الدولة الوطنية السورية 1918– 1920 نقلة ملحمية نحو الدولة القومية الحديثة والمجتمع المدني

د. عبد الله حنا- فينكس

  أولا
من ركام الحرب إلى الدولة العربية الحديثة
مع انهيار الدولة العثمانية عام 1918 احتل المستعمرون الفرنسيون والبريطانيون بقية أقطار الوطن العربي في بلاد الشام والرافدين. وهكذا تحررت أقطار المشرق العربي من الاستعباد الإقطاعي العثماني وقيوده المادية والنفسية لتقع تحت النير المباشر للاستغلال الرأسمالي الامبريالي. ومع هذا فإن انهيار الدولة العثمانية وزوال الحكم السلطاني العثماني كان حدثاً تاريخياً هاماً وخطوة إجتماعية إلى الأمام حررت قوى اجتماعية جماهيرية جبارة في الريف والمدينة كانت مضللة بشعارات الطبقة الحاكمة العثمانية وخاضعة لسلطان الجمود والتحجر والإنغلاق والايمان بالغيب وانكار العلاقة بين السبب والنتيجة ورفض العقلانية ومعظم انجازات عصر النهضة والتنوير في أوروبا، الذي أبدع الحضارة الحديثة.. وقد نشّط انهيار الدولة العثمانية الحركة الجماهيرية العربية وأكسب حركة النهضة العربية والاستقلال الوطني صفاء وقوة وزخماً لم تعهدهما من قبل. كما قلب هذا الحدث تدريجياً ميزان القوى الاجتماعية داخل حركة التحرر العربي لصالح الجماهير المنتجة والقوى الاجتماعية المتنورة.
ومع انهيار الدولة العثمانية – سلطنة الجور- حسب رأي المتنورين المسلمين وفي مقدمتهم رشيد رضا، بدأ البحث عن بديل في الحضارة البرجوازية الغربية المتقدمة. ولكن المطامع الاستعمارية أجهضت ذلك البديل المتمثل بقيام دولة عربية علمانية ليبرالية.
كانت إحدى نتائج الثورة العربية في الحجاز 1916 تمكّن الحركة الوطنية العربية من إقامة أول دولة وطنية عربية في العصر الحديث في سورية الداخلية تحت قيادة الأمير (الملك فيما بعد) فيصل، قائد جيش الشمال، للثورة العربية، الزاحف من الحجاز عن طريق العقبة وشرق الأردن إلى دمشق..
ومعروف أن القوى الاجتماعية المعادية للاستعمار في أعقاب الحرب العالمية الأولى كانت جراحها لا تزال تنزف من آثار الحرب المدمرة. كما أنها كانت منقسمة على ذاتها ومفككة، ولم يكن باستطاعة أي قوة اجتماعية قيادة الحركة الوطنية المبعثرة المهيضة الجناح، والأحزاب لا تزال في مراحل تكونها الجنيني . وهذا ما جعل موقف فيصل ضعيفا ومتأرجحاً، مما سهّل على المستعمرين انزال الضربات المتتابعة بالحركة الوطنية والقضاء على مواقعها الواحد تلو الآخر.
عاشت الدولة العربية السورية، التي ضمت المدن الداخلية الكبرى دمشق – حمص –حماة –حلب، من تشرين الأول /1918/ إلى تموز /1920/، ومرّت في عدة مراحل متداخلة. فبعد دخول فيصل إلى دمشق، أعلن في /5/ تشرين الأول /1918/ تأسيس الحكومة العربية المستقلة الدستورية باسم "سيدنا السلطان أمير المؤمنين الشريف حسين"، وفيما بعد أعلن فيصل قيام الإدارة العربية المستقلة في دمشق في 5/10/1919 وتحت ظل هذه الإدارة أخذت تتكون وتظهر مؤسسات الدولة العربية السورية.
وفي ميدان الأحزاب ظهر حزب الاستقلال وهو وريث جمعية العربية الفتاة وهو أشبه بالحزب الرسمي للدولة الوليد. كما تحلّق في كانون الثاني 1920 الأعيان ومن سار في ركابهم في إطار الحزب الوطني السوري وغايته السعي لاستقلال سورية السياسي التام بحدودها الطبيعية.. التساوي في الحقوق المدنية والسياسية بين جميع أبناء الوطن السوري على اختلاف المذاهب والعناصر.. تأييد المبدأ الملكي وحكومة ملكية نيابية. ويتناول خالد العظم في مذكراته (الجزء الأول) التجاذب والتنافس بين شباب حزب الإستقلال ومثقفيه الممثلين للفئات الوسطى والأعيان بزعامة محمد فوزي باشا العظم، الذي انتهى مع الاحتلال الفرنسي بعد معركة ميسلون في تموز 1920 وهرب قادة حزب الاستقلال خوفا من الإعتقال وخلوّ الساحة لفترة من الزمن للأعيان. وفي هذه الأثناء برز عبد الرحمن الشهبندر (وهو لا يتحدر من طبقة الأعيان) مناهضا للإحتلال الفرنسي.
 
******
ثانياً
برلمان الدولة العربية ودستورها
بدأ تأسيس الدولة الحديثة في الدولة العثمانية، وبلاد الشام جزء منها، منذ عهد التنظيمات في منتصف القرن التاسع عشر. ولكن بناء تلك الدولة الحديثة في عهد بني عثمان اصطدم بمصاعب جمة كان أبرزها محاولات السلطان عبد الحميد الثاني 1878 الالتفاف على الاصلاحات وإغراق البلاد في بحور العصور الوسطى. وبعد ثورة جمعية الاتحاد والترقي سارت الدولة العثمانية بخطى وئيدة في بناء الدولة الحديثة المتأثرة بالتطورات البورجوازية الجارية في أوروبا ومنجزاتها الحضارية.
وبعد إنهيار الدولة العثمانية في خريف 1918 انفتح الطريق أمام السير إلى الأمام قدما في بناء الدولة الحديثة تحت علم العروبة وفي أجواء عدد من المثقفين العرب النهضويين المتطلعين إلى بناء مجتمع حديث يقوم على ركام مجتمع ما قبل الدولة الحديثة السائد في سلطنة بني عثمان ومن قبلهم المماليك.
تحقيقا لهذا الهدف قامت حكومة دمشق في أيار 1919 بدعوة أعضاء المجلس العمومي في كل من ولايتي سورية (دمشق) وحلب، المنتخبين بموجب قانون الإدارة العثمانية لعام 1864، ليكونوا أعضاء في المؤتمر السوري (البرلمان). أما في مناطق الاحتلال البريطاني (فلسطين) والافرنسي (لبنان والساحل السوري) فلم يكن ميسراً دعوة المجالس العمومية فيها، ولهذا اكتفى أنصار الوحدة السورية في هاتين المنطقتين بإختيار شخصيات وازنة في كل بلد أو منطقة أو مدينة على حدة لتمثيلها في المؤتمر.
تألف التركيب الاجتماعي للمؤتمر من كبار وصغار الملاك وممثلي التجار وعدد من المثقفين الوطنيين، الذين لعبوا دوراً هاماً في توجيه المؤتمر وتحويله إلى هيئة مناهضة للاستعمار رافضة للمساومة أو الحلول الاستسلامية معتمدة في ذلك على جماهير مدينة دمشق.
وخلال عمرها القصير قامت الدولة الوطنية العربية السورية في وضع الأسس الضرورية لبناء دولة حديثة على أنقاض الإدارة العثمانية في ولايتي سورية (دمشق) وحلب.
أولى النشاطات السياسية تجلت في قيام "النادي العربي" المؤسس في دمشق في أوائل عام 1919، كمؤسسة مدنية ذات وجه ثقافي وطني- أنشأ فروعاً في معظم المدن السورية. وسرعان ما أصبح النادي العربي مركز استقطاب القوى السياسية والثقافية، أُلقيت فيه المحاضرات ونوقشت فيه قضايا الوطن بجرأة دون غمغمة ولا جمجمة ولا التواء. وعندما خطب الأمير فيصل في النادي موضحاً سياسته جرى نقاش تلك السياسة بجرأة وبالنقد البناء. ومثال ذلك الحوار، الذي دار بين الأمير فيصل والدكتور عبد الرحمن الشهبندر. والجدير بالذكر أن الجلسة الأولى للمؤتمر السوري عُقدت في قاعة النادي العربي.
الصحف ازدهرت في هذه المرحلة على قصرها وهي: المفيد، الأردن، العقاب، فتى العرب، الدفاع، الكنانة، المقتبس، الفجر، لسان العرب، وهذه جميعها صدرت في دمشق. كما صدرت في حلب جريدتا الراية والوطن، وفي حماة صدرت الإخاء، وفي حمص مجلة حمص. وكان بعض هذه الصحف يمثل أحزاباً. فالمفيد ناطقة باسم حزب الاستقلال، والدفاع باسم حزب الاتحاد السوري، والكنانة باسم حزب العهد، والأردن للحزب الوطني. ولكن الصحف لم تكن تسلم من التضيق عليها وأحياناً تعطيلها، عندما توجه نار انتقاداتها اللاذعة إلى سياسة الحكومة.
مع المد الجماهيري الوطني في خريف 1919 انتظمت الجماهير الشعبية الدمشقية في "لجنة الدفاع الوطني" المعبّرة عن الطموح للدفاع عن الوطن والوقوف في وجه سياسة المصالحة مع الفرنسيين المحتلين للساحل. المبادر إلى إنشاء اللجنة هو حزب الاستقلال (الفتاة) حيث عُقدت سلسلة اجتماعات في الأحياء الشعبية للمدينة برز أثناءها الشيخ كامل القصاب الضليع في الخطابة والمقدرة على إثارة الجماهير. وشرعت "لجنة الدفاع الوطني" بتنظيم تدريب المتطوعين للدفاع عن الوطن على نفقة الأهالي.
وكانت "البورجوازية الدمشقية" الطامحة في بناء دولتها المستقلة ذات السوق الواحدة الممتدة من طوروس حتى العقبة مروراً باللاذقية وبيروت وحيفا السند الرئيسي للجنة الدفاع الوطني. وفي تلك الظروف وعلى أثر عقد عدة اجتماعات شعبية في أحياء المدينة ولدت فكرة "اللجنة الوطنية العليا" المنتخبة من ممثلي الأحياء يوم 5 تشرين الثاني 1919. وفي اجتماع كبير عُقد في دار فخري البارودي بتاريخ 17 تشرين الثاني وخطب فيه الشيخ كامل القصاب، جرى على الأثر وضع "نظام اللجنة الوطنية العليا". نصّت المادة الثانية من نظام اللجنة الوطنية العليا على ما يلي: اتخاذ كل الوسائل لحفظ وحدة البلاد السورية، والذود عن استقلالها التام، ومقاومة كل مبدأ يرمي إلى تأسيس قومية غريبة تهدد كيان البلاد السياسي والوحدة السورية.. تنمية كل قوى البلاد المادية والمعنوية، وتنظيم تلك القوى، وحسن الاستفادة منها في سبيل الغاية المشار إليها.. انعاش روح القومية العربية.. توثيق روابط التضامن والتعاون فيما بين الأفراد والجماعات والطوائف.. تعضيد المساعي العلمية والفكرية والاقتصادية.. وبالجملة التوصل بكل ما من شأنه إيصال هذه الأمة إلى مصاف الأمم المتحدة.. الرغبة في اشراك جميع قوى المجتمع في أهداف اللجنة. وهذا ما جاء في المادة الحادية عشرة كما يلي: لما كانت غاية اللجنة المذكورة في المادة الثانية من هذا النظام واسعة الأطراف تستدعي حهداً عظيماً وعملاً جسيماً وتقتضي اشتراك كل العاملين من رجال الأمة للوصول إليها، فمن المناسب الاستعانة بما يأتي:
1 - انضمام مندوبين اثنين من كل حزب من الأحزاب السياسية السورية المتفقة غايتها مع غاية الأمة المبينة في المادة الثانية. 2- تأليف لجنة استشارية من أعيان البلاد وأهل الزعامة فيها، ومن الأفاضل المشهود لهم بالعلم وسعة المدارك. 3 - تأليف لجنة عاملة من الشبان المتعلمين النشيطين يستعان بها لتنفيذ ما تودعه إليها اللجنة العليا من القرارات. 4 - للجنة العليا أن تستعين في تنفيذ قراراتها بلجان مؤقتة تؤلف حسب الاحتياج.
ولكن الدولة الوطنية العربية العلمانية والليبرالية لم تتمكن، لظروف داخلية وخارجية متعددة، من الحياة أكثر من سنتين إذ عاجلتها جيوش الغزو الفرنسي، التي قضت على المقاومة الوطنية في ميسلون في 24 تموز عام 1920، واحتلت دمشق وسائر المدن السورية . فهذه الدولة الوطنية العربية الليبرالية إلى حدٍ بعيد انهارت تحت ضربات الغزو الاستعماري وليس بفعل العوامل الداخلية.