اتحاد الشباب الديمقراطي في سورية.. النشأة وإعادة التأسيس الأولى

يعقوب كرّو- فينكس

جسّد تأسيس اتحاد الشباب الديمقراطي في سورية (ا. ش. د. س)، قبل ستين عاماً، اهتمام حزبنا الشيوعي السوري بقطاع الشباب ودورهم، وحرصه على العمل بدأب لنشر الوعي الوطني والاجتماعي في صفوفهم، وتنظيم قواهم وتعبئتها للإسهام في حماية الاستقلال الوطني و وضع البلاد على طريق الديمقراطية والتقدم الاجتماعي، و بخاصة أن عملية التأسيس هذه التي جرت عام 1949 قد ترافقت مع اشتداد التآمر الاستعماري على سورية الذي هدف إلى إفراغ الاستقلال الوطني من محتواه، ومع بدء سلسلة الانقلابات العسكرية التي تعاقبت على سورية في إطار الهدف الاستعماري نفسه ولمنع شعبنا من أن يأخذ قضيته بيديه.
وكان ما قام به الحزب من جهد للإسهام في بناء عدد من المنظمات الديمقراطية في مجالات مختلفة ينسجم، في الوقت نفسه، مع التوجه العام الذي تبنته الحركة الشيوعية والديمقراطية العالمية التي كان حزبنا أحد فصائلها، والذي هدف إلى بناء أوسع حركة ديمقراطية عالمية تشمل مختلف قطاعات المجتمع المدني وتعمل على استنهاضها للنضال من أجل تجنب وقوع كارثة عالمية جديدة، ولبناء عالم لا حروب فيه، والدفاع عن قضية السلم والتحرر الوطني والاجتماعي والديمقراطية. و ربما يختصر هذا التوجه الشعارُ الذي رفعه الحزب في تلك الأيام: خبز وسلم وحرية.
و كان اتحادنا قد انضم منذ نشوئه إلى اتحاد الشباب الديمقراطي العالمي (ا ش د ع) وشارك في مؤتمراته وفي العديد من الفعاليات التي نظمها ودعا إليها.
لقد انخرط الاتحاد(ا. ش. د. س) منذ تأسيسه في مختلف النضالات الوطنية والديمقراطية والاجتماعية التي خاضها شعبنا، كما شارك في حملة التضامن ألأممي مع الشعب الكوري ضد العدوان الأمريكي وفي الحملة العالمية ضد انتشار الأسلحة الذرية واستخدامها. وفي دعم نضالات الشعب الجزائري الشقيق، وفضح أهداف الحركة الصهيونية.
وأشرف في الخمسينيات على تنظيم مشاركة الوفود السورية إلى المهرجانات العالمية للشباب والطلاب التي كان يشرف عليها اتحاد الشباب الديمقراطي العالمي (ا. ش. د. ع) وبخاصة مهرجاني وارسو عام 1955و موسكو 1957. و كان الحرص كبيراً آن تتسم هذه الوفود بطابع وطني واسع وتجلى ذلك بخاصة في تركيب الوفد إلى مهرجان موسكو الذي ضم نحو 500 مشارك ومشاركة كان في المقدمة منهم أبرز ممثلي الثقافة والفن والموسيقا والإعلام والرياضة وشخصيات وطنية واجتماعية مرموقة ويضمنها الوطني البارز فخري البارودي.
وقد ترأس الوفد منيب اليوسفي نائب إدلب عن حزب البعث العربي الاشتراكي
وقد نظمت بعد عودة الوفد اجتماعات جماهيرية في سائر المحافظات عرضت فيها الأجواء التي سادت هذا المهرجان والندوات واللقاءات التي عقدت خلاله ومدى حرص شباب العالم على بناء الصداقة بديلاً عن التناحر والعداء فيما بينهم وتعزيز تضامنهم ألأممي من أجل الدفاع عن قضية السلم والحرية.
خلال هذه الفترة من عمر الاتحاد، منذ تأسيسه وحتى أواسط الستينيات، كان الطابع السياسي هو المسيطر على عمله سواء تجسد ذلك في نشاطات على النطاق الوطني أو في أعمال وفعاليات تضامنية عربياً وأممياً. ولم يبرز، خلال هذه الفترة، أي اتجاه لعقد مؤتمر للاتحاد وبناء هيكلية تنظيمية له على نطاق المركز والفروع. ولم يكن يمكن التمييز في الواقعً بين عمل الحزب وعمل الاتحاد بين الشباب. قدمت تفسيرات لهذه الظاهرة فأرجع البعض أسبابها للظروف السياسية ورأى آخرون أن قادة الحزب كانوا آنذاك شباباً في أغلبيتهم ما جعلهم لا يرون ضرورة قصوى لوجود تنظيم آخر مستقل نسبياً ويوجّه كل اهتمامه لمعالجة قضايا الشباب ويعمل لاجتذابهم للعمل الوطني والاجتماعي. وفي تقديري أنه لو تواصلت الفترة الديمقراطية في الخمسينيات عدة سنوات أخرى لكانت طرحت نفسها بقوة مسألة عقد المؤتمر وبناء الهيكلة التنظيمية.
والدليل على ذلك أنه في أواسط عام 1966 طرحت قيادة الحزب مهمة إعادة تنشيط الاتحاد واتخذت الإجراءات اللازمة لتحقيق ذلك.
أرسلت مجموعة من الشباب من مختلف المحافظات إلى مدرسة الكومسومول في الاتحاد السوفيتي في بعثة لسنة دراسية. كان ذلك فرصة لاكتساب معارف فكرية ودراسة ما يتعلق بدور الشباب وقضاياهم، ولكنه وفر أيضاً إمكانية للاتصال بوفود عشرات المنظمات الشبابية من مختلف البلدان التي كانت في المدرسة، والإطلاع منهم على أساليب عملهم.
وقد أعجب وفدنا بتجربة اتحاد الشباب الديمقراطي السوداني التي تختلف عن الأسلوب الكومسومولي، وتتميز باستقلالية تنظيمية معينة، و رأى هذا الوفد وكذلك المجموعة التي كلفت لاحقاً من قيادة الحزب بإطلاق عملية إعادة تأسيس الاتحاد، بأن هذه التجربة هي الأفضل بالنسبة لظروف بلادنا. وقد بديء ببناء الاتحاد على هذا الأساس. وكان نقلة نوعية في هذا المجال انعقاد المؤتمر الثاني عام 1971 الذي حدد توجهات عمل الاتحاد وأقر نظامه الداخلي وانتخب هيآته القيادية. وكان هذا المؤتمر تكريساً في الوقت نفسه وتعزيزاً لنشاطات إعلامية وثقافية وفنية واجتماعية ورياضية واسعة قام بها الاتحاد خلال هذه الفترة من انطلاقته الجديدة والتي سبقت المؤتمر.. فقد أصدر نشرته المركزية "راية الشباب الديمقراطي" كما أصدرت فروع الاتحاد في جامعة دمشق وفي المحافظات نشرات خاصة بها، بل إن منظمات عدد من كليات الجامعة قدمت دراسات هامة حول برامج هذه الكليات، وانتشرت أغاني فرقة نيسان على نطاق واسع وبدأت تنشأ فرق فنية أخرى في بعض المحافظات وأقر نشيد "قسماً بالورد" الذي كان قد نظم في السجن، نشيداً للاتحاد بعد إجراء بعض التغييرات فيه لتتناسب مع تغير الظروف.
لقد خلق نشاط اتحاد الشباب وفعالياته المتنوعة أجواء إيجابية واعدة في أوساط الشباب والحركة الشبابية، ولكن يبدو أن هذا لم يرٌق للبعض في ذلك الوقت، مع الأسف، فكان أن طلب منا، وعلى نحو غير مفهوم ولا مبرر، حل الاتحاد. وكان طبيعياً عدم الموافقة على ذلك. ولكن اضطر الاتحاد لإيقاف كل نشاطاته العلنية والتركيز على العمل التثقيفي السياسي والفكري الداخلي. وقد ثبت بما لا يقبل الجدل أن هذا الإجراء الذي فرض علينا وما رافقه من إجراءات منع للعمل بين الطلاب لم تكن في مصلحة قوى التقدم ولا في مصلحة الوطن وقد أدت إلى نشر مشاعر الاغتراب والإحباط لدى أوساط واسعة من الشباب وفي المقدمة منهم شبابنا. ولكن هذا قد أصبح من الماضي ولا يذكر اليوم إلا للمواظبة على أخذ العبرة منه.
و وليس أدل على ذلك من انعقاد المؤتمر الخامس لإتحاد الشباب الديمقراطي في مدينة الشباب وبحضور ممثلين عن منظمات شبابية وطلابية وطنية وعربية ودولية وتحوله لتظاهرة تؤكد أهمية وضرورة الحرص على تعزيز وتطوير مختلف أشكال التعاون والتنسيق بين مختلف المنظمات الشبابية لاستنهاض وحشد طاقات شباب الوطن كافة.
إن اتحاد الشباب الديمقراطي مدعو اليوم، أكثر من أي وقت مضى وبرغم كل الصعاب، إلى النهوض بدوره الوطني والاجتماعي المؤهل له والمطلوب منه، ونحن على قناعة تامة بأنه سيبرر الثقة المعطاة له والآمال المعلقة عليه.
فلتكن الذكرى الستون فاتحة مرحلة جديدة من نشاط الاتحاد المثمر على كل جبهات العمل.
عاش اشدس
إن من حق أعضاء اتحاد الشباب الديمقراطي في سورية، الذين يحتفلون هذه الأيام بالذكرى الستين لتأسيس اتحادهم، أن يعتزوا بمسيرة اتحادهم وما أرساه، خلال هذه العقود، من تقاليد شبابية كفاحية، وما تمكن من إنجازه، برغم الظروف الصعبة التي عمل في إطارها. وهم ينظرون بفخار وعرفان بالجميل لما أسهمت به أجيال الاتحاديين السابقة سواء في المعارك الوطنية والديمقراطية وفي النضال ضد الإقطاع أو ضد قوى التخلف والظلامية وما قدمته من تضحيات ومن كواكب شهداء في المقدمة منهم الدكتور ناصر عيسى ونضال أله رشي وفريز مالك وواضح خليل ونبيل عمر يونس وراسم العمر.