية والدولية
عوامل نجاحه على المدى القصير تكمن في قدرته على تنفيذ وعوده الاقتصادية (سكنٍ رخيص، مواصلات، دعم اجتماعي)، وتشكيل تحالفات تنفيذية داخل مجلس المدينة والبُنى الإدارية. إن نجح اقتصادياً واجتماعياً سينخفض الاحتقان، أما إذا تعثر فستزداد التوترات الرمزية حول مواقف إسرائيل-فلسطين ويزداد الاستقطاب. وأفضل مسار حالياً للشريحة اليهودية في نيويورك هو الدخول في حوار عملي مع مكتب العمدة. وطلب ضمانات واضحة حول الأمن المؤسسي، الشراكة في برامج مناهضة الكراهية، ووجود قنوات تواصل دورية للتخفيف من المخاوف. بالمقابل، على المناصرين للفلسطينيين أن يفصلوا بين أجزاء البرامج المحلية وحقوق التعبير السياسي لتقليل الاحتكاك اليومي.
سابعاً – على "ممداني" ترجمة وعوده إلى سياسات واقعية، ومواقف رسمية من شؤون الأمن العام وحماية المؤسسات الدينية، إدارته للأزمة المعيشية وإن كان قادراً على إظهار نتائج اقتصادية ملموسة (تخفيضات فعلية في الكلفة. إجراءات إسكانية ناجعة). علاقاته مع قادة الجالية اليهودية ودعواته للحوار والنأي العملي عن العنف أو الخطاب التحريضي. وبذلك سينخفض التوتر الإيديولوجي.
انتخاب "ممداني " علامة مهمة. هو مزيج بين احتجاج اقتصادي وتحوّل ديموغرافي وثقافي في السياسة الحضرية. وتأثيره الرمزي كبير داخل وخارج الولايات المتحدة، لكنه ليس بالضرورة "قالباً عالمياً" فورياً لكل اليسار.
تثير النتيجة كلاً من القلق والفرص بالنسبة للجالية اليهودية في نيويورك بسبب مواقف "ممداني" من إسرائيل، والفرصة لفتح قنوات جديدة للعمل المشترك على قضايا الحياة اليومية وحماية الحقوق المدنية.
فوز "زوهران ممداني"، وهو السياسي التقدّمي الذي يعلن موقفاً صريحاً ضد الحرب على غزة ويدافع عن حقوق الفلسطينيين، وهذا يمثّل تحوّلاً رمزياً عميقاً في المشهد الأميركي .ولأول مرة منذ عقود، يصبح في رأس مدينة محورية في أمريكا مسؤول يعبّر عن لغة العدالة للفلسطينيين دون أن يُخفيها أو يخففها.
لكن هذا التحول لا يعني أن الطريق ممهد، بل يعني أن الفرصة التاريخية تحتاج إلى إدارة حكيمة.
إن النجاح الرمزي لا يُبنى على الشعارات، بل على تحويل اللغة إلى شراكات مدنية حقيقية، وعلى النشطاء العرب إدراك أن المرحلة الجديدة تتطلّب انتقالاً نوعياً: من منطق الاحتجاج المنعزل إلى منطق التحالف المؤسسي. ومن الاكتفاء برفع الصوت ضد الحرب إلى بناء أطر بلدية داخل المدينة: (لجان حقوق إنسان، شبكات ثقافية، برامج دعم قانوني، حضور منظم في مجلس المدينة). ومن الخطاب الغاضب إلى الاقتراح السياسي التفصيلي: (ميزانيات، مشاريع، إصلاحات). كي تصبح المطالب الفلسطينية جزءاً من البنية المدنية للنقاش المحلي، لا حدثاً طارئاً يشتعل ويخبو.
"ممداني" ليس وحده؛ بل حوله طيف واسع من القوى اليسارية والاشتراكية والديمقراطية الاجتماعية.
لذلك على النشطاء العرب والفلسطينيين خاصة أن: يتجنّبوا حصر العلاقة بشخص العمدة فقط، وأن يبنوا جسوراً مع كل القوى المؤيدة له (النقابات، حركات السكن، منظمات العدالة العرقية، الجمعيات الطلابية). إن هذه القوى هي التي ستحمي مساحة الحديث عن فلسطين من التسييس المفرط، وتجعلها جزءاً من خطاب العدالة الشاملة لا ملفاً خارجياً مثيراً للجدل.
أثار فوز ممداني انقساماً داخل الجالية اليهودية في نيويورك. هناك تيار متنامٍ من اليهود التقدميين الذين ينتقدون سياسات إسرائيل ويدافعون عن العدالة للفلسطينيين. وعلى النشطاء العرب دعم هذا التيار لا بخطاب الشماتة أو "النصر الرمزي"، بل بالتقاطع القيمي): حقوق الإنسان، إنهاء العنف، العدالة الاجتماعية للجميع. ورفض أي لغة تحمل معاداة للسامية أو تهديداً دينيّاً، فهذا يفقد الشرعية الأخلاقية والسياسية فوراً، ومن مبدأ إن نقد إسرائيل لا يعني رفض اليهود، ومقاومة الاحتلال لا تعني رفض الجيرة أو التعايش،. ويجب أن يُعرض الخطاب الفلسطيني في نيويورك لا كقضية خارجية، بل كاختبار للقيم الأميركية نفسها :كيف تفهم المدينة العدالة؟ وكيف توازن بين حرية التعبير والأمن المجتمعي؟ وكيف تتعامل مع الضحايا المدنيين دون تمييز؟
إن ربط قضية فلسطين بمفاهيم العدالة، الطبقية، التمييز، والحقوق المدنية يجعلها جزءاً من نسيج الخطاب الأميركي، لا اسثناءً، وهذا يتطلب تشكيل ائتلاف عربي تقدّمي داخل نيويورك للتنسيق مع مكتب العمدة. وإ،عداد مذكرة سياسات تطرح ملفات واضحة:
-حماية حرية التعبير المؤيدة لفلسطين في الجامعات والوظائف.
-دعم المبادرات الإنسانية لغزة ضمن الأطر القانونية الأميركية.
-إدراج القضية الفلسطينية ضمن برامج التبادل الثقافي والحقوقي في المدينة.
-تنظيم ورشات مشتركة مع حركات العدالة الاجتماعية والناشطين السود واللاتينيين حول الاحتلال والعنصرية البنيوية.
هناك مخاطر من الواجب تجنّبها مثل:
-الوقوع في فخ الاستفزاز الطائفي أو الخطاب الانفعالي ضد الجاليات الدينية الأخرى.
-رفع سقف التوقعات بشكل غير واقعي. (ممداني لا يملك سلطة على السياسة الخارجية).
-حصر النشاط في قضايا رمزية دون تراكم مؤسسي ملموس.
إن نجاح "ممداني" ليس نهاية الطريق بل بدايته. والمطلوب أن يتحول هذا الحدث إلى بنية مستدامة، وهذا يتطلب حضوراً عربياً شرعياً في النقاش العام الأمريكي، وشبكة مؤسسات محلية تمارس التأثير من الداخل، وخطاب أخلاقي يربط الحرية الفلسطينية بالعدالة لكل الشعوب.
إن الانتصارات الرمزية لا تدوم إلا إذا تحوّلت إلى قدرة تنظيمية. وفوز "ممداني" يفتح باباً، لكنه لن يبقى مفتوحاً طويلاً. وعلى النشطاء العرب أن يدخلوا عبره بعقل متروٍ، وأفق واسع، ورؤية تجعل من نيويورك -لأول مرة- ساحة تُسمع فيها كلمة فلسطين بوضوح، دون خوف، ودون كراهية.
 
*****
كلمة "البوبليزم" (Populism) تشير إلى حركة سياسية أو فلسفة تعبر عن مصالح ومطالب الشعب، وغالبًا ما تتعارض مع النخب السياسية أو الاقتصادية. يتميز "البوبليزم" بالتركيز على فكرة أن الشعب هو مصدر الشرعية، وأنه يجب أن يكون له صوت أكبر في اتخاذ القرارات السياسية.
يمكن أن يتخذ "البوبليزم" أشكالًا متعددة، حيث يمكن أن يكون يمينيًا أو يساريًا، ويعتمد على السياق الثقافي والسياسي للدولة المعنية. في بعض الأحيان، يُستخدم البوبليزم كوسيلة لجذب الدعم الشعبي من خلال تقديم وعود بسيطة أو شعارات قوية تلامس مشاعر الناس وتطلعاتهم.