أمين الحافظ من الظل إلى الواجهة

سامر الموسى:

يقول مصطفى رام حمداني في كتابه شاهد على أحداث سورية وعربية أن اللواء عفيف البزري رئيس الأركان العامة خيره بين أن يكون مديرا للكلية الحربية أو قائد اللواء السادس على الجبهة السورية وأنه اختار قطاع الجبهة، بينما ذهبت قيادة الكلية الحربية إلى المقدم أمين الحافظ الذي كان عضوا في مجلس القيادة الذي شكله اللواء البزري.
سوى هذا لم نسمع أن امين الحافظ كان له هذا الدور المهم قبل انقلاب البعث في آذار 63، لكن هذا كان كافيا ليتعرف امين الحافظ على كثير من الضباط الذين شاركوا فيما بعد في ذلك الانقلاب بحكم كونه مديرا للكلية الحربية.
لم يعرف عن أمين الحافظ أي انتماء حزبي سوى قربه من تيار أكرم الحوراني أيام الانقلاب على الشيشكلي عام 1954 وهو يومها كان قائد موقع درعا.
مع قدوم عهد الوحدة رفع امين الحافظ إلى رتبة عميد وسمي حاكما لمنطقة الجزيرة، وأثناء الانفصال أُرسل الحافظ إلى الارجنتين ملحقاً عسكرياً إلى أن استدعي وزيرا للداخلية في حكومة صلاح البيطار الأولى في 9 آذار 63 بعد قيام البعث بانقلابه.
ذهب المجلس الوطني لقيادة الثورة إلى القاهرة لمباحثات الوحدة الثلاثية وبقي أمين الحافظ يقمع المظاهرات المؤبدة لعبد الناصر، وعندما فشلت هذه المباحثات استقالت حكومة البيطار نتيجة استقالة الوزراء الناصريين، فشكل البيطار حكومته الثانية حيث رقي أمين الحافظ إلى نائب رئيس الوزراء. لكن الحدث الأبرز في مسيرة الحافظ كان بعد حركة جاسم علوان الفاشلة في تموز 1963 واستقالة الفريق لؤي الأتاسي من مجلس قيادة الثورة ورئاسة الدولة، فعمدت اللجنة العسكرية إلى جلب امين الحافظ رئيسا لمجلس قيادة الثورة، ويقول محمد حيدر في كتابه (البعث والبينونة الكبرى) أن اللجنة العسكرية جلبت أمين الحافظ ل الأسباب التالية:
-منافسة محمد عمران على الزعامة
-الاطلال من خلاله على جماعة أكرم الحوراني
-التواصل مع سكان المدن من تجار وحرفيين ورجال دين، لكن الأهم هو إيجاد الواجهة داخليا وخارجيا للجنة العسكرية وأعضائها في الجيش والأمن والحزب.
جاءت إزاحة اللواء زياد الحريري من رئاسة أركان القوات المسلحة لتعطي الفرصة لأمين الحافظ أن يصبح القائد العام للقوات المسلحة بعد تعيين اللواء صلاح جديد رئيسا للأركان.
في تشرين الأول 1963 عقد المؤتمر القومي السادس للحزب وتمت إزاحة صلاح البيطار من القيادة القومية، لكن الأهم كان إزاحة خصم الحافظ القوي اللواء محمد عمران من القيادة القومية ودخول امين الحافظ واللواء صلاح جديد رجل اللجنة العسكرية القوي إلى القيادة القومية.
بسقوط البيطار في المؤتمر القومي السادس أُزيح من رئاسة الحكومة في ليشكل اللواء أمين الحافظ حكومته الأولى في تشرين الثاني 1963 وأصبح يجمع إضافة إلى رئاسة الحكومة رئاسة الدولة ومجلس قيادة الثورة والقيادة العامة للقوات المسلحة. ومع انعقاد اجتماع للمؤتمر القطري في شباط 1964 تم انتخاب قيادة قطرية جديدة كان فيها امين الحافظ الأمين القطري فجمع بين يديه كافة المناصب السياسية والعسكرية والحزبية.
 
أدت أحداث حماه في نيسان 64 إلى تكليف صلاح البيطار بتشكيل حكومته الثالثة، فعمد أمين الحافظ إلى التقرب من أكرم الحوراني نكاية بالبيطار والقيادة القومية. ويقول منصور الأطرش عضو مجلس الرئاسة الذي كان برئاسة أمين الحافظ وعضوية البيطار ومحمد عمران ونور الدين الأتاسي أن امين الحافظ كان رجل اللواء صلاح جديد داخل مجلس الرئاسة وأنه كان يدعوه لحضور الجلسات رغم أنه لم يكن عضوا فيه، ونجح في النهاية في إقالة حكومة البيطار نتيجة نفوذه داخل مجلس قيادة الثورة.
كلفت القيادة القطرية مجددا أمين الحافظ بتشكيل الحكومة في تشرين الأول 1964، لكن ازدياد الخلاف بين محمد عمران واللجنة العسكرية ونتيجة اتفاق بين اللواء جديد وأمين الحافظ تم ابعاد اللواء محمد عمران إلى إسبانيا في ديسمبر 1964، وبدا وكأن أمين الحافظ قد تربع على عرش الزعامة الوهمية فأصدر قرارا بترفيع المقدم الجوي حافظ الأسد إلى رتبة لواء وتعيينه قائداً للقوى الجوية والدفاع الجوي، لتبدأ مرحلة جديدة من الصراع داخل الحزب واللجنة العسكرية.
 
المواجهة
 
بعد التخلص من محمد عمران بالغ آمين الحافظ في إظهار نفسه ممسكا بكل مقاليد الأمور، بينما الواقع غير ذلك مما تسبب في خديعة الناس الذين التفوا حوله، حيث كانت اللجنة العسكرية صاحبة الكلمة الفصل الأولى والأخيرة. وكانت الصلاحيات الكبيرة المعطاة لأمين الحافظ أحد أوجه الخلاف بين أعضاء اللجنة العسكرية أنفسهم.
بدأ الخلاف يكبر بين أمين الحافظ واللجنة العسكرية عندما أمر الحافظ بإطلاق سراح أكرم الحوراني من الاقامة الجبرية، ومع مرور الزمن أحست اللجنة العسكرية واللواء جديد بالذات بقوة أمين الحافظ داخل الحزب حيث تم انتخاب قيادة قطرية جديدة بعد توسيعها تم توزيع المناصب فيها مناصفة بين جديد وأمين الحافظ.
ويقول الوزير السابق وعضو القيادة القطرية مروان حبش انه أتفق في جلسة للقيادة القطرية أن يترك أمين الحافظ وصلاح جديد مناصبهم العسكرية، فتم اختيار محمد شتيوي رئيساً للأركان لكن فاقد الدسم مع تعديل قانون الجيش في اب 1965 حيث أصبح وزير الدفاع هو القائد العام للقوات المسلحة على طريقة الدول الاشتراكية، وتم اختيار عضو القيادة القطرية حمد عبيد وزيرا للدفاع وفق معايير وضعتها القيادة القطرية.
بعد أن كان أمين الحافظ هبة الله للحزب والثورة بدأ مجلس القيادة القطرية ينتقد تصرفات أمين الحافظ بالتقرب إلى القيادة القومية وجمال عبد الناصر ويصفه بصديق الرجعيين.
انتهزت اللجنة العسكرية سفر أمين الحافظ إلى الرباط فعزلته من رئاسة الحكومة وجلبت أحد أكثر أعضاء القيادة القطرية تقربا منها يوسف زعين وعينته في 23 أيلول رئيسا للحكومة، مسندة وزارة الدفاع إلى حمد عبيد أحد أعضاء اللجنة العسكرية بصلاحياته الجديدة، فتقلص نفوذ امين الحافظ داخل الحزب والدولة واشتدت قبضة اللجنة العسكرية على السلطة.
لم يقف الحافظ موقف المتفرج بل رد بالتحالف مع القيادة القومية وحاول إعادة بعض ضباط الحوراني المسرحين إلى الجيش، فردت حكومة يوسف زعين بإلقاء القبض على أكرم الحوراني وأنصاره وايداعهم سجن المزة العسكري في 20 تشرين الأول 1965، وبلغ التوتر أشده داخل القيادة القومية عندما اتهم أمين الحافظ الرائد سليم حاطوم بالتأمر على الحزب والثورة، كما أقدم المقدم مصطفى طلاس على اعتقال المقدم صلاح نمور قائد اللواء المدرع الخامس في حمص بأمر من اللواء صلاح جديد.
أثارت خطوة جديد طلاس غضب القيادة القومية، فدعت إلى مؤتمر قومي قررت فيه حل القيادة القطرية وإقالة حكومة زعين وتكليف صلاح البيطار تشكيل الحكومة مجددا، والمفارقة أن أمين الحافظ استدعي خصمه القديم محمد عمران و أسند إليه وزارة الدفاع مع صلاحيات القائد العام.
كانت اللجنة العسكرية أقوى داخل القوات المسلحة من أمين الحافظ والقيادة القومية، ويتمتع أعضاء اللجنة بدعم ألوية وكتائب القوات المسلحة، وقبل أن ينقلب السحر على الساحر ضربت ضربتها في 23 شباط 1966، فحاصرت مغاوير سليم حاطوم مع اللواء 70 قصر الضيافة ومنزل الفريق أمين الحافظ ومبنى القيادة القومية حيث جرى قتال عنيف انتهى إلى اعتقال الحافظ وأعضاء القيادة القومية لينتهي عهد أمين الحافظ كما بدأ بالعنف والدماء.
 
صورة لرئيس مجلس الرئاسة أمين الحافظ واللواء محمد عمران نائب رئيس مجلس الوزراء مع جمال عبد الناصر في القاهرة في أيلول 1964 ويبدو وزير الخارجية حسان مريود يسار عبد الناصر.