الحزب السوري القومي الاجتماعي وزعيمه انطون سعادة 2من2

د. عبد الله حنا- فينكس:

(القسم الثاني)
أنطون سعادة والطموح إلى السلطة
عام 1946 أنهى أنطون سعادة أعماله التجارية وأخذ يستعد للعودة إلى الوطن. وكان الحزب السوري القومي الاجتماعي قد أصبح معروفاً وله فروع في عدد من المدن والمناطق في لبنان وسورية. وبعد وصول سعادة إلى بيروت سرعان ما دبّ الخلاف بينه وبين ساعده الأيمن نعمة تابت اقرب المقربين إلى سعادة منذ عام 1935. وبحجة خروج تابت عن عقيدة الحزب طرده سعادة عام 1947 منفرداً بقيادة الحزب.
ويلاحظ أن انتشار الحزب السوري القومي في سورية كان بارزاً بين المسيحيين والعلويين، ولم يحقق حضوراً ملحوظاً في أوساط واسعة من السنّة بسبب علمانية الحزب ووقوفه موقفاً ملتبساً من العروبة المتداخلة مع الإسلام. وقد عرقل انتشار الحزب السوري القومي المبالغة في الإصرار على النزعة السورية مما أدى إلى ابتعاد أكثرية السكان المتجذّرة في أفئدتها فكرة العروبة، و التي كانت تزوّر من طمس فكرة العروبة لصالح "القومية السورية" الغريبة عنها.أ عبد الله حنا
و عندما اشتد ساعد الحزب السوري القومي الاجتماعي في لبنان تطلّع إلى الاستيلاء على السلطة في صيف 1949. و في أعقاب توترات و صدامات مع حزب الكتائب اللبناني أعلن الحزب في 4 تموز 1949 "الثورة الشعبية العامة لأجل إسقاط الحكومة وحل مجلس النواب وتأليف حكومة..."، و أدى فشل الحركة إلى التجاء زعيمها سعادة إلى سورية. و لكن حسني الزعيم حاكم سورية آنذاك، الذي استقبل سعادة بترحاب سرعان ما قلب له ظهر المجن وتنكر لوعده وسلّمه إلى الحكومة اللبنانية، التي أجرت له محاكمة صورية سريعة وصدر الحكم بإعدامه.
و قد أدى تصرف حسني الزعيم المشين في تسليم سعادة إلى السلطات اللبنانية إلى تعاطف جمهور واسع من الناخبين مع الحزب السوري القومي الاجتماعي، و هذا مما أفسح المجال لممثل الحزب في دمشق عصام المحايري إلى الفوز في المقعد النيابي في انتخابات 1949.
و في أجواء ذلك التعاطف و الحرية السائدة في سورية وافقت وزارة الداخلية في منتصف آذار 1950 على السماح بتأسيس حزب سياسي اجتماعي باسم الحزب السوري القومي الاجتماعي. وصدرت مجلته "الجيل الجديد" في دمشق بتاريخ 21 أيلول 1950 و من ثمّ جريدة "البناء" في 22 آب 1952. و كان قادة الحزب المعروفين في أيلول 1951 هم: عصام المحايري، إلياس جرجي قنيزح، نوري الخالدي، جميل مخلوف، محمد صالح العبود.
و لكن هذا التعاطف مع الحزب السوري القومي تلاشى بعد ثلاث سنوات عندما قام الحزب في 16 تموز 1952 باغتيال الزعيم الوطني العربي و رئيس وزراء لبنان الذي اعتبره الحزب السوري القومي مسؤولاً عن سرعة تنفيذ حكم الإعدام بسعادة بعد محاكمة عاجلة. و في اليوم التالي لإغتيال الصلح تصدر جريدة الحزب عنواناً مثيراً مؤلفاً من كلمتين مرعبتين: "عدل الرصاص". وقد قاد اغتيال الصلح إلى إلقاء ظلال من الشك حول سياسة الحزب وتفكيره، مما دعم الآراء القائلة بنزعة الحزب السوري القومي الفاشية. وجاء اغتيال نائب رئيس الأركان السوري عدنان المالكي أثناء حضوره في 22 نيسان 1955 مباراة في كرة القدم بدمشق و اتهام الحزب بعملية الإغتيال، ليفسح المجال رحباً أمام القوى الوطنية الصاعدة إلى محاكمة قادة الحزب وملاحقة أعضائه وزجهم في السجون، مما أدى إلى انكماش نشاط الحزب في سورية مدة طويلة.
***
انضمام عدد من أبناء وجهاء العلويين
إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي
أثناء الجولة الميدانية في عام 1984 لدراسة تاريخ الحركات الفلاحية في سورية لاحظنا من خلال ما سمعناه من المتقدمين في السن من الفلاحين كثرة انتساب أبناء مشايخ ورؤساء العلويين إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي.
الفلاح "علي هلال" من رأس الخشوفة بالقرب من صافيتا، ذكر لنا إن أول حزب ظهر في المنطقة عام 1936 هو الحزب السوري القومي، الذي كان الناس يظنون أنه ضد الإقطاعية "و إذا بأولاد المشايخ والأفندية يدخلون في الحزب".
{المقصود بالأفندية هنا هم ملاك الأرض من رؤساء العلويين، الذين لا يعملون في الأرض ويشغّلون الفلاحين وفق مبدأ المحاصصة، ويقصد بالمشايخ رجال الدين.}
و ظاهرة انضمام عدد كبير من أبناء مشايخ ورؤساء العلويين إلى الحزب السوري القومي، ثمّ تحوّل قسم منه باتجاه حزب البعث العربي الاشتراكي بعد وصوله إلى السلطة في الثامن من آذار 1963، ظاهرة بحاجة إلى دراسة تتميز بالجرأة والصراحة واقتحام المحرمات...
كما سمعنا من مصادر عديدة أن أحد أسباب انتشار القوميين السوريين في الساحل وجباله هو "مصلحة الريجي". فهذه المؤسسة كانت تضم عدداً كبيراً من القوميين السوريين، الذين يقومون بعملية تخمين الدخان (التبغ). و لهذا قام قسم من زارعي التبغ بمصانعة موظفي الريجي هؤلاء كي يخففوا الأعباء المالية عنهم. و المصانعة تعني هنا الانتساب للحزب السوري القومي الاجتماعي. ولكن ذلك لم يكن يعني أن الجميع دخلوا بسبب المصلحة. فكثيرون دخلوا الحزب عن قناعة وإيمان بمبادئه...
***
في حزيران 2005 التقيت في جبلة مع مدرس اللغة العربية "جهاد جديد" المولود في ريف جبلة 1938. حاز الشهادة الثانوية عام 1957 و الإجازة في اللغة العربية من الجامعة السورية عام 1963. و أثناء دراسته الجامعية كان يدرّس في مدرسة سيف الدولة الخاصة في عين التينة. وبعد التخرج عيُّن مدرساً للغة العربية في ثانوية جبلة حتى إحالته على التقاعد. انتسب إلى الحزب السوري القومي على يد أخيه عبد الكريم. وعندما بلغ من العمر عتياً ترك الحزب، وهو ينشط الآن (2005م) في الشأن العام و رئيس جمعية العاديات في جبلة. رشّح نفسه لانتخابات مجلس الشعب عن حصص المستقلين، و كان كما قال "مرشح الذين هجروا أحزابهم"، و شكّل حالة جمعت أحزاب المعارضة المستاءة من الفساد واحتكار السلطة. فكان مرشحاً مقاوماً لحالة الخضوع والاستزلام المنتشرة مع جائحة البترودولار و رنين سلفه الأصفر الرنّان. جرى اللقاء في بيته بجبلة بتاريخ 5 – 6 – 2005.
قدّم لنا "جهاد جديد" معلومات دقيقة عن حياة اثنين من قادة الحزب السوري القومي في المنطقة، وهما "فاضل الكنج" و"جميل مخلوف". و الأخير كان من قادة الحزب على المستوى السوري منذ عام 1951.
وفيما يلي ننقل مع إضافات توضيحية من كاتب هذه الأحرف ما ذكره معاصر الرجلين جهاد جديد:
انتشر الحزب السوري القومي في ريف جبلة بفضل شابين من عائلتين معروفتين هما:
- جميل مخلوف معلم الابتدائي المولود 1920 وكان عفيفاً صادقاً في معتقده أصولياً في الفكر القومي الاجتماعي، حسب شهادة الأستاذ جهاد جديد. و عندما طلب حاكم سورية أديب الشيشكلي من الموظفين حلف يمين الولاء للنظام رفض جميل حلف اليمين انسجاماً مع مبادئه، فسُرّح من التعليم و بقي بلا عمل وعاش في فقر. و بعد جريمة اغتيال معاون رئيس الأركان عدنان المالكي و اتهام الحزب السوري القومي بالتخطيط للجريمة و تنفيذها لوحق جميل مخلوف فالتجأ إلى لبنان رافضاً هناك أي امتياز.
ويمضي جهاد جديد قائلاًً: كان لجميل مخلوف دور بارز في نشر "الفكر القومي الاجتماعي" في ريف جبلة وجواره. و قد استند جميل على عائلته القاطنة في بستان الباشا وسلورين.
{و آل مخلوف هم من عشيرة الحدادين، و لكنهم سكنوا مع عشيرة الكلبية. وكان يطلق عليهم لقب العتيرية مفردها عتيري، وهو الرجل الشجاع القوي البأس. انظر خوندة... ص 192. ونذكّر بأن زوجة رئيس الجمهورية السابق حافظ الأسد أنيسة هي من بيت مخلوف، وبالتالي فإن بيت مخلوف هم أخوال رئيس الجمهورية الحالي بشار الأسد.}
استطاع جميل مخلوف أن يضم إلى الحزب السوري القومي أعداداً من الشباب، وفي مقدمتهم أقرباؤه من آل مخلوف. وجاء زمن، في أوائل خمسينات القرن العشرين، أُطلق فيه على بستان الباشا اسم "بستان سعادة" تعبيراً عن اعتناق أكثرية القرية، وهم من آل مخلوف مبادئ انطون سعادة.
- فاضل الكنج وهو كجميل مخلوف من مؤسسي الحزب القومي الاجتماعي. وهو ابن أخ إبراهيم الكنج الزعيم العلوي المشهور ورئيس عشيرة الحدادين من بني علي في ريف جبلة. و تميّز فاضل بخروجه على الولاء العشائري و دعوته الخالصة للفكر القومي الاجتماعي العلماني و المناهض للعشائرية و الطائفية. و هو أيضاً أصولي في الفكر القومي الاجتماعي "عفيف سياسياً و مادياً و عاش في ظلم" حسب تقويم جهاد جديد له.
نافس فاضل الكنج في الانتخابات قريبيه شفيق إبراهيم الكنج وبهجت حسن نصور. و مع أن النجاح لم يحالفه في معركته الانتخابية إلّا أن دخوله المعركة الانتخابية دلّ على أمرين هامين:
- رغبة أبناء الدرجة الثانية في العشيرة في الوصول إلى القمة. و هذه الظاهرة نجدها في أماكن كثيرة سواء في الجبل العلوي أو على نطاق سورية.
-خروج الصادقين في العقيدة من الأحزاب العقائدية العلمانية (الشيوعي والبعث والسوري القومي) على تقاليد العشيرة وأعرافها وسعيهم لنشر فكر جديد داع إلى الوحدة الوطنية، وهو على طرفي نقيض مع الفكر العشائري أو الطائفي.