كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

في نظرية العقد الاجتماعي.. 1 من3

مروان حبش- فينكس

هي نظرية فلسفية لتفسير فكرة أصل الدولة وقيامها، ومؤادَّها أن الدولة قامت نتيجة تعاقد تُنهي حالة الفوضى، وأية مخالفة من جانب الحاكم لشروط التعاقد تعتبر مبرراً لفسخ العقد الاجتماعي.
تعتبر نظرية العقد الاجتماعي حجر الزاوية في الفلسفة السياسية التي تسعى إلى شرح أصول السلطة السياسية وشرعيتها، ويفترض أن الأفراد يدخلون طوعاً في عقد اجتماعي مع بعضهم البعض ومع الدولة، ويوافقون على التنازل عن بعض الحقوق والحريات مقابل الحماية والحفاظ على النظام الاجتماعي.
تقدم نظرية العقد الاجتماعي إطاراً لفهم أصول السلطة السياسية وشرعيتها، وتسلط الضوء على أهمية الموافقة، والعقد الاجتماعي، وحماية الحقوق الفردية داخل المجتمع. ويشهد تاريخ الفلسفة السياسية تكرار استعمال عبارة "العقد الاجتماعي"، فالفيلسوف السياسي جوهان ألثوسوس في كتابه "الطريقة السياسية" 1603، يشير بأن المجتمع يمكن تفسيره بواسطة العقد الاجتماعي
يمكن إرجاع مفهوم العقد الاجتماعي إلى الفلسفة الكلاسيكية في اليونان القديمة وروما، والتي يُعد أفلاطون وأرسطو وشيشرون أبرز مفكريها، وكان الإغريق القدماء، يرون أن المجتمع يتفق حول العلاقة التي تجمع بينهم وبين الدولة. وترتبط نظرية العقد الاجتماعي عندهم بالأخلاق حيث يكون الالتزام بالقوانين والتزامات العقد الاجتماعي مبنياً على الأخلاق والقيم المجتمعية. ولقد شهدت هذه النظرية عصرها الذهبي في القرنين السابع عشر والثامن عشر خلال فترة التنوير، واكتسبت مكانة بارزة كإطار فلسفي لفهم السلطة السياسية. وهي فلسفة سياسية حديثة، تعتقد أن أصل الدولة يعود لعقد بين الناس قبلوا بموجبه وجود قوانين تحد من حريتهم، مقابل ضمان استمرار حياتهم وحياة المجتمع.
وترى هذه النظرية أن الإنسان حيوان اجتماعي يستطيع الدخول في اتفاق ينظم المجتمع. ويربط بين الأفراد والدولة من خلال اتفاق يحدد الالتزامات والحقوق والقوانين اللازمة لضمان أمن المجتمع وسلامته، حيث كان المجتمع يتفق حول العلاقة التي تجمع بينهم وبين الدولة.
وفي موروث العرب الحضاري يشع اسم ابن خلدون 1332- 1406 الذي يعتبر الاجتماع البشري شرطاً أساسياً لوجود السلطة، وإدارة شؤون السياسة، كما يرى أن القوانين السياسية التي تحكم الناس ثلاثة وهي: قوانين تعتمد السياسة العقلية ويكون جُلّ اهتمامها أمور الدنيا، وهي تخضع لغايات الحاكم المستبد، وتقدم مصلحته على مصالح العامة. وقوانين تعتمد السياسة المدنية وهي ما يطلق عليه الحكماء اسم "المدينة الفاضلة"، لكنها سياسة خيالية، لأنها تعتمد على الفرد، وتبتعد عن إرادة الحاكم صاحب السلطة. وقوانين سياسية دينية، أي الحكم بشرع الله، وهي الأكثر نفعاً. ويركز ابن خلدون على دور العوامل البيئية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية في نشأة وتطور المجتمعات، وأن الدولة مؤسسة تنشأ في المرحلة المتأخرة من تطور المجتمعات البشرية، عندما يتحد المجتمع لتحقيق مصالحه المشتركة وتوفير الأمن والعدالة، وأن الدولة التي تنشأ في بداية تكوُّن المجتمع تكون منخفضة وضعيفة في القوة. ويعتبر السلطة، التي تُبنى على العصبية والغلب، هي عبارة عن توزيع للقوة والنفوذ في المجتمع، وهي تنشأ من قوة الناس وقدرتهم على تحقيق الغايات المشتركة والتعاون الاجتماعي.
إن نهاية القرون الوسطى في أوربا وضعت حداً لهيمنة الكنيسة وسيطرتها، وأدت إلى ردود فعل قوية، وولَّدت مبادئ وأفكاراً جديدة لم تكن معروفة ولا معهودة من قبل، سواء في العلاقات الدولية، أم في العلاقات الداخلية. فمن الناحية الدولية أصبحت الدول الغربية مستقلة بعضها عن بعض وتخلَّصت من تسلط الكنيسة، فأدى ذلك إلى حدوث رد فعل عنيف بدأ في الأفكار التي نادى بها المفكر الايطالي "نيقولا مكيافلي" والتي تبرر الاستبداد والطغيان، والسيادة المطلقة للدولة، ولم يكن يهمه إلا "صالح الدولة، وأن الغاية تبرر الوسيلة". ومِثلُ هذا فَعلَ الفيلسوف السياسي الفرنسي جان بودان (1530-1596)، فهو يرى أن الأمير فوق القانون، وأن القانون لا يلزم الأمير لأنه متحلل من كل الالتزامات القانونية، وإنما يلتزم بالتزامات خلقية. ولهذا فان كلاً من "مكيافلي وبودان" لم يكونا يؤمنان بدولة القانون أو دولة المشروعية. ولكن فقيهاً ألمانياً كبيراً هو "جاست كروسيوس 1715- 1775" قام ينادي في الميدان الدولي بضرورة قيام علاقات الدول فيما بينها على أساس من العدل والمساواة وذلك لبقاء المنتظم الدولي، وسيادة الأمن فيه ودوام العلاقات الطيبة فيما بين أعضائه، وإن ْكان هذا الفيلسوف لم يستطيع أن ينجو من مناخ عصره، فإذا به يجيز استعباد الدولة لدولة أخرى وأنْ تضع دولة ما نفسها تحت كنف دولة أخرى، وأن الحرية وإن كانت من الحقوق المقدسة، إلا أنه يجوز التنازل عنها.هذا بالنسبة للميدان الدولي، أما في الميدان الداخلي فإن الضرورة أصبحت ملحة لتنظيم علاقات الحاكمين بالمحكومين ومدى الحقوق التي كان يملكها الأفراد العاديون قبل الدولة. وبدأ هذا عند فلاسفة العقد الاجتماعي، وتقوم نظرياتهم على قناعة الأفراد بضرورة الاتفاق على الخروج من الحالة الطبيعية، ما قبل الدولة أو حالة الفوضى إلى الحالة المنظمة.
فرضية العقد الاجتماعي
تنطلق نظرية العقد الاجتماعي من الفرضية القائلة بأن نشوء المجتمع لم يكن طبيعياً، بل اصطناعياً، حيث كان الناس يعيشون في الحالة الطبيعية، ما قبل الدولة، من دون قوانين تنظم حياتهم، مما أدى لانتشار الفوضى الأمر الذي دفع الناس للاتفاق على عقد بينهم، ينقذ حياتهم، وينظم شؤونهم، وبموجبه يتخلون عن بعض حقوقهم الطبيعية لصالح الدولة.
تقف نظرية العقد الاجتماعي في مقدمة النظريات الخاصة بنشأة الدولة من وجهة نظر كثير من كتَّاب وفلاسفة الفكر السياسي، بل إنهم يرجعون التنظيم السياسي الحديث وسيادة مبادئ الديمقراطية الحديثة إلى هذه النظرية. وتقوم من حيث المبدأ على افتراضين: الأول هو ما يتناول حالة الفطرة الأولى، والثاني يدور حول فكرة العقد سواء أكان عقداً اجتماعياً أو سياسياً، يتضح عن طريقه تكوُّن المجتمع السياسي ونشأته، وقد يكون هذا العقد بين الحاكم والمحكومين فيسمى عقداً حكومياً. ويفترض أصحاب نظرية العقد الاجتماعي أن حالة الفطرة هي حالة سابقة على تكوين المجتمع السياسي، ويعتبر القانون الطبيعي هو الذي كان يقوم بعملية تنظيم المجتمع في هذه المرحلة، وقد تعددت وتباينت الآراء حول العقد الاجتماعي فمنهم من اعتبره حقيقة تاريخية يفسر طريقة نشأة المجتمع، ومنهم من يعتبره عقداً أو اتفاقاً بين الحكام والمحكومين فضلاً عن اعتباره أساساً ملائماً لما يجب أن تكون عليه العلاقة بينهما. وجوهر هذه النظرية يدور حول تنازل الأفراد عن بعض حقوقهم للحاكم في مقابل تمتعهم بما يوفره المجتمع، وكان اعتناق هذه النظرية والإيمان بها من أسباب قيام الثورة الفرنسية والثورة الأمريكية، فهذه النظرية أعطت الأفراد حقوقاً سابقة على وجود الدولة، ومنذ الوهلة الأولى أثبتت نظرية الفطرة الأولى أن حقوق الفرد مادامت سابقة لوجود الدولة فإنه لا يمكن للأخيرة ان تنتزع حقوق الأفراد الذين يعيشون فيها، وقد حققت هذه النظرية الكثير من أهدافها من حيث تأكيد حقوق الأفراد وعدم تمكين أي حكومة أو أي ملك من القضاء عليها أو تكييفها حسب المشيئة فتسببت هذه النظرية في انهيار السلطة المطلقة للملوك والحكومات
أسس نظرية العقد الاجتماعي
تقوم نظريات العقد الاجتماعي على أسس عدة أبرزها، أن ظهور الأفراد يسبق ظهور الدولة، والأفراد في الحالة الطبيعية متساوون، وهم في علاقة تنافسية فيما بينهم، ولكن يجمعهم شيء واحد وهو الميل للحصول على الأمان وهم منطقيون وعقلانيون، وبالتالي يستطيعون المقارنة بين مزايا الحالة الطبيعية التي يعيشون فيها ومزايا حالة الدولة وبالتالي يفضلون الدولة على الحالة الطبيعية.
إن الأفراد كانوا يعيشون على الفطرة ويتمتع كل واحد منهم بحرياته دون أن تكون هناك حدود أو قيود عليها، ولكن الحرية المطلقة أدت إلى الفوضى والاضطراب ذلك لأنه حيث يملك كل شخص فعل ما يريد فانه لا يملك أي فرد فعل أي شيء، لأنه إذا أراد الكل أن يعيش حراً فإن الكل سيعيش عبداً، فحيث الحرية المطلقة، توجد العبودية المطلقة، ولذا فإن الأفراد اتفقوا على أن يخرجوا من حياة الفوضى إلى عهد النظام، ووافق كل واحد أن يتنازل عن بعض حقوقه، وأن يعيش مع الآخرين تحت إمرة سلطة توفق بين المصالح.
وتتأسس نظريّة العقد على فرضية نشأة المجتمع الاصطناعيّةً، حيث كان الناس يعيشون في حالة طبيعية قبل ذلك. ويقصد بالعقد الاجتماعي، الاتّفاق الضمني بين أفراد المجتمع حول تحديد علاقتهم مع بعضهم البعض ومع الدولة. وتعتبر هذه النّظرية هي الرئيسيّة في الفلسفة السياسيّة في العصر الحديث، حيث تأسّست الفكرة بعد حاجة الأفراد والدول إلى تحديد العلاقات المتبادلة بينهم وضمان حماية حقوقهم وتحقيق العدالة. وتمّ تأسيس هذه النظرية بموجب مجموعة من القوانين والمحدّدات التي اتّفق عليها مجموعة من الناس من أجل تنظيم المجتمع نحو الأفضل. وبرأي أنصار هذه النظرية، لا يمكن، من دونها، إقامة تأسيس نظري لفكرة السلطة وتحقيق العدالة في المجتمع.
كانت فكرة العقد قد استخدمت كأساس لنشأة الدولة منذ فترة زمنية بعيدة، وعلى الرغم من ذلك، لم تحتل فكرة الميثاق الاجتماعي كنموذج لنشأة الدولة، مكانة خاصة في الفكر السياسي، إلا في عصر التنوير حيث اهتمت بشرعية سلطة الدولة على الأفراد. ويرى منصف الطرابلسي في كتابه “نظرية الدولة” (2007) بأن النظريات الاتفاقية أو ما تسمى العقدية أو النظريات الديمقراطية، تقوم على أساس أن السلطة مصدرها الشعب، وقدم مفهوم الحق الطبيعي باعتباره أساسًا للعقد الاجتماعي.
تقوم نظرية العقد على المفاهيم التالية:
1-حالة الطبيعة: تبدأ نظرية العقد الاجتماعي بالمفهوم الافتراضي لحالة الطبيعة، وهي حالة يعيش فيها الأفراد دون أي شكل من أشكال الحكومة أو السلطة السياسية. في هذه الحالة، يكون الأفراد أحراراً ومتساوين، لكنهم يواجهون أيضا مخاطر الصراع وانعدام الأمن.
2-العقد الاجتماعي: هو اتفاق ضمني بين الأفراد والدولة، حيث يتنازل الأفراد عن طيب خاطر عن بعض حقوقهم وحرياتهم الطبيعية للدولة مقابل الحماية والحفاظ على النظام الاجتماعي، ويضع هذا العقد أساس السلطة السياسية وشرعية الدولة.
3-الموافقة: محور نظرية العقد الاجتماعي هو مفهوم الموافقة، وينظر إلى الأفراد على أنهم موافقون على العقد الاجتماعي بحكم قرارهم بالعيش داخل مجتمع معين. وقد تكون هذه الموافقة صريحة أو ضمنية، ولكنها الأساس الذي تقوم عليه السلطة السياسية.
4- الشرعية: توفر نظرية العقد الاجتماعي إطاراً لفهم شرعية السلطة السياسية، ووفقا لهذه النظرية، لا تكون السلطة السياسية مشروعة إلا إذا كانت مبنية على موافقة المحكومين، وإذا لم يوافق الأفراد على العقد الاجتماعي أو إذا فشلت الدولة في الالتزام بنهاية العقد، تصبح شرعية السلطة السياسية موضع تساؤل.