من هم الحكّام العثمانيون خلال اندلاع الحرب العالمية الأولى؟
خالد محمد جزماتي- فينكس
عند اندلاع الحرب العالمية الأولى سنة 1914 كان الممسكون بالسلطة العثمانية ثلاثة ضباط أمراء هم: أنور باشا، وكان وزيراً للحربية.. طلعت باشا، وكان وزيرا للداخلية.. جمال باشا، وكان محافظا للعاصمة استامبول.. ولقد بدت مهارات جمال باشا جلية في تتبع أخبار المعارضين لسلطتهم وفي ملاحقة المتاّمرين عليهم كما يعتقد، ثم القبض على من يستطيع منهم، وقيامه بالتنكيل بهم.
وكان أول الملاحقين أقارب السلطان، ثم الليبراليين من المعارضين، وزج الجميع في السجون، وعرضهم لمحكمة أعدت الأحكام سلفاً منفذة أوامر جمال باشا، وهكذا تم اعدام 12 شخصاً ونفي 350 شخصاً اّخرين من العاصمة. و امتد ظلمه الى الأناضول فقام بابتكار التهم المزيفة للحكم بالاعدام، أو بالترحيل الجماعي.
ولقد اتضح لرجال السياسة العرب، الممارسات العنصرية التي يقوم بها الاتحاديون الأتراك، فقاموا بتأسيس الجمعيات العلتية والسرية، فكان أول ردة فعل للثلاثي الحاكم، إقصاء "490" ضابطاً عربياً يقيمون في استامبول، وابعادهم إلى تراقيا و إلى الأناضول، وأيضاً تم عزل الضباط العرب عن مناصبهم في المناطق العربية.
بعد ذلك جاء جمال باشا الى دمشق والياً على بلاد الشام ولديه سلطات استثنائية. وبعد التحضير لحملة الترعة (قناة السويس) بتعبئة شباب البلاد وكهولها وذلك بالترغيب والترهيب.. ويذكر التاريخ عنه حادثة مثيرة، "ذات ليلة قام بزيارة مفاجئة لاحدى الثكنات العسكرية، سمع صوتا جماعيا فيه الصخب والحماسة، فتوجه نحو مصدر الصوت، وكان من أحد المهاجع، فوجدهم مجموعة من طلاب الضباط ينشدون النشيد العربي الذي مطلعه:
نحن جند الله شبان البلاد .... نكره الذل ونأبى الاضطهاد
وعلى الفور أمر بفصلهم عن الدورة وارسالهم الى جبهة القفقاس، وحصون الدردنيل.
وبعد هزيمته في قناة السويس وعودته الى دمشق، لاحق الأحرار من أبناء الوطن، وكأنهم هم الذين سببوا له الهزيمة. ثم بدأ بفرض الضرائب ثم القيام بمصادرة كل شيء تصل اليه يده.
بعد ذلك قام بتنفيذ اقتحام القنصلية الفرتسية في بيروت ودمشق، و ادعى وجود بعض المراسلات بين الفرتسيين وبعض الزعماء الوطنيين، فقام باعتقال الكثير منهم، و تم عرضهم على محاكمة شكلية بتهمة التحريض على الثورة المسلحة بمساعدة الأعداء.
وبالنتيجة تم اعدام 11 احد عشر شخصاً صباح يوم 21 --8 -1915 (كان أحدهم الصحفي ابن حماة علي الأرمنازي، ويعتبر أول شهيد عربي صحفي في التاريخ الحديث)، وحكم بالاعدام غيابياً على أكثر من 70 وطنياً من بلاد الشام.
وتستمر الأحداث باعتقال مزيد من الأحرار والحكم على أكثرهم بالاعدام، ففي يوم 6 أيار --1916 تم تنفيذ حكم الاعدام بسبعة من الزعماء في ساحة المرجة بدمشق كمجموعة أولى (منهم الشيخ العلامة ابن مدينة حمص عبد الحميد الزهراوي، الذي تم إعدامه بشكل سريع وبدون محاكمة ولو شكلية كالاّخرين)، وبالتاريخ نفسه تم تنفيذ حكم الإعدام بالمجموعة الثانية في ساحة البرج ببيروت وعددهم أربعة عشر. منهم الشيخ أحمد طبارة امام جامع النوفرة ببيروت.
ومع انتهاء الحرب العالمية الأولى وهزيمة الألمان والأتراك وحلفائهم، استطاع الحكام الأتراك الثلاثة، أنور وجمال وطلعت الهروب عبر البحر الأسود الى اوكرانيا حاملين معهم ذهباً كثيراً، وصل بقسم منه أنور وطلعت الى برلين، أما جمال باشا فقد توجه إلى سويسرا، وبعد حين سافر إلى أفغانستان....
في العام 1921 قام تنظيم "الاتحاد الثوري الأرمني" باغتيال "طلعت باشا" في مدينة برلين. و أيضاً قاموا يتصفية جمال باشا في مدينة تفليس (تبليسي) بجورجيا يوم 21 تموز 1922 على يد الأرمني "أسطفان زاغكيان". واغتالوا الصدر الأعظم سعيد حليم باشا في مدينة روما بايطاليا.
أما أنور باشا فقد قُتل في معركة اشترك فيها ضد البلاشفة السوفييت عام 1922 قرب مدينة "بخارى" وسط اّسيا..
دام حكم جمال باشا السفاح لبلاد الشام ثلاث سنوات، وعندما تم استدعاؤه الى الاّستانة، خلفه جمال باشا الصغير (جمال باشا المرسيني) ولُقب بالصغيز تمييزاً له عن السفاح جمال باشا.