محطات من قطار الرعب التدمري.. النفق
محمد سالم عتال
في سجن تدمر، أصبحنا نحن المساجين أرقاماً، ليس لها أية قيمة، ننتظر حتفنا كل يوم، بل كل لحظة، وخياراتنا محدودة ومحصورة، بين الموت قهراً، أو جوعاّ، أو مرضاً، أو تحت التعذيب، أو إعداماً على أعواد المشانق.
خسرنا كل شيء حتى اسمنا، ولم نعد نملك إلا إيماننا الذي تعزز في نفوسنا، ولم يهتز أبداً رغم شدة المآسي وضغوطات السجن الكثيرة، وأيضاً إنسانيتنا التي تجلّت بأبهى صورة، وأنقى سريرة، في تعاملاتنا فيما بيننا نحن المسجونين رغم ضآلة الأمكانيات، وشح الموارد...
فرغم المراقبة المستمرة، التي كانت تحصي علينا أنفاسنا، وتحاسبنا على رفرفة أهدابنا، وخفقات قلوبنا، كنا نلتزم ونحافظ على أداء صلواتنا وواجباتنا الدينية، وكم تعرضنا لحفلات شديدة من التعذيب الجماعي، بسبب شكوك أحد السجانين بأننا كنا نصلي لربنا، ولو بعيوننا..
وكم دخلوا علينا في شهر رمضان بعد إدخال طعام الفطور أو الغذاء، فوجدونا قد جمعنا و حفظنا، وجباتهم الشحيحة، لنفطر عليها ونقتات عند الغروب بعد جوع الصيام، فلم يكتفوا بأن أمرونا أن نرمي الطعام الذي جمعناه في المراحيض، بل تعرضنا لحفلة تعذيب جماعية بتهمة صيام شهر رمضان تلك التهمة الخطيرة التي أضيفت لتهمنا الأصلية.
أما حلقات التعليم، وتحفيظ القرآن، والأحاديث النبوية، ومراجعة الفقه والعلوم الأخرى كاللغات والتاريخ وغيرها من العلوم، فكانت تتم سراً و همساً، وفي زوايا المهجع الميتة، ودون إثارة أية ريبة أو شكوك.
وأكثر سجناء تدمر الذين كتب الله لهم الحياة، و خرجوا إلى الحرية من جديد، كانوا من حفظة كتاب الله، رغم عدم وجود أية نسخة من القرآن الكريم داخل السجن، بل تم تجميعه من صدور الحافظين، ومراجعته وتثبيته باستمرار.
أما عن الإنسانية التي تجلت بأبهى صورها داخل المهاجع، فحدث ولا حرج...
فالإيثار بين الأخوة المساجين، كان غايتهم وديدنهم، فرغم شح الإمكانيات، وقلة الموارد، كان الإخوة يؤثرون بعضهم على بعض، في كل شيء، وهم بأمس الحاجه إلى كل شيء، في الماء والطعام، والدواء إن وجد، وحتى في اللباس والغطاء، وقضاء الحاجة.
فللمريض أولية حسب نظام المهجع، في حصته بالطعام، والشراب، والحمام وكذلك للمسن أفضلية على الشباب..
أما اللباس، والذي مرت عليه السنون، وهو يغسل ويلبس، فقد تقطّع، ورقّع، ورقّع، ورقّع، حتى أصبح السؤال المحير الذي يصعب الجواب عليه، ما هو لون البنطال الأصلي، أو ما هو شكل القميص عندما دخلت عليكم فيه من سنوات، بعد أن أصبح بكل ألوان الطيف، وجمع كل أشكال المأساة.
وأذكر هنا مثالاً، لست أنساه، عندما دخل أحد الإخوة إلى المهجع بعد حفلة تعذيب وقد تمزق بنطاله، ولم يعد يستر إلا جزءاً من عورته، فبدأت حملة التبرعات، كل يتبرع بما يزيد عن حاجته من قطع القماش والرقع، وعندما لم يجد الأخ محمد كزارة (شاب حلبي أصيل، أعدم عام ١٩٨٧م، وخرج ليلاقي ربه ببنطاله القصير كثير الرقاع) رقعة يتبرع بها، وقف في أحد زوايا المهجع، وقص قطعة من بنطاله القصير أصلاً من كثرة ما تبرع به من رقاع، حتى أصبح بنطاله يصل إلى ركبتيه، وقدّمها هدية بنفس طيبة وسخيه إلى أخيه الجريح...
كثيرة هي المشاهد التي عايناها وعايشناها، والتي تجاوزت كل مظاهر الجود والكرم إلى الإيثار، والذي هو حقاً، أنبل خلق، وخير دثار، وأرفع شعار، وهو علامة حب المرء لإخوانه، وبرهان على سلامة النفس من مرض الأثرة، والجشع والأنانية، ولا يمكن أن يفعله إلا مؤمن، يؤمن بالأجر العظيم من رب كريم، فأي كرم أن يجود المرء بالقليل الذي في يديه وهو بأمس الحاجة إليه، ويجوع ليشبع غيره، ويتألم ليرتاح أخوانه، ويسهر لينام أحبابه..
والغريب أن من يواسيك هو نفسه ليس خالياً من الجراح، ولا من يعطيك يملك أكثر مما أعطاك..
وليس الإيثار متاع وطعام ودواء فحسب، فقد يشاطرك أحدهم أخر زاده من الصبر، ويهبك ما تبقى من أمل، ويتقاسم معك أخر ابتسامة قبل أن ينفرد إلى أحزانه وآلامه..
ولعل أقوى صور الإيثار اليومية، صورة أولئك الشباب الذين يصرّون أن يكونوا في أطراف الصف وفي زواياه، وليس في وسطه أثناء التنفس والتفقد، ليتلقوا الصفعات والرفسات واللكمات والسياط عن أخوانهم، وكأنهم يشكلون سياجاً بشرياً، وقبة من لحوم حية، تتلقى الأذى و الضربات عن من معهم، وهم يعلمون أن مثل هذه البطولة ستكلفهم الكثير، وقد يكون ثمنها غالٍ، فقد يدفعون عضواً من أعضائهم مقابل تلك الوقفة الرجولية...
وسأحدثكم عن قصة من قصص الإيثار التي حدثت معي شخصياً، والتي أثرت فيّ أشدّ التأثير، وما زلت أشعر بفضل ومنّة أخوتي علي، وأرى فيها حقاً قمة الفداء والإيثار والتضحية...
صحوت صباح يوم تدمري مقيت، ليخبرني الحرس الليلي الداخلي، وهو المسؤول عن تنظيم أمور المهجع ودور الحمامات أثناء فترة النوم الليلي، أن العسكري الذي كان يراقبنا ويحصي علينا أنفاسنا، من النافذة المشبكة بالقضبان الحديدية في سقف المهجع، قد علمني، وهذا روتين تدمري يومي، يستفتح به السجانون الساديون يومهم بجلسة تعذيب لعدة أشخاص معلمين من كل مهجع يتم جلدهم صباحاً مع إدخال الفطور للمهاجع كصباحية تدمرية عادية، ولا تسأل عن السبب، فلا يوجد سبب، فقط صرخ بالحارس الليلي:
- ولاك حرس، علم لي هالحيوان يلي قلب على سيفو اليمين.
لا أستطيع أن اعترض، ولا أملك أن أقول إلا الأمر لله من قبل ومن بعد، و أسلم الأمر لصاحب الأمر...
ما إن بلّغني الحرس بهذا الخبر المزعج حتى جلستُ كالصنم، أتمم، وأدعو الله في سري، يا رب كن معي، يا رب هوّن علي، يا رب احمني وقوّني و ثبتي، و ساعدني..
يا رب اجعل سياطهم على بطني قدميّ، وأبعدهم عن ظهري ورأسي، يا رب فقط بالكرباج، ولا يكن معهم غلاظ العصي أو بواري حديد، يا رب لا يقفزون على ظهري، ولا يرفسوني بالبصاطير على وجهي ورأسي، يا رب سلم عيوني ووجهي، يا رب، يارب سلم. يا رب سلم...
وما زلت أتمتم وأدعو وأنا ارتجف من الخوف وترتعد أوصالي من الانتظار، حتى وصل قطيع الوحوش، وبدأت أسمع أصوات فتح أبواب المهاجع المجاورة في باحتنا الأولى، وصوت العسكر وهم يصرخون: ولاك دخّل الفطور، وطالع المعلمين بسرعة...
ولتبدأ بعدها حفلات التعذيب، وأصوات السياط تمتزج مع صياح المعذبين فتمزق داخلي ووجداني، وأنا ألملم نفسي وأثبّتها بانتظار هذا المصير القادم لا محالة...
وعندما وضع السجان المفتاح في قفل مهجعنا، وقفت خلف باب المهجع، وأنا ارتجف وأقرأ القرآن، وأمسح بيديّ على جسدي من رأسي حتى أسفل قدمي..
وصرخ السجان اللئيم بعد أن فتح باب المهجع بصوت عال هزّ أركاني:
- ثلاثة، ولاك كر، دخّل الفطور، وطالع المعلمين.
استجمعت قوايّ، وطأطأتُ رأسي وأغمضت عينيّ، وألقيت بنفسي نحو خارج المهجع إلى مصيري المجهول.
لكنني، تفاجأتُ باثنين من أخواني من داخل المهجع وقد أمسكاني بقوة وحملاني، وسحباني نحو داخل المهجع، بينما رمى عثمان الطباع بنفسه ليفديني إلى خارج المهجع.
صحوت من الصدمة، على صوت عثمان وهو يئن من الألم تحت وطء السياط، ويتلقى عني ما يقرب من مائة سوط، تتناوب على جسده بانتظام، لتعزف سيفونية مؤلمة في سمعي ووجداني، فكلما نزل سوط على جسد عثمان، كنت أغمض عينيّ بقوة ويهتز كياني وأشعر بلسعة السوط في قلبي وعلى جسدي، وأنا ألوم نفسي وأقول: ما ذنب عثمان ليعذب مكاني، بل ما ذنبي أنا وقد تعب جنبي الأيسر من حملي أثناء النوم، فتقلبتُ وأنا في عزّ نومي على جنبي الأيمن، هنا لا تملك أن تسأل أو تتساءل أو تعترض، هنا لا تملك إلا الاستسلام، هنا نحن حقاً بين يدي ألطاف الله سبحانه...
كان عثمان يصرخ من لسع السياط، وقلبي وحواسي وكلي يهتز مع كل سوط وصراخ..
انتهت جلسة التعذيب لعثمان بعد أن أتعبتني في جسدي وأرهقتني في روحي، ودخل عثمان الفدائي الحموي الشهم، وهو يمشي كالبطة العرجاء على أطراف قدميه المتورمتين، ولكنه يبتسم ابتسامة الرضا، يبتسم لأنه فداني بجسده، وحواسه وكل ما يملك، لقد رمى بنفسه للوحوش بدلاً عني، وهو يعلم أنه قد لا يعود، أو قد يعود وهو يحمل عينه، أو سنه بيده، أو يمسح دمائه النازفة من فمه وأنفه...
لكنه سعيد، يبتسم ابتسامة رضا وقبول،
يا إلهي، فهل بعد هذا من فداء، وهل بعد هذا من تضحية وإيثار؟!
ركضت نحوه، أتفحصه، بكل حواسي، أنظر في عينيه، في أنفه، في أذنه، في كل قطعة من جسده، أقول له: طمني، هل هناك ما يؤلمك، ما يتعبك؟!
فيجيب وهو يفتر: الحمد لله يا دكتور، لا تقلق، أنا بخير..
أعاتبه وأقول له: لماذا فعلت هذا؟! ما ذنبك؟
فيجيب وهو يرفع رأسه بعز وثبات: عادي، أنت بتستاهل.
نظرت إلى حسان علوان بجانبي وهو أحد الأخوين الذين سحباني للداخل ومنعاني من الخروج نظرة عتاب: لماذا فعلتم هذا، لماذا تآمرتم علي؟!
فيجيب حسان ذلك الشاب الحموي الأصيل: هذا أقل واجب يا دكتور، أنت خدمتنا كتير، والله كنا مختلفين على شيء واحد فقط، مين بدو يسحبك للداخل ومين بدو يطلع بدالك. لكن عثمان أصرّ وحلف يميناً، ما حدا بيطلع إلّا هو، وكسب أجرك..
ومع اشتداد حوادث التعذيب في السجن، وزيادة ظاهرة المعلمين الصباحية، والتي أصبحت عادة تدمرية يومية، يتسلى بها السجانون في قهرنا وتعذيبنا، ولا يتركون لنا فرصة للراحة حتى أثناء النوم ليلاً، تم تشكيل كتيبة من الفدائيين في كل مهجع، وهم حوالي عشر إلى خمس عشرة شاباً، يتناوبون فيما بينهم، يومياً فداء لأخوتهم المعلمين في المهجع كل صباح....
فهل بعد هذا من إيمان! وهل بعد هذا من فداء وتضحية وإيثار؟!...