الشاعر هادي دانيال لفينكس: البترودولار الخليجي ينتهز الفرصة لتدجين مُنْتِجيّ الآداب والفُنُون وتوظيفهم بالتوجيه أو التخدير لصالح السياسة الإمبريالية الصهيونية.. الجزء الأوّل من الحوار

 هذا الحوار مع الشاعر والكاتب والمناضل العريق بسوريته والمتجذّر في القضية الفلسطينية هادي دانيال أقرب إلى السيرة الذاتية المنطوية على جوانب من حياته المهنية في الصحافة خاصّة في مجلّة الهدف التي أسسها الشهيد غسّان كنفاني, والنضالية من خلال انخراطه المبكّر مع إحدى الفصائل الفلسطينية في سبعينيات وثمانينات القرن الماضي وعمله في إعلامها, وعما كابده على الصعيد الشخصي من معاناة كشاعر من خلال انتحال أحد "الصحفيين" السوريين المعروفين ليس فقط لنتاجه الأدبي والشعري إنّما لشخصيته أيضاً! ومثل هذا الانتحال –ضمن حدود معرفتنا المتواضعة- لم يحدث في تاريخ الأدب, على الأقل طوال قرن مضى! ومن قبل من؟! صحفي يتصدى لـ"الدفاع" عن الديمقراطية وحقوق الإنسان(؟!) ويمكن أن تضيفوا أنّه يتصدى للدفاع عن العدالة أيضاً!

ومن الطبيعي أن نطوف ونتطرق خلال حوارنا مع الشاعر دانيال إلى رؤاه حول الأدب والسياسة والراهن السوري, لاسيّما أنّ للشاعر دانيال ستة كتب في النقد الأدبي وما يماثلها في السياسة فضح من خلالها وفي وقت مبكّر زيف الربيع العربي الذي رأى أنّه ربيع صهيوني بامتياز.

غادر هادي (واسمه الحقيقي: عبد الهادي دانيال الوزة) سوريا عام 1973 وهو في باكورة ربيع العمر, إذ كان ابن سبعة عشر عاماً عندما قصد بيروت مخلّفاً وراءه مقاعد الدراسة والدروس التي كان يعطيه إياها (طوعياً) الشاعر ممدوح عدوان (في الرياضيات) والكاتب رياض عصمت (في اللغة الانكليزية), والأهل وحارات دمشق وجبال الساحل السوري, واضعاً نصب عينيه مستقبلاً يشده إليه ما كان قد تشبّع بقراءته عن الشاعر الفرنسي آرثر رامبو و...

إلى الجزء الأوّل من الحوار الذي أجراه أُبي حسن:

 

س1- غادرت دمشق في النصف الأول من سبعينات القرن الماضي متوجّهاً إلى بيروت بقصد البحث عن الذات والشعر وفق ما سبق أن صرحت في مقابلات صحفية سابقة, وكنت فتى في مقتبل العمر.. جملة من الأسئلة تخطر في البال:

- ألم يكن المناخ الشعري في دمشق –تلك الفترة- يناسب طموحك حتى قصدت بيروت, لاسيّما ثمة أسماء لامعة –وإن على درجات- في تلك الفترة (محمد الماغوط, ممدوح عدوان, نزيه أبو عفش, علي كنعان, محمد عمران, بندر عبد الحميد.. الخ)؟

- لماذا اخترت العمل في مجلة الهدف دون سواها عقب استقرارك في بيروت؟ وهل لك أن تحدثنا عن الجو الذي عشت فيه في باكورة تكوينك في أحد أحضان النضال الفلسطيني وتأثير ذلك الحضن عليك على المستويين الشعري والسياسي؟

- كيف كانت علاقتك بالوطن بعد استقرارك في بيروت وعملك في إحدى التنظيمات الفلسطينية التي كانت تناوئ (إلى حد ما) الخط السياسي السوري؟

 

الجواب:

بل كانَ مناخاً شعريا صحّيّا جدّا، قياسا إلى مناخات الفترات اللاحقة خاصة، فالأسماء الشعرية التي ذكرت يُضاف إليها أسماء أخرى مِن أجيال مختلفة مثل حامد حسن ومحمد الحريري وعلي الجندي ومصطفى البدوي وميخائيل عيد وصدر الدين الماغوط وزهير غانم ودعد حداد وغيرهم، وجودها وحده في ذات المكان والزمان يفرض مناخا ثقافيا يُحفز موضوعيّا أي موهبة ناشئة على حثّ الخطى قُدُماً ويفتح أمام طُمُوحاتها آفاقاً أوسع، لكنّ ارتطاماً حادّاً وَقَعَ بين رؤيتين مختلفتين إلى علاقة الشاعر بالمدرسة: رُؤيتي التي تماهت مع رؤية الشاعر آرثر رامبو التي لامست إحساسا عندي تحوّل إلى وَعي بعد أن قرأتُ كتاب صدقي اسماعيل "رامبو... قصّة شاعر مُتشرّد" وكتاب "الشعر والتجربة " لأرشيبالد ماكليش الذي ترجمته سلمى الخضراء الجيوسي، وفتَنَني قوله "ليس مِن الخَير أن نبْلي سراويلنا على مقاعد الدرس" فحكّ هذا القول على "جَرَبِ" رُوحيَ المُتمرِّدة، فضلاً عن أنّني كُنتُ أكتب الشعر في الحدائق العامة ظهرا وكأنها أحلام يقظة وفي المنام لأستيقظ وأسجل القصيدة /الحلم, وكأن قصائدي كانت تُملى عليّ فلفَتني قول كان يُردده آثر رامبو "لم أكن أنا الذي يكتب بل كان يُمْلى عَلَيّ".

في الفترة ذاتها اقترحَ عليَّ بندر عبد الحميد بصفته رئيس تحرير مجلة "جيل الثورة" نصف الشهرية التي كانت تصدر عن الاتحاد الوطني لطلبة سورية أن أمثّل المجلّة في وفد الصحافة الوطنية السورية إلى مدينة الطبقة لتغطية سير الأعمال في سدّ الفرات الذي كانَ قَيْدَ الإنجاز، وقد وافقت بحماسة, فانضممت إلى الوفد واستقبلنا "نورالله نورالله" وزير سد الفرات آنذاك في مكتبه، ولفته أنني فتى صغير غير متهيّب أو آبه بالمكان ودلالاته الرسميّة فمازحني قائلا: واضح أنك من "جيل الثورة". وكانت هذه أول مهمة صحفية لي في حياتي، وقد أنجزت تحقيقا بعنوان "سد الفرات في عيون الفقراء" لاقى بعد نشره على عدة صفحات من المجلة صدى سلبيا عند الوزير نورالله ودوائر رسمية أخرى. أذكر ذلك الآن لأنّ وقتَ امتحانات الشهادة الإعداديّة تزامَنَ مَع ذهابي إلى مدينة الطبقة فاخترتُ أن أتجاهل الامتحانات وأنفّذ مهمة صحفيّة عدتُ منها بإنجاز أوّل تحقيق صحفيّ يُنْشَر لي, وبقصيدة عنوانها "عندما يفسد الدم في الشرايين" نشَرَها لي ممدوح عدوان قصيدةَ عدد في مجلة "جيش الشعب" التي كان آنذاك يشرف على صفحاتها الثقافية ومعه رياض عصمت وعادل محمود. لكن ممدوح عدوان ورياض عصمت كانا حريصين على أن أكمل دراستي وأحصل على الشهادة الإعدادية, وبدأ ممدوح عدوان يخصص لي ساعتين أسبوعيا في مقر "جيش الشعب" بعد الدوام يدرسني خلالهما مادة الرياضيات, ومثله فعل رياض عصمت إذ كان يدرسني مادة اللغة الانكليزية لكوني كنت ضعيفا جدا في هاتين المادتين.

وفي الوقت نفسه – ويا للصدفة فاجأني خلدون الشمعة الذي كان يرى فيّ –قبل أن يكتشف أنني من الساحل!- "مستقبلَ الشعر السوري", ويرى في محمود عبد الواحد "مستقبل القصة القصيرة السورية" قبلَ أن "يخذله" ويلتحق بالحزب الشيوعي, (كُنتُ ومحمود جارين في القابون)، فاجأني خلدون بأنّه فاتَحَ زكريا تامر –الذي كان رئيس تحرير مجلة "الموقف الأدبي"- بأن يطبعوا لي مجموعة شعريّة عن اتحاد الكتاب العرب وأن يرتب خلدون لي كل ما يلزم لأكملَ دراستي في جامعة كامبردج في بريطانيا.

شعرتُ أنّ ممدوح عدوان ورياض عصمت وخلدون الشمعة لا يختلفون في نهاية الأمر عن والدي الذي كان يقتلع اسمي بشفرة حلاقة عن القصائد التي أنشرها في الصحف والمجلات, كما يمزّق كتبيَ التي أقرأها خارج المنهاج الدراسي انتقاما من تلك القصائد والكتب التي حالت دون إكمال دراستي. لذلك أدرْتُ ظهري للجميع وغادرتُ دمشق والتراب السوري إلى بيروت بطريقة غير شرعيّة, لأنني كنت تحت السنّ القانوني وبحاجة إلى موافقة الأب كي أسافر خارج الوطن.. هكذا أصغيت إلى صوت داخلي كأنه صدى صوت آرثر رامبو شاعر النصف الثاني من القرن التاسع عشر هاجرا مقاعد الدراسة نهائيا صوب "الشعر والتجربة" في مدن جديدة خارج حدود الوطن.

بَعْدَ أسبُوعين مِن وُصُوليَ بيروت انتسبْتُ إلى "الجبهة الثوريّة لتحرير فلسطين" وهي فصيل راديكالي انشقّ عن الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين" وكان انشقاقها هو الثاني عن الجبهة الشعبيّة التي يتزعّمها الدكتور جورج حبش بعدَ الانشقاق الذي تزعمه نايف حواتمة لينشئ به "الجبهة الديمقراطيّة لتحرير فلسطين". وبعد سنة تقريبا (1974) تعرّضت "الجبهة الثوريّة" بدورها إلى انشقاق أفضى إلى تلاشيها تماماً، فاحْتُضِنْتُ أنا ورفاقي في مكتب الجبهة الثورية في"الفاكهاني" مِن يسار الجبهة الشعبية – القيادة العامّة التي يتزعّمها أحمد جبريل، هذا اليسار الذي كان مُنظّره الشاعر والفنان التشكيلي العراقي "مؤيّد الراوي" تروتسكياً، وكان صديقي، انشقّ بدوره لاحقاً عن الجبهة القيادة العامة لينشئ "جبهة التحرير الفلسطينيّة". أ بسام أبو شريف

قُبَيْلَ ذلك تشكلت "جبهة الرفض" الفلسطينية, وأصدرت مجلة باسم "الصمود" دُعِيَ مؤيّد الراوي للعمل فيها مُخْرِجاً فنّياً ودُعِيتُ للإشراف على صفحاتها الثقافيّة. وأذكر هنا أنني أجريتُ حوارا مُطَوَّلا مع الروائي السوري "حيدر حيدر" الذي كان مُقيما حينها في بيروت ونشرته فيها. كان مُمثّل الجبهة الشعبيّة التي يتزعمها الدكتور حبش يُدعى الرفيق "إهاب" يُلحّ عليَّ بالسؤال "متى ستلتحق بأسرة الهدف؟". في يوم ما أجبتُه مُبتسما: "الآنَ إن أردت". وكان ذلك بداية 1975. وكانت الحرب الأهلية قد اندلعت. توجّهنا معاً إلى مقرّ مجلة "الهدف" في كورنيش المزرعة مقابل عمارة على الطرف الآخر تضم مقر منظمة التحرير الفلسطينية ومقر مجلة "إلى الأمام" لسان حال الجبهة التي يتزعمها أحمد جبريل. كان الرفيق بسام أبو شريف رئيس تحرير "الهدف" في استقبالنا آنذاك. قال لي أبو شريف: "يا رفيق هادي، نحن نعمل وفق تقاليد أرساها الرفيق الشهيد غسان كنفاني. ومنها أن الانتساب إلى أسرة تحرير الهدف يبدأ من العمل في قسم "التصحيح". مع إمكانيّة مشاركتك أنت في القسم الثقافي لكونك شاعراً. وقدّمني بعد ذلك إلى "غانم البيبي" مدير التحرير، وإلى "سليم يركات" الذي فوجئتُ بأنه مسؤول القسم الثقافي. باشرتُ العمل "مُصحِّحاً"، وكانت أوّل مادّة أنشرها على الصفحة الأخيرة وباسمي الجديد لأول مرة أيضاً: هادي دانيال.

بعد ذلك بأشهر استشهد في معارك لبنان "طلال رحمة" المسؤول الثقافي بمجلة "فلسطين الثورة" ودُعيَ "سليم بركات" كي يحلَّ محلَّ "طلال" في فلسطين الثورة"، واقترح "سليم" على رئيس تحرير الهدف أن أحلّ أنا محله على رأس القسم الثقافي في الهدف. وكان ذلك. وبعد سنة تقريبا ترك "البيبي" مديرية التحرير وتسلمها منه "هاني حبيب" ثمّ غادر "حبيب" لإكمال دراسته في رومانيا. وألغيت مهمة مدير التحرير واستبدلت بمهمة جديدة هي "سكرتير التحرير" وأوكل بها إليّ حتى سنة 1979 حيث انتقلت إلى مهمة جديدة وهي إدارة البرامج الثقافيّة في إذاعة صوت فلسطين- صوت الثورة الفلسطينية إلى أن اجتاح الجيش الاسرائيلي بيروت وخرجت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية منها إلى تونس سنة 1982.

قبل خروجي من دمشق قرأت, وأنا أتجول في شوارعها سنة 1972, ما نشيت صحيفة معلقة على أحد أكشاك بيع الجرائد بشأن اغتيال الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني بتفجير سيارته أمام منزله في بيروت لحظة الصعود إليها مع ابنة شقيقته الطفلة "لميس". كانت المرة الأولى التي أعرف اسمَ هذا الكاتب الذي سيصبح لي بعد ثلاث سنوات قدوة ونموذجاً.

لقد اقتنيتُ مجلدات أعماله الكاملة الأدبية السردية والنقدية والصحفية والفكرية السياسية, وقرأتها بشغف وعُمْق ودقّة، وتعرّفتُ على أعماله الفنية التشكيلية (ملصقات ولوحات), وتشربت بعقلي ووجداني من زملائه ورفاقه في المجلة تفاصيل سيرته وطريقة عمله وسلوكه بحنينٍ وحنان بدءا من الرفيق المكلف بصناعة وتقديم القهوة والشاي وصولا إلى التعرف على أرملته المناضلة وطفليه الذين كانوا يترددون علينا في مقر المجلة.

كانت أنفاس غسان تتردد في جنبات مقر الهدف وكنت أحسّ بها، وكم أتساءل الآن: كم أخطأت الجبهة ومنظمة التحرير الفلسطينيّة عندما لم تحرص على شراء مقر الهدف وجعله متحفاً أبديّاً لغسّان كنفاني الذي يُمثّل أيضا جزءا مِن تُراث بيروت الصحفي والثقافي حتى قبل حضور الثورة الفلسطينية إلى لبنان بعد مجازر أيلول الأسود عام 1970 ضدّ الفلسطينيين في الأردن.

مع الرفاق في "الجبهة الثورية", والذين يزورون مكتبهم كالطالب الجامعي الأردني "سيف بدرخان" والمفكر السياسي السوري "أسامة الهندي" الماركسيين اللينينيين والشاعر والفنان التروتسكي العراقي وتحت إشراف "الهندي" خاصة بدأت أتكون نظريا كمثقف ماركسي – لينيني مُناهض للستالينية و"التحريفية السوفيتية" (كانت الجبهة الديمقراطيّة بقيادة نايف حواتمة وحدها مع بعض يسار فتح، مَن يرفع مظلة موسكو السوفياتية في المشهد الثوري الفلسطيني، وعندما أقامت الجبهة الشعبية التي يتزعمها الدكتور حبش علاقة مع موسكو وزعتْ تعميما داخليا على أعضائها يزعم أن الحزب الشيوعي السوفييتي راجع سياسته بما يتوافق مع استراتيجية الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين!)... وكنت أنشر قصائدي في صحيفة "إلى الأمام" التابعة لجبريل وفي ملحق صحيفة "النهار" اللبنانية الذي كان يشرف عليه الشاعر أنسي الحاج، وبعد انشقاق يساريي الجبهة- القيادة العامة كُنت أكتب في "الصمود"، وبعدها في الهدف، لكن علاقة ربطتني بالمفكر اليساري الطهراني "أسامة الهندي" كانت شبيهة في الكثير من جوانبها بالعلاقة التي ربطت الشاعر الألماني "هاينريش هاينة" بالمفكر والفيلسوف "كارل ماركس". وقد صار كتاب "أسامة الهندي" الذي صدر بعنوان "الثورة الاشتراكية والموقف الأممي" باسم مستعار هو "مهنّد الشفيع" مرجعيّتي الفكرية لفترة، وأصدر أسامة نشرة سياسية اسمها "إلى النضال", شاركت في عددها الأول بمقال فكرته الأساسية أن الرئيس حافظ الأسد كانَ نموذجه في بناء الدولة السورية الرئيس الكوري الشمالي السابق الرفيق كيم إيل سونغ.

ولكن في أجواء مجلة "الهدف", ولاحقاً في أجواء إذاعة فلسطين, شعرتُ أكثر بانتمائي إلى الثورة الفلسطينية والقضيّة الفلسطينيّة وآلام وآمال الشعب الفلسطيني، وانعكس ذلك على كتاباتي الشعريّة, كما انعكس عليها انشغالي الفكري بالماركسية اللينينيّة خاصّة، ولا شكّ أنني انشغلتُ نسبيّاً عن قراءاتي الأدبية إلى قراءات فكرية, وهذا كان له تأثيره السلبي على تطوير تجربتي الشعريّة أكثر، ولكن مِن جهة أخرى تحولت مدوّنتي الشعرية إلى مُدَوّنة شاعر مِن شُعراء الثورة الفلسطينيّة بامتياز.

في الحرب الأهلية (اللبنانية), وخاصة بعد مجازر تلّ الزعتر، كانت دمشق أبعد عن بيروت مِن كوبا مثلا. وكنتُ بالطبع, بحكم حماستي كفتى ماركسي وشاعر وإعلامي ينتمي إلى الثورة الفلسطينيّة, أقف إلى جانبها ضدّ جميع خصومها وأعبّر عن ذلك بالكتابة الشعرية والنثريّة.

 

 

س2- في بدايات الحرب اللبنانية (آواسط سبعينات القرن الماضي, إن لم تخني معلوماتي) وصلت إلى سوريا أخبار مغلوطة تفيد باستشهادك, وكتب حينذاك, عن "استشهادك" ممدوح عدوان الذي عدت والتقيت به في تونس, وجرى بينكما لقاء تخلله ذكر هذه الحادثة. هل تتكرّمون بذكر تلك الحادثة وكشف ملابساتها لقرّاء فينكس؟

 

الجواب:

كما ذكرتُ لكَ آنِفاً، ارتَفَعَ في أوَّلِ سنتين مِن الحرب الأهليّة اللبنانيّة جدارٌ شاهِقٌ بين دمشقَ و"بيروت الغربيّة" عاصمة الحركة الوطنيّة اللبنانيّة والثورة الفلسطينيّة, الأمر الذي أتاح لأحدهم أن يشيع في دمشق عندما كان مُقيماً فيها (وهو الناقد السينمائي الأردني حسّان أبو غنيمة) خبَراً زعَمَ أنّه وصَلَه مِن بيروت مفادُهُ أنني فقدْتُ حياتي في تلكَ الحرب. وقد تلقّفَ بَعْض المُثقّفين السوريين الأعزّاء هذا الخبر باهتمام، فزارَ وَفْدٌ منهم عائلتي في "القابون" مُعَزِّياُ. ورثاني الشاعران ممدوح عدوان وزهير غانم، الأوّل بمقالة والثاني بقصيدة.

وتحدّث الشاعر فؤاد كحل أمام جمهور في ندوة ثقافية عني "شاعرا سوريا شهيدا في الثورة الفلسطينية"، وذلك كله كما أرى الآن كان بدافِعَيْن، الأوَّل: علاقتي الحميمة بالشعراء الثلاثة المذكورين؛ والثاني: التعبير مِن خلال "حادثة استشهادي" المزعومة عن موقف جَوهرُهُ مُساندة هؤلاء الشعراء السوريين للثورة الفلسطينيّة والحركة الوطنية اللبنانية في تصدّيهما للقوى اليمينيّة الانعزاليّة في لبنان. أمّا أنا فلم أعلم بخبر "استشهادي" إلا سنة 1977، فقد حضَرَ "أسامة الهندي" إلى منزلي وقال لي وهو ينزع نظارتيه الطبيّتين عن عينيه ويمسحهما بطرف قميصه مبتسماً بتهكُّمٍ وَدُود: "هل تعرف الكاتبَ الفلسطينيَّ يحيى يخلف أيُّها الرفيق الشهيد؟", أجبْتُ مصدُوماً بمُناداته إياي "الرفيق الشهيد": لا، لا أعرفُه. فأجابَ بنبرةٍ جادّة على خلفيّةٍ مِنَ الاستغراب: "كُنْتُ عنْدَهُ الآن, وحينَ ودَّعْتَهُ مُخْبراً إيّاه أنني لا أريدُ أن أتأخّر عن موعدٍ لي معكَ ذاكراً له اسمَكَ عرَضاً، استوقفني وحدّثني عن ذيُوعِ نبأ استشهادِكَ في الأوساط الثقافيّة السوريّة، وألحَّ على ضرورةِ أن أصحبَكَ إليهِ ليراكَ شخصيّاً ويتأكَّدَ مِن أنَّكَ حيّ!", وأضافَ ضاحكاً: "إنَّهُم كانوا بصدَدِ تأبينِكَ في فرعِ سوريا لاتحاد الكتّاب والصحفيّين الفلسطينيّين, إلا أنّهم لم يستطيعوا التأكُّد مِن خَبَرِ استشهادِكَ".

في صباحِ اليوم التالي ذَهَبْتُ وأسامة إلى مكتب شؤون الأردن لحركة فتح في "شارع أبو شاكر من تحت" القريب مِن مستديرةِ الكولا, وكانَ يحيى يخلف "أبو الهيثم" المسؤولَ الأوّل في المكتب. رحّبَ بنا بحرارة وقالَ لي مُبتَسِماً: "بعْدَ أن أكّد لي الرفيق أبو محمد (كان هذا هو الاسم الحركي لأسامة الهندي) أنَّكَ حيّ, طلبتُ مِن الأخ ناجي علّوش الأمين العام لاتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين أن تكون أحد ضيوف مؤتمر الاتحاد الذي سينعقد بعد شهر في تونس فكن جاهزا لذلك". وكان ذلك اللقاء بداية صداقة ربطتني بيحيى يخلف لفترة طويلة بصفتِه أديباً وأحَد رموز يسار حركة فتح.

وعلى هامش انعقاد مؤتمر اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين في تونس سنة 1977 بقصر المؤتمرات القريب من شارع الحبيب بورقيبة وسط العاصمة التونسية، وفي أحد الأروقة حيث كنتُ أتجوّلُ وحيداً تقدَّمَ منّي شخص قصير القامة ذو قُبُول وقدَّمَ لي نفسَهُ هكذا: "أنا سعيد حورانيّة. أنت لا تعرفني فأنا كنتُ في موسكو عندما كُنتَ أنتَ لا تزال في دمشق. لكن لنا صديق مُشترَك هُوَ محمود عبد الواحد حدَّثَني عنكَ كثيراً". رَحَّبْتُ بهِ فَرِحاً وسألتُهُ عن أخبارِ صديقِنا محمود، قالَ لي "بخير"، واستطرَدَ بسرعة: "انظرْ هُناك"، مُديراً وجههُ إلى ثلاثة أشخاص كانوا يتحدّثون فيما بينهم وهم يتلفّتونَ صوبنا في آنٍ مَعاً. قلتُ له: أعرف منهم خلدون الشمعة ورشاد أبو شاور، أمّا الثالث لم أره سابقاً. فقال سعيد: "أنا رسول الرجل الثالث الذي لم تعرفه، إليك. إنّه محمود كامل مسؤول المكتب الصحفي في رئاسة الجمهورية, ورئيس الوفد السوري المؤلَّف منه ومني ومن خلدون إلى هذا المؤتمر. طلَبَ منّي أن أُبلِغَكَ إنَّهُ يُريدُ منكَ أن تعودَ معنا على ذات الطائرة إلى دمشق، وفي اليوم الثاني من وصولنا هو يتعهّد بأن يُمكنكَ من مُقابلةِ الرئيس حافظ الأسد، وستحصل على الوظيفة التي تريد في المجلة أو الصحيفة التي تشاء". ابتسمتُ مُندَهشاً وَمُرتبِكاً في آن، لكنّني بدون أن أفكّر في "الطلب أو العرض" الذي نقله سعيد حورانيّة إليّ، قلتُ له: "أنا لا أبحث عن وظيفة أو ما شابه لا في بلادي ولا في غيرها. لقد اخترتُ مصيري نهائيّاً مع الثورة الفلسطينيّة". فقال مُتَفاجِئاً: "يَعْني ماذا أقول للأستاذ محمود كامل؟". أجبتُه "قلُ له ما سمعته منّي الآن!". فهمَسَ وكأنَّه لا يُصَدِّقُ أذنيه: "يعني، لن تعودَ معنا". فقلتُ له بنبرة قاطِعة "لا، طَبعاً !". نَظَرَ إليَّ حائراَ وَتَمْتَمَ بصوتٍ بالكاد كانَ مَسمُوعاً: "لا أعتقدَ أنَّني سأعيش حتى أراكَ في دمشق". وغادَرَني مُسرِعاً إلى كامل والشمعة وأبي شاور، بينما أنا أحاولُ أن أفهمَ لماذا قالَ عبارته الأخيرة . كانت المرّة الأولى والأخيرة التي ألتقي فيها القاصّ السوري سعيد حورانيّة، ولدقائق معدودات، وفي تونس!

وَبَعْدَ خُرُوجنا مِن بيروت إلى تونس, زار ممدوح عدوان العاصمة التونسية والتقيته في أحد فنادقها. وهو يتأهّب لاحتضاني قال: "لن أصَدِّقَ مُستَقبلاً أيَّ نبأ يزعم أنّك قد مُتَّ. أنت لن تموت", وأطلق ضحكته المُجلجلة. ثمَّ التقيتُهُ مرَّةً ثانية في فندق القدس بعمّان وقضينا في غرفته بالفندق وقتا لا أنساهُ – على قِصَرِهِ – وكان معنا الشاعران الفلسطيني أحمد دحبور والسوري عبد الكريم الناعم. ثمّ التقيته اللقاء الأخير في نادي الصحفيين بدمشق سنة 2004 خلال عودتي الأولى إلى دمشق بعد غياب دامَ ثلاثينَ عاماً. قال لي وهو يتأمّلني: "الآن أصَدِّق أنَّ شيئاً قد تغيَّر في البلاد" وابتَسَمَنا مُحاوِلينَ مَعاً أن نتجاهل تماماً المَرَضَ الخبيثَ الذي كانَ قد تمكّنَ منه.أ ممدوح عدوان

الآنَ وأنا أحدِّثكَ، يا صديقي أبيّ، تنكمشُ رُوحي ألمَاً مِنَ التفكير بأنَّني أنا مَن تَلَقّيتُ في تونسَ نَبأَ مَوْت مَمدوح عدوان، وأنَّني حينَ عُدْتُ إلى دمشق بَعْدَ سَبْعٍ وعشرين سنة مِن لقائي الوحيد بسعيد حورانيّة وسماعي منه تلك الكلماتِ الغريبة، كانَ قد فارَقَ الحياة.

 

 

س3: أستغرب كيف غفل ممدوح أن يعرّفني بك خلال زيارتك لدمشق, إذ كان من عادته أن يعرّفني بأصدقائه القادمين من خارج سوريا!

 

الجواب:

التقيته في دمشق مرة واحدة كما ذكرت في الجواب أعلاه، ولكن في الليلة التي تسبق سفري اتصلَ بي ودَعاني إلى السهَر معه في منزله على أن يصطحبني أخي نديم فهو يعرف منزل ممدوح، لكنني اعتذرت لأنني سأسافر صباح اليوم التالي ولا أريد أن أتأخر عن الطائرة مثلا. وودعته على الهاتف.

 

س4- لعلك الكاتب والشاعر الوحيد في العالم (المعاصر على الأقل) الذي انتحل اسمه وشخصه سارقاً كتبه, وعلى الملأ, صحفي آخر معروف. أستاذ دانيال, كيف بدأ ذلك الانتحال, وكما نعلم أنّه انتحال استمرّ قرابة الثلاثة عقود؟ كيف كشفته؟ ماذا كانت ردّة فعلك؟ وماذا كان موقف الصحفي السارق؟ وكيف تقيّم ردة فعل الشارع الثقافي على هذه الحادثة, باعتبارها تمسّ كل مثقّف؟

الجواب:

بعد سنوات تقريباَ مِن بَدْء صداقتي مع يحيى يخلف "أبي الهيثم"، أرسَلَ إليَّ من يَدعوني إلى زيارةِ مكتبه "شؤون الأردن لحركة فتح", في "مساء ذات اليوم ولأمر ضروري!". وفور دُخولي مكتبه رأيتُ شخصين, الأوّل يضع على عينيّ رأسه الكبير نظارتين سوداوين, والثاني فتى أشقر نحيل بعينين ملوّنتين. أحاطَ أبو الهيثم كتفي بذراعه ومشينا إلى خارج الغرفة ليهمسَ في أذني: "أخي هادي أريدك في مهمة وطنيّة. الشخصان اللذان في الداخل سوريّان يزعمان أنّ ميشيل كيلو أرسلهما إليّ. الأوّل ضرير ويعزف على العود ويُغَنّي واسمه عصام، والثاني اسمه نزار نيّوف، ويزعم أنّه يكتب الأغاني التي يلحّنها ويغنّيها الأوّل" وأردف مبتسماً: "يعني نسخة يساريّة سوريّة من الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم"، ثُمّ استطرَدَ بتجهُّم: "سآخذ الضرير إلى قاعدة للفدائيين يسامرهم بعُودِه وغنائه هذه الليلة، فلا ضَرَر مِن ضرير، أمّا الثاني فلم أشعر بالارتياح له، أرجو أن تأخذه ليقضي ليلته عندك، وفي الغد نرى ماذا سنعمل بشأنه". رافقَني المدعو "نزار نيّوف" إلى "الاستديو المفروش" الذي أقيم فيه والمُقتَطَع مِن شقة على الطابق الرابع بعمارة في طلعة النويري. غرفة بسريرين بينهما طاولة كبيرة وكرسيان، ومكتبة على طول الحائط المقابل, وبجانب أحد السريرين خزانة ملابس. والغرفة تُفضي إلى مطبخ في زاوية منه تصعد بدرجتين إلى غرفة صغيرة كانت بمثابة حمام –دوش- وبيت راحة. كما كانت غرفة المطبخ تُفضي إلى شًرفةٍ تُطلُّ على ثانويّة للبنات. أعددتُ طعامَ العشاء لكلينا وبعد أن تناولناه، دار بيننا حديث قصير لم أعد أذكر منه شيئاً، فقد كان الضيف مُقتصِداً في الكلام ومُضطرباً في آنٍ مَعاً. أوى كلٌّ مِنّا إلى سريرهِ, أنا نمْتُ. أمّا هُو(؟).

في الثامنة صباحاً استيقَظْتُ، فلاحَظْتُ أنَّ سريرَ ضيفيَ فارِغٌ. رُبّما يَقضي حاجَتَهُ في الحَمّام أو يَغتسِلَ؟ وبعد أكثر مِن عشر دقائقَ حَيّرني الهُدُوء التامّ. دَخلتُ المَطبخَ فلاحَظْتُ بابَ الحمّام مفتوحاً ولا أحَد وراءه. يَتأمَّلُ طالباتِ الثانويّةِ مِن الشُّرْفَة؟ فتحتُ بابَ الشُّرفةِ، فلم أجدْ فيها غيرَ حمامة تهدل. قلتُ لِنَفسي: رُبّما لديهِ ما جَعَلَهُ يُغادِر مُبَكِّراً، ومَضيتُ أغسُل وَجهي مِن آثار النّوم. ولم يَدُرْ في ذهْني لاحِقاً أن أراجِعَ يحيى يخلف بشأنِ هذا الضيف الذي نامَ عندي ليلةً واحِدَة لم أرهُ بعدَها أبدا، لكنّه ظلَّ يُرافِقُني ككابوسٍ تافه, لكنّه مُزعِج إلى هذه اللحظة. كيف؟

بعْدَ ستة أشهر تقريباً، وقفتُ أمام مكتبة "فرحان صالح" الواقعة بين جسر الكولا وجامعة بيروت العربيّة, فلفتني على عارضة المكتبة للدوريات عدد جديدٌ مِن مجلّةِ "المعرفة" السوريّة (العدد 229-آذار1981)، فَقَلَّبْتُها بِدافِعِ الحنين إلى رائحةِ دِمَشْق. وبالمصادفة وجدتُني أقرأ كلماتٍ بَدَتْ لي أليفةً, وكُلّما واصَلْتُ القراءةَ ازددتُ دَهْشةً مِن نُشُوءِ علاقةٍ غامِضة وقويّة بهذهِ الكلمات، وحينَ وصلْتُ خاتمةَ المَقال الذي قرأت صفحتيهِ الأخيرتين جَعَلتْني الإشارة إلى ذكرى غسان كنفاني أعودُ إلى أوَّل المقال لِأتَعَرَّفَ غلى عنوانهِ واسمِ كاتبِهِ. فَصَدَمَني أنَّ الكاتبَ هو ذلكَ الشابّ "نزار علي نوّاف", أمّا المَقال فَهُوَ في الأصْلِ لي, وكنتُ قد نشرتُهُ في مجلّة "الهدف" وتحديداً في العدد 382 الصادر يوم 25 كانون الأوّل 1976. أي قبْلَ خمس سنوات مِن نشرهِ في "المعرفة" باسم نزار علي نيّوف. دَخَلْتُ المكتبة حامِلاً النّسخة التي بين يديَّ مِن مجلّةِ "المعرفة" السوريّة، فدَفَعْتُ ثَمَنَهُا وَهَرْوَلْتُ تقريباً، باتجاهِ منزلي. ما أنْ دَخَلْتُ المنزلَ حتى اتجهتُ إلى خزانةِ الملابس التي أودَعْتُها أوراقيَ الخاصّة كافّة، وَبَيْنَها مقالاتي وقصائدي المنشورة وغير المنشورة (أرشيفيَ الخاصّ)، وكانت المُفاجأة الصاعقة: جميع مقالاتي وقصائدي المنشورة وغير المنشورة مفقودة.أ أبي مع الشاعر هادي دانيال

عُدْتُ إلى مقال "المعرفة" وتأكدتُ مِن أنّ المقال هُوَ في الأصل بعنوان "الأدبُ امتِدادٌ للسياسةِ – مُقدِّمَةٌ لِدراسةٍ شامِلة", وكنتُ أنوي إنجاز دراسةً أردُّ فيها على نظرة تروتسكي إلى الأدب انطلاقا مِن ادعاءٍ "لينيني" بوُجُود أدَب بروليتاري، وطبعاً لم أنْجِزْ هذه الدراسة لاحِقاً، وكلّ ما فَعَلَهُ السارق إضافةً إلى حذفِ اسميَ وتعويضه باسمهِ، هُوَ حذْف العنوان الفرعي للمقال (مقدمة لدراسة شاملة), وكذلك حذف مصطلح "الأدب البروليتاري" أينما وَرَدَ في مَتْنِ المقال وَتعويضه بمُصطلح "الأدب القومي الاشتراكي".

في صباحِ اليوم التالي حَمَلْتُ عَدَدَ مجلةِ "المعرفة" واتجهتُ إلى مقرّ مجلة "الهدَف". كانَ بسّام أبو شريف قد تَرَكَ رئاسةَ تحرير "الهدف" نهائيّاً وتَمَّ تعويضُهُ بعُمَر قطيش. قابلتُ الرفيق عُمَر على الفور، وَعَرَضْتُ عليهِ أمْرَ المقال المَسروق. بحثنا في الأرشيف إلى أن عَثْرنا على المقالِ منشوراً في الهدف، فطلبَ رئيس تحريرها تصوير الصفحة الأولى مِن المقال كما هوَ منشور في كلتا المجلتين الأسبوعية الفلسطينيّة والشهريّة السوريّة، وكتابة رسالة باسم رئيس تحرير الهدف مُوَجَّهة إلى الشاعر محمد عمران رئيس تحرير المعرفة، ونشْر ذلك كلّه في أوّل عدد يصدر من الهدف وكان ذلك في تشرين الأول. وهذا ما حَصَل. وَمِن سُوءِ حظِّ نيّوف أنَّ الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين كانت قد أعادتْ علاقتها مع الدولةِ السوريّةِ وفَتَحَتْ مكتباً لها في دمشق، وبالتالي كانت الهدف تدخل سوريا. وبعد شهرين تقريباً صدر العدد 238 في شهر كانون الأول 1981، مِن مجلّةِ المعرفة حاملا افتتاحيّة بتوقيع رئيس التحرير عنوانها "ثلاث رسائل مفتوحة"، الأولى هي رسالة الهدف إلى المعرفة، والثانية رسالة اعتذار من المعرفة إلى الهدف و"الزميل هادي دانيال الذي نقدّر كتابته" مع وعد من المعرفة بأن "تتخذ الاجراءات اللازمة بحقّ المدعو (نزار علي نيّوف)"، والثالثة إلى "السادة الكتاب العرب" للتصدي لهذه الظاهرة أينما كانت. فَشَعَرْتُ بأنَّ حقِّي وَصَلَني. لكنّ هذا اللصّ غير الظريف لم يتوقَّفْ عنْدَ هذا الحدّ.

فَبَعْدَ عامين مِن وُصُولنا تونس وزواجي الأوّل مِن مواطنة تونسيّة، رُزقنا بطفلنا الأوّل "مُهنّد"، فسافرتْ بهِ إلى دمشق لزيارة عائلتي كي يتعرّف والداي وإخوتي عليهما. وقد عادت إليَّ زوجتي تلك بمفاجأة ثانية مَصدرها نزار علي نيّوف أيضاً. فقد حَمَّلها شقيقي نديم إليَّ نسخةً مِن مجموعتي الشعريّة "رؤى الفتى", ونسخة أخرى من مجموعتي الشعرية "غليون لتدخين الأحلام" الصادرتين عن دار الحقائق في بيروت، بذات الغلافين اللذين صدرا بهِ عن الدار المذكورة ولكن مع إضافة اسم "نزار علي نيوف" تحت اسمي، كما كان الشاعر السوري الكبير أدونيس يضع اسمه الأصلي "علي أحمد سعيد" تحت اسمه الآخر: أدونيس. وَبَذَلَ نيّوف جَهْداً في حكّ اسم قريتي "كفرية" التي تزيّل بعص قصائدي ليعوّضه باسم قريته "بسنديانة"!. وذلكَ بعد عودة صاحب دار الحقائق السوري إلى سوريا على أثر اجتياح جيش الاحتلال الاسرائيلي العاصمة اللبنانيّة، وحملَ صاحبُ الدار منشوراته معه وبينها النسخ التي تبقّتْ من مجموعتيّ "رؤى الفتى" و"غليون لتدخين الأحلام", فاقتناها نيّوف ونسَبَها إليْه. هذا إضافة إلى مجموعة شعرية بعنوان "أناشيد النورس بين يديّ رُلى البحريّة", مازجاً بين عنوان مجموعتي الشعرية الثانية "أناشيد النورس" التي صدرتْ عن "منشورات الهدف" سنة 1979 وعنوانٍ أوَّليٍّ هو "بين يديّ رُلى البحريّة" كنتُ وضعتُهُ لمخطوط شعري كان بين أوراق الخزانة التي سطا عليها تلك الليلة المشؤومة. وضمّتْ هذه المجموعة قصائدي المخطوطة وقصيدتين من مجموعتي الشعرية الأولى "بردى.. ووفود الجوع" التي صدرت سنة 1973 ببيروت، وقصيدتين أخريين لم أعرف مصدرهما الأصلي. وارتجلَ غلافاً قبيحاً أشار إلى أنّه للفنان التشكيلي السوري "يوسف عبد لكي", ربّما لأنَّ هذا الفنان رسَمَ وصمَّم غلاف كتابي "سداسيّة تغريد البطمة" الذي صدر سنة 1981 عن منشورات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – مكتب الأرض المحتلّة، كما صدّر المجموعة ذاتها بمقدّمة مزعومة للشاعر ممدوح عدوان (حين التقيتُ ممدوحاً في تونس نفى معرفته بهذا الشخص وبأنّه كتب له يوماً مقدّمة أو غير ذلك)، وقد صَدَرَ هذا "الكتاب" بطباعة آلة كاتبة "دكتلو" وصفحاته مطويّة و"مجلّدة" بذات الطريقة التي تطبع وتصدر فيها كراسات التنظيمات السريّة. أ سعيد حورانية

وقيلَ لي إنّ نزار نيّوف وَضَعَ هذه المجموعات الثلاث بعدَ نسْبِها إليه في مكتبات اللاذقيّة، إلا أنّ أخي نديم ورفاقه اصطدموا به وأجبروه على سحبها مِنَ المكتبات. وبَعْدَ فترة تردَّدَ اسمُ "نزار على نيّوف" بصفته "حقوقيّاً سجيناً" بسبب انتسابهِ إلى ما كان يُسَمّى "لجان الدّفاع عن الحرّيّات الديمقراطيّة وحقوق الانسان في سوريّا". وقد حيّرَتْني هذه الكوميديا السوداء: لصّ مريض لا يسرق فقط حبري، بَلْ ينفي وُجودي، ويدّعي أنّني هُوَ وبالتالي أنا لا وُجُودَ لي، وَمَع ذلك تتداوَلُ وسائل الإعلام اسمه كمدافع عن الحريات الديمقراطيّة (حريّة السرقة والانتحال؟!) ويُدافع عن حُقوق الانسان في سوريا وهُوَ الذي يغتال انسانا سورياً اغتيالاً رمزيّاً.

بَعْدَ سنة تقريباً التقيتُ الروائي السوري نبيل سليمان الذي حضَر معرض تونس الدولي للكتاب بصفتِهِ ناشِراً, وكان نيّوف مازال سجينا فسألته: "هل نزار نيّوف الذي...", وقبل أن أكملَ، قال لي بنصف ابتسامة: "نعم هُو"َ... وأربكتنا هذه المُفارَقة, وجَعَلتنا في حَرَج... كيف سندافع عنه وَهُوَ الذي...

وعندما خَرَجَ مِن السجْن وتنافَخَ على الفضائيات "ضحيّةً وَبَطَلاً", أصدرْتُ بياناً وخلعْتُ عنه الأقنعة، وتمّ توزيع البيان في فرنسا باللغتين العربيّة والفرنسيّة. وسنة 2001 وصلني مِن بيروت مقالٌ كتبه "ياسر سكيف – عضو سابق في لجان الدفاع عن الحريّات الديمقراطيّة وحقوق الانسان في سورية" ونشرهُ في صحيفة "المحرر العربي" العدد 503 الصادر في 27 تموز-2 آب 2001 تحت عنوان "نزار نيوف بين الحقيقة المزوّرة والأكذوبة المصنّعة", قد يكون مفيدا أن نقتطف منه ما يخصّ سؤالك تحديدا. يقول ياسر سكيف في مقاله: "في الثمانينات مِن القرن الماضي نشر نزار نيوف في مجلة المعرفة السورية مقالا عن الواقعيّة في الأدب، وبالنسبة لي كانت المرّة الأولى التي أقرأ فيها اسم هذا الرجل في مطبوعة وفي صفحة رئيسية، لأنني كنتُ قد قرأتُ هذا الاسم مرّات قليلة في زاوية بريد القرّاء في مجلة الهدف الفلسطينية. غير أنّ الذي أدهشني هي رسالة من الشاعر السوري هادي دانيال (الاسم الحقيقي: عبد الهادي الوزة – من محافظة اللاذقية – قرية كفرية) مرفقة بصورة عن الدراسة التي نشرت باسم نزار نيوف ليتضح لكلّ قارئ أنّ إبداع نزار نيّوف كان في السطو على جهد الشاعر هادي دانيال المنشور في مجلة الهدف الفلسطينية، المجلة التي أسسها الكاتب الشهيد غسان كنفاني، ونشره باسمه دون أدنى حسّ بالمسؤولية. أما بالنسبة للمجموعة الشعريّة التي أصْدَرَها، فمن الطريف أن أعرض طريقة معرفتي بها! حصل الأمر في سجن صيدنايا، وليشهد (نبيل- ناظم- حسن –جديع –عفيف –محمد -أكسم... وجميع الزملاء الذين كانوا معنا) على صِحّة الواقعة حينما يقتضي الأمر. لقد واجَهْتُ نزار بواقعةِ السطوِ الثابتة عليه، حاوَلَ التّهرُّب وإلصاق التهمة بالدكتور نوفل نيّوف المترجِم المعروف عن اللغة الروسيّة، وأنّ الأمر هو التباس بالاسم، فقد حصل خطأ مطبعي بين اثنين نزار ونوفل... لنتخيّل المجالَ الواسع لإمكانيّة اللبس بين الاسمين. وحينما لم يستطع إقناعَ أحَدٍ مِن الموجودين سابقيّ الذكر بحجّتِهِ انتقلَ فجأةً للادِّعاءِ بأنّه (هادي دانيال) وأنَّهُ هُوَ مَن يكتب بهذا الاسم، وحينما اكتشفَ أنني أعرفُ الكثيرَ عن ذلكَ الرجل وأنني أتابع إصداراته, قال: إننا كُنّا نكتبُ معاً بالاسم ذاته. والغريب أنّ بعض الزّملاء أكّدوا أنّهم رأوا في بيت نزار مجموعة شعرية تحت عنوان (غليون لتدخين الأحلام) صادرة باسمه. وهنا وجدتُ نفسي أمامَ أسطورة في السفاهة لأنّ (غليون لتدخين الأحلام) و(رؤى الفتى) مجموعتان شعريّتان لهادي دانيال صادرتان عن دار الحقائق في بيروت. نعم، إنّ هذا الرجل قامَ بطباعةِ غلاف للمجموعة الشعريّة استبدل فيه الاسم الحقيقي باسمه وألقى بها على المنضدة أمام زائريه ليقنعهم أنّه شاعر". هذا ما كتبه ياسر اسكيف وهو بالمناسبة شاعر لافت. ولكن لم يتوقف هذا المسلسل الرديء هنا.

ففي سنة 2006 صدر عن دار صامد للنشر والتوزيع في صفاقس - تونس مجلَّدُ "الأعمال الشعريّة" الذي يضمّ مجموعاتي الشعرية الصادرة خلال أول ثلاثين عاما من تجربتي في الكتابة الشعريّة (1973-2003) وصدرَ معها عن ذات الدار وفي ذات الوقت مجلَّدُ "الحوارات" الذي يضمّ ما توفَّر مِن الحوارات الصحفيّة التي أُجْريَتْ معي في الثلاثين سنة المذكورة، يتصدّرها حِوارٌ مُطَوَّلٌ أجراهُ معي الروائي التونسي "كمال الرياحي"، نشَرَ قسماً منه في مجلّة "الآداب" اللبنانية, وفي الوقت نفسه نشره كاملاً في الملحق الثقافي لصحيفة "الشعب" التونسية، وقد تضَمَّنَ هذا الحوارُ إجابةً على سؤالٍ يحملُ مضمونَ سؤالكَ هذا.غسان كنفاني

وعندما وَصلَ مجلَّدُ "الحوارات" المذكور إلى الصديق الكاتب السوري "صقر أبو فخر" كتبَ بشأنه مقالاً قصيراً في صحيفةِ "السفير" اللبنانيّة أشارَ فيه بالخصوص إلى إجابتي تلك، ومما قاله مُعتمداً على ذاكرته بعدَ قراءة حِوار الرياحي في كتاب "الحوارات"، لا على نصِّ إجابتيَ كما وَرَدَ في الكتاب: إنّ نزار نيّوف كانَ يغرف من قصائد ومقالات هادي دانيال وينشر ذلك باسمهِ هو في مجلة "المعرفة" السورية. فالتَقَطَ "نزار نيّوف" عَدَمَ دقّةِ "صقر أبو فخر" (غير المقصودة طبعاً) لِيُرْسِلَ رَدَّاً إلى صحيفةِ "السفير" ينفي جملةً وتفصيلا أنَّهُ نَشَرَ شِعْراً في مجلة المعرفة (وهوَ مُحِقٌّ في ذلك لأنَّهُ خَصَّ المعرفة بالمقالات والدراسات)، وبالتالي تَوَهَّمَ أنَّه فَنَّدَ بذلكَ وبإغفاله حادثة سطوِهِ على مقاليَ في الهدَف، اتهاميَ لهُ، لكنّ حماقته وتهوّره جَعلاه يُقسم أيضاً أنّه لم يكتب أو ينشر الشِّعْر أو يدّعي ذلكَ يوماً. ونشرتْ "السفيرُ" رَدَّ نزار نيّوف هذا، مع ملاحظةٍ مِن صقر أبو فخر تُطالبني بتوضيح الأمر.

وفي يَومِ أحَد، من سنة 2007 كنتُ في مقهى تونسي مع الكاتب العراقي عبد الرحمن مجيد الربيعي, فَأوْجَزْتُ لهُ الحكايةَ مُستأذِناً لأنصرفَ وأكتب ردّاً وأرسلهُ إلى صقر أبو فخر وجريدة السفير. وبعد قرابة نصف الساعة هاتَفَني الربيعي يسأل إن كنتُ قد أنجزتُ الردَّ وأرسلتُهُ؟ وعندما أبلغتُهُ أنني بصددِ ذلك، قال: حسناً إذن، انزل من شقتك إلى أول مكتبة واقتنِ العدد الجديد من صحيفة "أخبار الأدب" المصرية واقرأ زاوية "شرق-غرب".

فعلتُ ما أشارَ عليَّ به الربيعي وهو يقهقه. فقرأتُ في صفحة (29) ما قد يُذهِلُكَ أنت أيضاً الآن. ففي مقال ترجمته ياسمين مجدي عن موقع القلم الانكليزي التابع لنادي القلم الدولي, نقرأ أنّ الرابطة المذكورة تمنح جائزتها "للشاعر السوري نزار نيوف على ديوان من دواوينه الثلاثة هو "غليون لتدخين الأحلام" الذي تضمن رؤاه السياسية التي سجن بسببها عشر سنوات! وهكذا وتحت عنوان "ردّاً على نزار نيوف: حبْل الكذب قصير" فنّدْتُ كلّ ما ورد في ردّ نيوف, خاصّة زَعْمه بأنّه لم يسبق أن ادّعى أنه يكتب الشعر أو ينشره، وختمتُ ردّي بالقول: "إنني أعدُ هذا النيوف بأن لا يتنعّم طويلا بما سطا عليهِ مِن نتاجيَ الشعريّ والنثريّ، وسأقاضيه أمام محاكم سوريا وتونس وفرنسا بقانون الاعتداء على الملكيّة الفكريّة ، فقد طال حلمي على مَن أضافَ إلى صِفَتَيِّ السرقةِ والكذب فيه صِفَةَ تحريضِ الأجنبي على بلدِهِ وشعبهِ، وليطمئنّ إلى أنّ في حوزتي مِن الوثائق الدّامغة التي تدينه أكثر مما ذكرته أعلاه". وعلى كل حال كما تعلم صديقي أُبَيّ، إنّ الجرائم المتعلقة بالملكيّة الفكريّة لا تسقط بالتقادم. وبالتالي قد تُستأنَفُ في يوم ما حلقات هذا المسلسل.

 

 

س5- في كتابك "قراءاتي في الأدب العالمي" تقول في الفصل الأوّل منه والمعنوّن بـ"أنطون تشيخوف يقرأ واقعنا أيضاً" بأنّك لست ناقداً أو باحثاً متخصصاً تبحث بمصباح (ديوجين) عما يغني مبحثك.. الخ؛ وفي حوار لك مع صحيفة "البعث" السورية (23/12/2014) تؤكّد مجدداً بأنّك لا تصنّف نفسك ناقداً ولم تسع إلى ذلك. بيد أن كتبك ومقالاتك النقديّة تفصح عن حقيقة مفادها إنّك ناقد من الطراز الرفيع وقارئ من العيار الثقيل.. وكما أعلم أن نتاجك في النقد لقى إقبالاً ملحوظاً, فإلام "تعففك" عن تصنيف نفسك ناقداً؟ ومن منظار كوني صحفياً أراك ناقداً أدبياً مرموقاً, اسمح لي أن أسألك عن رأيك بالحركة النقديّة العربية الراهنة؟

 

الجواب:

صحيحٌ أنّني كتبتُ في وقتٍ مُبَكِّر بَعْضَ "الخواطِر النقديّة الصحفيّة" في مجلّةِ "الطليعة" الأسبوعيّة التي كانت تصدر أوائل سبعينات القرن الماضي عن دار البعث في دمشق ويشرف على القسم الثقافي فيها خلدون الشمعة، وأذكر مما نشرتُ فيها نَصّاً بيَّنْتُ فيهِ كيف أن الشاعر الدكتور أحمد سليمان الأحمد كان قد "قَلَّدَ" حتى الاستنساخ أحياناً في قصيدة له نشرها آنذاكَ قصيدة الشاعر نزار قباني الشهيرة "سامبا". كما أنني نشرتُ بمجلة "إلى الأمام" الفلسطينية في السنة الأولى مِن وُصولي إلى بيروت قراءتين في مجموعتين شعريّتين للشاعر السوداني محمد الفيتوري والشاعر الفلسطيني أحمد دحبور, أشرتُ إلى ظلال أدونيس على الأولى, وإلى ظلال محمود درويش في مرحلته الأدونيسية وكذلك ظلال ممدوح عدوان على الثانية، الأمر الذي أثار حفيظة الشاعرين فهاجا وماجا غضباً واستنكاراً.

وبحكم عملي محرراً ثقافيا في مجلة الهدف نشرتُ قراءات في عدة مجموعات شعرية لممدوح عدوان وميشال سليمان وسالم جبران وسميرة الشرباتي وعز الدين المناصرة, كانت ردود الفعل ازاءها متناقضة.

وعندما تركتُ "الهدف" سنة 1979 طلبَ مني مدير تحرير السفير آنذاك "بلال الحسن" أن يختار هُوَ لي أسبوعيا كتاباً أقرأه وأكتب عليه لصالح ملحق السفير الثقافي، وكان أول كتاب أقرأه وأكتب عنه لصحيفة السفير هو"الجسد حقيبة سفر" للكاتبة السورية غادة السمّان, فوجّهتُ لآرائها "البورجوازية" نَقداً قاسياً على خلفيّة رؤيتي الماركسيّة – اللينينية للأدب والحياة آنذاك. فقال لي بلال إنها وجّهتْ له لوماً شنيعاً, وأكدتْ له أنها ستتوقف نهائيا عن إهدائه أياً مِن كتبها التي ستصدر لاحقاً.

كما نشرتُ في السياق ذاته "رسالة إلى غسان كنفاني" أشكو فيها حال الثقافة والثورة الفلسطينيتين بعده، وقراءة في رواية "الوطن في العينين" للكاتبة السورية حميدة نعنع، وقراءة أخيرة في مجموعة "أناديك يا ملكي وحبيبي" للشاعر اللبناني محمد علي شمس الدين، وقد أثارتْ قراءتي لمجموعة شمس الدين سجالاً بين رافض ومؤيّد على مدى اسبوعين تقريبا، ونُميَ إليَّ أنّ الشاعر شمس الدين كانَ حاديَ هذا السجال والنافخ على جماره.

وبعد مدّة مِن تركي "الهدف" أيضاً وبطلبٍ "رفاقيٍّ" مِن الرفيق بسام أبو شريف الذي يدرك مكانة غسّان كنفاني عندي, كتبتُ مقالاً ونشرتُهُ في الهدف باسم "حسام ابراهيم" ردّاً على مقال للكاتب الروائي اللبناني "الياس خوري" الذي كان نشرَ مقالاً في مجلة الحريّة الفلسطينيّة أيضاً "يستخفّ" بقيمة أعمال غسان كنفاني السرديّة، ربّما كنتُ فيه قاسياً على "خوري" إلى حدّ السخرية منه أحياناً، وقد أثارَ هذا المقال زوبعةً على صفحات ملحق "السفير" الثقافي بَدأتْ بمقالٍ طويل للناقد الماركسي فيصل دراج يردّ فيه باحتراز على مقالي في "الهدف" منشغلا بمعرفة الهوية الحقيقية لكاتبه "حسام ابراهيم"، ثمّ تلاه الكاتب "غالب هلسا" بمقال أطول عنوانه "حوار الطرشان" أراد فيه تفنيد مقال الحرية ومقال الهدف ومقال درّاج بتعالٍ، فأطفأتُ هذه الزوبعة وختمتُ السجالَ بمقالٍ أطول مِن مقالات الآخرين عنوانه "أعمى بين الطرشان" في إشارة إلى "هلسا", وكشفتُ في هذا المقال عن أنني هو "حسام ابراهيم" صاحب مقال الهدف الذي أثار كلّ هذا الضجيج, مؤكّدا الأفكار التي جاءت في مقالي السابق ومفنّداً ما أورده دراج وهلسا من آراء مضطربة ودفاع إخواني متهافت عن الياس خوري في مقاليهما الاستعراضيّين.

وفي تونس اتّسعتْ قراءاتي النقديّة للأعمال الأدبيّة والفنيّة التونسية والعربية والأجنبيّة وتمخَّضَ ذلكَ كلّه عن أكثر مِن ثمانية كتب في النقد الثقافي الذي يشمل نقد الشعر والسرديّات والمسرح والسينما والفن التشكيلي والموسيقا فضلاً عن نقد النقد الأدبي والدراسات الفكرية، وآخر هذه الكتب، حتى الآن، هو الكتاب الذي أشرْتَ إليهِ في سؤالك.

إلا أنني على الرغمِ مِن ذلك كلّه لا أعدُّ نفسيَ ناقداً مُحترفاً، تماماً كما أنَّ إصداريَ ستّة كتب في الفكر السياسي منذ بدء "مؤامرة الربيع العربي" في سنة 2011، لم يجعلْني أعدّ نفسيَ مُفكّراً أو مُحلِّلاً سياسيّاً كما يروق للبعض خَلْع هذه الصِّفات عليَّ. وهذا ليس تواضُعاً، فأنا أحملُ مَشروعاً وصفةً أعلى، أعني مَشروع الشاعر وصفتَهُ. فلقد كتبتُ خواطري النّقديّةَ وآرائيَ السياسيّةَ إمّا في سياقِ عَمَلي في الصحافةِ الثقافيّة أو بدافِعٍ وَطَنيٍّ بَحْت لمواجهة "تسونامي" الربيع العربي الأسود المتوحّش الذي كَشَفَ عن وَعْيٍ قطيعيٍّ وَسُلُوكٍ ارتِزاقِيّ عندَ النُّخَبِ الثقافيّة والفكريّة والسياسيّة العربيّة. وهنا أستدرك لأشير إلى أنّ قراءاتيَ النقديّة كانت انطباعيّة سجاليّة حجاجيّةً ومقارنة أحياناً، وغير منهجيّة، باستثناء بَعْض فُصول كتابي "فلسطين المبدعة – قراءة في الإبداع الفلسطيني" التي تَقَصَّدْتُ إخضاعَها لِبَعْصِ المناهج النقدية المعاصرة، ولكن أهميّة قراءاتيَ جميعها تكمن تحديداً في أنّها تصدر عن ذائقة نقديّة نشأت مِن وبتراكُمِ قراءاتيَ للأعمال الشعرية والأدبية السردية والنقدية والفكرية ومن مشاهدةِ الأعمال السينمائية والعروض المسرحية و معارض اللوحات والمنحوتات التشكيلية، وسماع الموسيقا والغناء إلخ.

ومِن موقع الشاعر وَمِن كَونيَ قارئاً أيضاً ومُتلقّياً للفنون كافة أرى أنّ الحركة النقديّة العربيّة في حالةِ مَوت سريري.

والسببُ عندي هو القطيعة ليس فقط بين عامّة الناس بل وأيضا بين النُّخَب الثقافية العربيّة مِن جهة، وبين تَلَقِّي الفنون والآداب مِن جهةٍ أخرى، فباتت هذه القطيعة ظاهرة وبائيّة، فالكتب مُكدّسة كبضاعة كاسدة في مُعظَم دُور النشر، وقاعات عرض الأفلام السينمائية والأعمال المسرحية والموسيقيّة واللوحات والمنحوتات التشكيليّة تتناقص إلى أن باتت نادرة، والمنصّات الإعلامية من إذاعة وتلفزيون وأنترنت لا تروِّج غير البضاعة "الثقافية" الاستهلاكية, والبترودولار الخليجي ينتهز هذه الفرصة لتدجين مُنْتِجيّ الآداب والفُنُون وتوظيفهم بالتوجيه أو التخدير لصالح السياسة الإمبريالية الصهيونية التي يخدم أجنداتها ومُخططاتها.

وإذا كانت الجامعات بكليّاتها المُختَصَّة تُدَرِّسُ مَناهِجَ نَقْدِ الآداب والفنون، فهذا ليس شَرْطاً كافياً ولا رئيساً لبُرُوز نقّادٍ ونقْدٍ. فأوَّلُ شَرْطٍ كي تُصبِحَ ناقداً أدبيّاً أو فنِّيَّاً هو مُراكمة تلقِّيكَ الآدابَ والفنون قديمها وحديثها، وهذا التلقِّي الذي يُنَمِّي الذائقةَ النّقديّةَ باتَ ضعيفاً إن لم يكُنْ مَعْدُوماً حتى بين الغالبيّة مِنَ النُّخَب التي يُفْتَرَضُ أنّها تُنْتِجُ الآدابَ والفنون.

إنَّ أعداد الذين يدّعون أنهم شعراء وأدباء وسينمائيون ومسرحيون وتشكيليون وموسيقيون إلخ, في البلدان العربيّة يعدّون عشرات الآلاف, لكنّ دور النشر عاجزة عن بيع ألف نسخة من أي كتاب خلال عام واحد – إن لم يكُن مُدْرجاً في المناهج التعليميّة الرسميّة، والحال ليس أفضل في القاعات شبه الفارغة التي تقترح على الجمهور عروضاً سينمائيّة ومسرحيّة جيدة وجادّة، أمّا الاستثناء المُشين هنا فهو الاكتظاظ في الفضاءات الرحبة التي تقترح عروضا استهلاكية رديئة جماليا ومبتذلة الحمولة. فكيفَ في مُناخٍ كهذا – ناهيكَ عن الانشغال الهستيري بالأنترنت بعد القنوات الفضائيّة وجميعها مضادّة للمعرفة وَمُوَجَّهة لهَدم أسس بناء الوعي ولغسل الأدمغة – كيف ستنشأ ذائقة أدبيّة وفنيّة وتنضج وتفرز نقادا أكفّاء يُواكبون النتاج الإبداعي لِغَرْبَلَتِهِ مِن جهة وإقامةِ جسورٍ بينَ هذا الانتاج وبين المتلقِّين المُفْتَرَضينَ له مِن جهةٍ ثانية. وهذا كلّه لا ينفي وجود الاستثناءاتٍ التي تؤكِّد القاعدة!نزار نيوف

 

 

س6- في الفصل الذي خصصته عن أنطون تشيخوف (سبق ذكره), وبمعزل عن خلطك الأدبي بالسياسي, يلحظ القارئ إنّك تمتدح تجربة ميخائيل غورباتشوف من خلال دوره في تفكك الاتحاد السوفييتي, واصفاً موقفه بالشجاعة! لتؤكّد أن محاولة غورباتشوف ستترك "أصداء إيجابية ليس على بلدان المعسكر الاشتراكي فحسب, بل وعلى قوى التغيير في العالم الثالث خاصّة".. بعد مرور أكثر من عقدين من الزمن على مقالك ذاك, هل ما زلت مؤمناً أنّ غورباتشوف كان شجاعاً؟ وأين ترى الأصداء الايجابية في بلدان المعسكر الاشتراكي (سابقاً).. هل في المجازر التي حصلت خلال تطاحن البوسنة والهرسك؟ أم في ما آلت إليه أفغانستان؟ لنصل إلى راهن قوى التغيير في العالم الثالث وكيف أمست بلدانها وشعوبها؟

 

الجواب:

كما أسلفتُ في إجابة سابقة، كانت نظرتي إلى تجربة الاتحاد السوفياتي والمعسكر الاشتراكي بعامّة نقديّةً وغير مُتفائلة. ذلك أنني كنتُ أتوقَّعُ انهيارَ الاتحاد السوفياتي والمعسكر الاشتراكي الذي سادت البيروقراطيّةُ مُؤسسات دُوَلِهِ فَتَرَهَّلتْ وتآكَلَتْ, كما رَزَحَتْ أحزابُهُ الحاكمة تحت نير الجّمُود الأيديولوجي. وكانت هذه النظرة مِن داخِل الفكر الماركسي لا مِن خارِجِهِ، وتعَمَّقتْ عندي بَعْدَ مُعايَنةِ تجربتيّ بلغاريا ويوغسلافيا حيث توَفَّرتْ لي فرصةُ زيارتهما في سبعيناتِ وثمانيناتِ القرن المُنْصَرِم. إليكَ مَثلاً مقاطِعَ مِن قصيدة "أفق يتكوّر" التي كتبتها في بلغراد يوم 9/6/1987، وهي منشورة في مجلد "الأعمال الشعرية " الصادر في تونس:

"نادِلٌ تيتويٌّ ينادمني

..........ناصريٌّ ينادمني

أراجيفُ غاندي

نجمَةٌ مِن دَمٍ / مِن صِباغِ الشّفاهِ، على

قُبّعاتِ الجنودِ

ارتقوا سُلَّماً لا عُلُوَّ لَهُ..

دَخَلُوا نَفَقاً

واستكانوا لَهُ".

آو:

"الرطوبةُ في العَيْنِ والقَلْبْ.

والعِناقُ المُخاطِيُّ حُبّْ.

والحضارةُ سروالُ جينْزٍ وويسْكي.

ولينينُ ترْكي.

والحجارةُ تحكي وتبكي".

أو:

"مَرَّتْ امرأةٌ

-بطنُها قبّةُ اللجنةِ المركزيّةِ

إذ جَلَسَتْ فَوْقَ كُرسيِّها

بينَ طاوِلَتَيْنِ بعاهرتين وَعَسْكَر...

أُفُقٌ يَتَكَوَّرْ...

أيُّ جيلٍ سيأتي

إذَنْ!؟

هللوا يا"!

ولذلكَ كُنْتُ مِنَ المُعَوِّلين على يقظةٍ مِن داخِلِ هذهِ الدُّوَل والأحزاب الشيوعية أو الاشتراكيّة الحاكمة فيها، فتُصَحِّحُ أحوالَها وَتُجَدِّدُ بُناها وعلاقاتِها بمَحكُومِيها, وَتُحَسِّنُ نَمَطَ حياتِهِم اليوميّة نحو المزيد من الرفاهية ورغد العيش, وتعمِّق إحساسهم بالعدالة والحريّة, وتستكمل لهم شروط الإبداع في المجالات كافّة. وهذا هدفٌ أسمى لكُلِّ فكْرٍ إنسانيّ. وكذلك تُنَشِّطُ الصراعَ مع المعسكر الإمبريالي والرجعي وتدعم بقوَّةٍ وفعاليّة وأساليب ناجِعة الشُّعُوبَ والقوى المناهِضَةَ للإمبرياليّة والصهيونيَّةِ والرجعيّةِ في العالم.

على هذه الخلفيّةِ كُنْتُ مِن مُعَلِّقِيِّ الآمال على "الرفيق؟" ميخائيل غورباتشوف وما تَوَهَّمْتُ آنذاكَ أنَّه يُمَثِّلُهُ، لكنَّ الذي فاتَني وغفلْتُ عنهُ هُوَ دَور الصراع الاستخباراتي في هذا الانهيار، ذلكَ أنَّ المعسكر الاشتراكي في أوربا الشرقيّة والاتحاد السوفياتي انهارا في ظلّ البيروقراطيّة والجمود العقائديّ وترهُّل السلطات والأحزاب الحاكمة، وجميعها أسباب موضوعيّة حسمت الصراعٍ الاستخباراتيٍّ الخَفيّ الذي كانَ قائماً خلال الحرب الباردة لصالح استخبارات الإمبرياليّةِ الأمريكيّة ومصالحِهِا، وكانت شعوب الاتحاد السوفياتي و أوربا الشرقية ضحايا هذا الانهيار الذي مِن تداعياتِهِ المجازر التي أشرْتَ إليها في البوسنة والهرسك وأفغانستان والعراق وغيرها، بل كانَ الشعبُ الروسيّ ذاته مِن بين ضحايا هذا الانهيار خاصة في ظلّ حكم "يلتسين".

وقد تَنَبَّه الرفيق "فلاديمير بوتين" الذي كانَ مِن المتحمّسين لغورباتشوف باحتراز، إلى ذلك، وأعادَ مع فريقٍ مِن رفاقِهِ المخلصينَ لروسيا النَّظَرَ في كُلِّ شيء على مستوى الدولة والأيديولوجيا ورغبات الشعب وحاجاته، وكُنْتُ شخصيّاً مِن بين أوَّلِ المُراهنين وفي وقتٍ مُبكّر على بوتين وبرنامجه لاستعادة روسيا دورها التاريخي في زمن الاتحاد السوفياتي وقبله كعنصر توازن فاعل في السياسة الدولية, وكتبت مقالا بعنوان "فلاديمير بوتين يمنح العرب فرصةً للتحرًّر" نشرته في صحيفة "الوحدة" التونسية في شهر أيار 2005، وأعدتُ نشره في الجزء الأخير المعنون "قراءات استشرافية في الوضع الدولي" من كتابي "سوريا التي غيّرتْ وجه العالم" الذي صدر عن دار نقوش عربية بتونس سنة 2013.

يتبع

 رابط الجزء الثاني: http://www.fenks.co/حوارات/4828-لا-يُمكِنُ-لأيِّ-مُجْتَمَع-أن-يتقدَّمَ-إذا-بقي-سؤالُ-المرأة-فيهِ-مُعضِلةً.html