الحياة السياسية في دير الزور في مذكرات ثابت العزاوي
د. عبد الله حنا- فينكس
كان ثابت عزاوي من أبرز المشاركين في الأحداث، التي مرت على بلدته دير الزور في النصف الأول من القرن العشرين. كما كان أول من شارك في المؤتمرات والتجمعات الوطنية القومية خارج مدينته. وهو من مؤسسي عصبة العمل القومي. وقد دعاه عفلق والبيطار لمشاركتهما في تاسيس حزب البعث فاعتذر لأنه لا يرغب في دخول حزب لا يتبنى الإشتراكية، وأرشدهم على إبن مدينته جلال السيد للحلول محله. قام العزاوي بتأليف عدد من الدراسات ما يهمنا منها هنا مذكراته عن دير الزور والفرات من عشرينيات القرن العشرين إلى منتصفه.
.
ونقدم فيما يلي مختارات من هذه المذكرات، التي تعكس واقع الحركة الوطنية والقومية في دير الزور، ودور العزاوي، وبداية طَرْق المجتمع المدني لأبواب المجتمع الأهلي (العشائري) المسيطر في وادي الفرات. سننقل النصووص حرفيا مع توضيحات من كاتب هذه الأسطر:
- بعد انسحاب العثمانيين الأتراك من دير الزور في خريف 1918، تألفت في الدير "حكومة مؤقتة سُميت بمجلس الرؤساء الثلاثة... وكانت هذه الحكومة ترتكز على مجلس مؤلف من وجهاء الدير. وخلال حكم الرؤساء الثلاثة كانت المدينة معزولة عن القرى وبحالة استنفار ضد الطوارئ. وكان الديريون يتطلعون إلى الراية الفيصلية المرفرفة على حلب فراحوا يتصلون بحكومتها برئاسة الأمير فيصل بن الحسين ومركزها دمشق.
- لدى وصول مرعي باشا الملاح في أوائل ربيع عام 1919 خرجت المدينة بأسرها إلى غربي الجورة لاستقباله بصفته ممثلاً للحكومة العربية بدمشق. وقد ألقى ثابت العزاوي في الحفلة، التي أقيمت لإعلان قرار تعيينه متصرفاً للواء دير الزور، خطاباً هاجم فيه "النزعة العصبية والعشائرية". "وحلّ الملاح الحكومة الأهلية السابقة وألّف مجلساً أهلياً جديداً..".
- في عهد الملاح حصل ثابت عزاوي وتوفيق الفنوش في خريف 1919 على إجازة تخولهما فتح فرع للنادي العربي الذي مارس نشاطه في حلب، وأصبح عزاوي رئيساً للنادي العربي. ومعروف أن النادي العربي تأسس في دمشق في عام 1919 ونشط في سائر المدن السورية. وكان النادي العربي من ركائز الحركة القومية العربية والداعين لها، وأحد تعبيرات المجتمع المدني الناشئ.
- أواخر عام 1919 عمل ثابت عزاوي بصورة سرية مع تحسين الجوهري "على انتشال الدير من واقعها المشحون بالانقسامات العشائرية، والنهوض بها إلى مستوى أعلى. واشتد الشعور الوطني بعد وصول لجنة الاستفتاء برئاسة المستر كراين الأميركي". وبعد الاتصال بأحد قادة الحركة الوطنية بحلب. "نظمنا" – والكلام لعزاوي "مضبطة تطلب العودة إلى أحضان سورية، وتمّ توقيعها من الديريين وقام بتسليمها إلى اللجنة الأميركية ملا عيسى العزاوي بصفته رجل دين...".
- "عام 1920 حاول القائد التركي في ماردين كنعان بك احتلال الدير وضمها إلى تركيا. وقدّم كنعان بك نسخاً من القرآن الكريم إلى وجهاء الديريين يستنفر شعورهم الديني ويحثهم على طرد الفرنسيين الكفرة والرجوع إلى أحضان الحكم التركي المسلم. وقد لعبْتُ (تاء المتكلم تعود للعزاوي) مع تحسين الجوهري دوراً هاماً في مقاومة ذلك التيار الخطر، الذي كنّا نبغضه كما نبغض الاحتلال الفرنسي..".
- عام 1919 انضمّ سرا إلى حلقة عزاوي – الجوهري، لانتشال الدير من الانقسامات العشائرية، اثنين آخرين "فأصبحت منظمة سرية مؤلفة من أربعة أشخاص موحدين فكرياً وسياسياً في إطار مثالي هدفه المصلحة العامة والنهوض بالمنطقة". ويستأنف عزاوي قائلاً: "ثم أصبحت حلقتنا نواة لدائرة أوسع من المواطنين، الذين أذكر منهم...".
- في ربيع 1923 وعلى عهد المتصرف نبيه مارتيني، الذي كان مثقفاً ومستقيماً تشكل تجمع من الشباب يجمعهم الشعور الوطني أطلق على نفسه اسم (أخوة خليصة) تعبيراً عن ولائهم لبعضهم وعن إخلاصهم المتبادل. وكانوا يرفعون شعار "الديرية الوطنية بدلاً من العصبية الوسطية والشرقية". ومعنى ذلك أن (أخوة خليصة) انتقلوا من الولاء للعشائرية الممثلة في الوسطية والشرقية إلى الولاء لمدينة الدير وللوطن.
- مثّل شباب الدير، ومنهم العزاوي، في أوائل عام 1926 رواية (لولا المحالي). "وكان الغرض من تمثيلها تعبئة الشعور العام أولاً ثم تقديم ريع الرواية الذي بلغ 77 ليرة ذهبية لمساعدة ثوار دمشق".
- عندما زار المفوض السامي الفرنسي بونسو دير الزور عام 1927 اجتمع (أخوة خليصة) وكلفوا ثابت عزاوي بإلقاء كلمة أمام بونسو في بهو المحافظة جاء فيها: "نتشرف بتقديم خلاصة مطالبنا الوطنية التي أصبحت عقيدة راسخة عند عامة الشعب السوري المجيد، وهي: الوحدة السورية. إعلان العفو العام عن المحكومين والمبعدين السياسيين. دعوة الجمعية التأسيسية لسن قانون على مبدأ السياسة القومية. إطلاق حرية الكلام والكتابة والاجتماع ومنع تدخُّل أي سلطة بها".
- عام 1928 تأسس نادي الفرات الأدبي، الذي حصل على إجازة رسمية بالعمل، ووُضع له نظام داخلي وأُحدث له فرعان للرياضة والتمثيل. وكان العزاوي أحد أركانه.
- في أواخر تموز 1933 "ورد كتاب من دمشق يطلب فيه حضوري (ياء المتكلم تعود للعزاوي) أنا والشيخ سعيد (العرفي) إلى دمشق مع وفد نعتمده من شباب الفرات للاشتراك في جلسات مؤتمر مزمع عقده. فاجتمعت حلقتنا السرية وقررت سفري مع الشيخ سعيد عرفي وجلال السيد..".
ويروي عزاوي ما جرى في مؤتمر قرية قرنايل في جبل لبنان، الذي انبثقت عنه عصبة العمل القومي. ثم يقيّم عزاوي مؤتمر قرنايل بأنه "رفع شعار القومية العربية وكان رفعه أول محاولة استبدل بها مفهوم الوطنية في سورية بمفهوم القومية العربية الشامل، يوم كانت سورية تناضل من أجل صهر الخلافات الطائفية بشعار الوطنية الجامع الذي يخلصها من النزعات القبلية والعشائرية والطائفية الممزقة لوحدة الشعب..".
- بعد مؤتمر قرنايل تأسس في دير الزور فرع لعصبة العمل القومي في خريف 1936، وكان العزاوي من أعضائه البارزين. وفي الوقت نفسه استأجر فرع الكتلة الوطنية في دير الزور مقراً له في الحويقة ترأسه محمد الفتيح.
- يذكر ثابت عزاوي في مذكراته أنه اجتمع في بيت صلاح البيطار بدمشق بحضور شاكر العاص وميشيل عفلق. وجرى نقاش بين عفلق الساعي إلى تأسيس "حزب قومي" وعزاوي المنادي بحزب ذو طابع اشتراكي. وجاء في مذكرات عزاوي : "ولما رأيت إصرار عفلق على تأسيس حزب قومي حاف اعتذرت له عن إمكانية التعاون معه. فسألني عمّن أعرفهم من الشباب بالدير فدللته على جلال السيد.. ".
{يلاحظ أن ثابت العزاوي انتقل بعد ذلك من عضو بارز في عصبة العمل القومي إلى مناد بأفكار الاشتراكية العلمية. ومن هنا نفهم رفض العزاوي العمل مع ميشيل عفلق لتأسيس حزب البعث، الذي لم تشغله آنذاك مسألة الإشتراكية، كما يتبين من المذكرات.}