من وحي التّطبيع (العربيّ - الإسرائيليّ) الأخير
كتب الدكتور بهجت سليمان:
[ عجز الأيديولوجيا العربيّة – الإسلاميّة عن مواكبة لغة الحداثة ]
1▪︎ لسنا ممّن يُحاجج بواحديّة الأثر النّاجم عن الحدث التّاريخيّ. و هذا شأنٌ كان أن قد أسّسه ، جرياً على ( بليخانوف ) ، في ما جرى و أُنجِزَ في ما عرف بالمادّيّة التّاريخيّة المتطوّرة أو " الماركسيّة الغربيّة " مع ( كارل كورش ) و ( جورج لوكاتش ) ، و في التّطوّرات النّقديّة المحايثة لنظريّة " مدرسة فرانكفورت النّقديّة " في تحليل البنى الواقعيّة على شاقول و إحداثيّات المادّيّة التّاريخيّة ، و نقد الأيديولوجيا ، بشكل رئيسيّ.
و على العكس ، و مع اتّجاهات المدرسة الفلسفيّة السّياسيّة النّقديّة "الألمانيّة" المعاصرة ، فإنّنا ننظر إلى التّطوّرات السّياسيّة الأخيرة في التّطبيع الأخير من التّطبيعات العربيّة الإسلاميّة الجارية مع ( "إسرائيل" ) ، في أقلّ من نصف قرن ، على أنّه تطبيع يتجاوز مجرّد " الإعلان" عن واقعة ، و هو على خلاف ما قد يبدو أنّنا نعتقده من خلال ما قد يبدو علينا من حديث ، و لكنّه بالمطلق من التّأكيد على أنّه ، وعلى خلاف مع النّظرة التّحليليّة السّاذجة التي اعتمدها الخطاب الإعلاميّ المحلّيّ و الإقليميّ المحكوم بالجزئيّة و الانعزاليّة و المزايدة و العمى السّياسيّ ، إنّما يُعدّ هذا " الحدث" السّياقيّ عملاً تأسيسيّاً مُضافاً في سلسلة الإنكار التّاريخيّ و الجينالوجيّ للعروبة و الإسلام ، و قد لاقى له شرعيّة معاصرة بدعم من مُحايثي الإنسانيّة.. و أصناف الأفراد و الشّعوب و الدّول و القوى الذين انتظموا اليومَ في خطاب إمبرياليّ متعدّد الأطراف و الدّول و القوى العالميّة بتنسيق عالي الأداء من أجل الإحكام على هذه المنطقة إحكاماً نهائيّاً يكاد ، يمتدّ زمانه حتّى يغيب من أفق الوعود و المواعيد و التّحليلات و النّظريّات..
كما يُعدّ في الوقت نفسه عودة بالأقدار السّياسيّة إلى طقوس و احتفاليّات التّأسيس الذي وُجِّهت و تُوَجَّهُ نحو إفراغ طاقة المشروع العربيّ الإسلاميّ المحمّديّ الثّوريّ في حينه ، و الذي شكّل نسقيّاً في ما بعد ظاهرة كابوسيّة على المكان كنسقٍ ثقافيّ و سياسيّ و ماليّ و استثماريّ و أخلاقيّ فجائعيّ و متواطئ و قَبَليّ و عميل.
2▪︎ شكّل الإعلانُ عن اتّفاق التّطبيع الإماراتيّ- "الإسرائيليّ" ، مؤخّراً ، مفاجأة لكلّ شاردٍ عن السّياسات الدّائرة رحاها في معترك التّحوّلات التّاريخيّة التي تشهدها منطقة "الشّرق الأوسط" عموماً ، و منطقتنا العربيّة المشرقيّة و محيطها الإقليميّ بشكل خاصّ.
لقد كان من الميول التّاريخيّة "الواقعيّة" أن تُدهِشَ تلك التّحوّلات الكثيرين ، بينما كانت تلك التّحوّلات تتراكم بهدوء و وضوح في ظلّ انقلابات التّاريخ و الثّقافة و الجغرافيا و السّياسات التي ترتّبت على "إنجازات" الحرب الوعرة التي بدأت مع مطلع العقد الأخير من قرننا الحافل بالمتغيّرات ، التي ضربت كثيراً من توقّعات الحالمين و صبيان السّياسة و الأيديولوجيات الذّرائعيّة و النّفعيّة ذات الآفاق المحدودة و الآمال التي لا تمتّ إلى عالم السّياسة اليوم بصلة أو رابطة منطقيّة ، في تأويل و تفسير الأحداث التي بدأت عصفها بجدّيّة غير مسبوقة منذ احتلال العراق و حرب تمّوز و الحرب على سورية ، بما حملته و تحمله تلك الحروب الكارثيّة على منطقتنا و على مستقبل نتائج هذه الحرب ، التي دحرت نهائيّاً توقّعات الرّاغبين.
و إذا كان المنطق يتحدّد في الفكر بعالم المجرّدات الذي يختزل الوقائع الحيّة إلى نسق آخر ، غامض ، من الأفكار ، إلّا أنّ الممارسات المتواترة في شكلها الذي يصعب ترويضه و ضمّه إلى حظيرة المنطق الملموس ، فاقت في مرجعيّاتها اكتشافات المنطق السّياسيّ الحصريّ الذي بدا مدحوراً أمام الانقلابات التي تشهدها المنظومات التّقليديّة في شكلها المحفوظ منذ أوائل القرن العشرين الميلاديّ ، ناجحاً في قلب المفاهيم السّياسيّة المركون إليها حتّى حينه ، مدمّراً نسقَ الأيديولوجيا العربيّة الإسلاميّة المشرقيّة و قد تلقّى و يتلقّى صفعات سياسيّة و ثقافيّة متواليّة منذ أوّل بدايات هذا العقد الأخير.
3▪︎ لم تُنقذ ، حتّى الآن ، تفاصيل الخطاب الأيديولوجيّ "التّحرّريّ" الراهن في منطقتنا منذ عقود طويلة ، مشروع المشرق العربيّ من حصاره المعاصر المنظّم من براثن غزارة تنوّعات وسائل و أدوات الإمبرياليّات المعاصرة المختلفة المرتبطة بعملائها المحلّيين و الإقليميين.. ومرفقاً بانخراط المنافقين من شتّى صنوف المرجعيّات و المصادر العربيّة و الإسلاميّة التي ترى في السّياسة احتكاراً و استثماراً من أجل تحقيق مطامح سياسيّة شخصيّة و فرديّة و جماعيّة مشبوهة و تآمريّة ، و تأويلاً تاريخيّاً منافقاً للسّياسة و المواجهة المزعومة التي ارتدت في كثير من طيّاتها مشاريع واضحة و وقحة و لا أخلاقيّة و غبيّة ، على تذاكيها السّياسيّ الباهت و المستهتر و المحدود ، من أجل حرف طاقات و مسارات اهتمامات و طرائق تفكير و انشغالات البشر و تحويلهم إلى أصناف من المدحورين أمام نفاقات السّياسات الرّسميّة العربيّة ، التي طوّرتها تلك السّياسات التي احتقرت و تحتقر إلى درجة التّلقائيّة الثّقافيّة الدّينيّة و العقائديّة المشبوهة ، جميع طموحات المنخرطين في آمال الوجود الذي صار محكوكاً على نحو مباشر بوقاحات المآلات.
و في الأثناء ازدهرت و تزدهر المشاريع الرّافدة للسّياسات المناوئة للتّقدّم و التّنمية و التّحرير ، و التي تتنكّبها و تعتمدها قوى و جماعات و دول مأجورة استطاعت حتّى الآن تسويق نفسها.. على أنّها بديلٌ تاريخيّ لانسداد آفاق العبور نحو الجهة الأخرى من الأوطان المنكوبة حيث الأمل بواقع و مستقبل انعتاقيين.
4▪︎ في هذا النّمط التّاريخيّ الهجين الذي خلط فيه السّاسة و السّياسيون و المنظّرون الإعلاميون و المحلّلون المشبوهون أوراقه في وظيفيّة تاريخيّة واطئة و مدروسة بعناية كافية لتضليل البسطاء ؛ و هو أمرٌ يسيرٌ على أولئك ؛ استطاع الإعلام السّياسيّ المحلّيّ و الإقليميّ ، في كثير من الأحيان ، عزل ثقافة المواطنة عن المشاركة في التّفكير عن طريق تدمير جميع وسائل الاستشعار الممكنة التي تتمتّع بها الشّعوب بتعقيمها التّاريخيّ و المطلبيّ ، و ضرب معظم أنواع و أشكال المشاركات الاجتماعيّة بالمساهمة في تقرير المصير.
لقد أصبح مصير الشّعوب و المجتمعات العربيّة رهناً بانسحاقات سياسيّة إعلاميّة بضجيج من المزايدات و بكثير من الإيهام و التّضليل الكفيل بإلغاء الكثير من طاقة الشّعوب و قوى التّحرّر التّاريخيّ فيها ، لإنهاء واقع احتساب الشّعوب من جملة العوامل الواقعيّة و الثّوابت أو المتغيّرات التي تملي في الممارسة و الثّقافة فروضها على الطّبقات السّياسيّة الحاكمة و الفئات المثقّفة ، و تلجمها في حفلة إمعان في احتقار مصائر الشّعوب الذي يكمن في أساس ممارسات معظم الحاكمين و السّاسة و المحلّلين و المثقّفين.
5▪︎ في أحد تعبيرات الحداثة كانت الحروب النّابليونيّة إحدى أهمّ ممارسات تدشين الحداثة التي جاءت مع الثّورة البورجوازيّة الفرنسيّة . و قد يبدو أن تاريخ الحداثة الذي انطبع بهذا الامتداد العنفيّ المباشر ما يزال ينسج التّاريخ على منواله منذ أكثر من قرنين من الزّمان.
و بالقدر الذي كانت فيه أهداف تلك الاندياحات الاحتفاليّة القويّة و العنيفة واضحة في العصر الحديث بالنّسبة إلى القوى صاحبة المصلحة في تطوير السّياسات الكولونياليّة المباشرة ، التي دشّنها شعور التّفوّق الغربيّ المتفاقم على بقيّة أصقاع الأرض و بخاصّة منها على منطقة "الشّرق الأوسط" ، هذا المفتاح الحيويّ لربط الجغرافيا بالسّياسات و المشاريع ؛ فإنّه و بالقدر نفسه عملت قوى الهيمنة العالميّة على زرع روح الانزواء التّاريخيّ في تفاصيل يوميّة ازدادت بازدياد الحرمان و الجهل و التّجهيل المطبّق على أدمغة و وعي شعوب منطقتنا منذ حملة ( نابليون ) على ( مصر ) و ( الشّام ) ( 1798م ) و انتشار الطّباعة و تمرير المشاريع الخيانيّة المحلّيّة التي ارتبطت زوراً بالإسلام بشكل أساسيّ.
بدأ مع هذه المرحلة إدخال الوعي العربيّ في تفاصيل تجانب الحقائق الوقائعيّة و تقدّمها بشكلها الجزئيّ و التّجزيئيّ في تفاصيل تشتيتيّة موجعة.. والدّخول في التّصنيفات و التّقويمات، و إشغال الوعي العربيّ بأوهام النّضال المزيّف و الذي استمرّ إلى هذه اللحظة ، و توجيه و ربط الاهتمامات التّاريخيّة بهزالات المقاومات اليوميّة ضدّ العوز العصريّ و الحضاريّ الشّامل ، و إعمال أهمّيّات تافهة متعلّقة بالعقَديّات الدّينيّة و الأيديولوجيّات السّياسيّة الأخرى الفارغة ، من قبل طبقة أو طبقات سياسيّة وظيفيّة و مأجورة بعضها على مستوى دول في "المنطقة" ، و التي استطاعت في تراكماتها العنجهيّة و العنيفة أن تؤسّس لمرحلة معاصرة تقوم في جوهرها على تشكيلة من الأفكار و المصالح ، التي أثبتت "نجاعتها" الكارثيّة و المأساوية على حاضر و مستقبل منطقتنا البائسة في دائرة من العجز و الخوف و العبوديّة التي طُبّقت على الشّعوب..
و غير ذلك، أيضاً ؛ هو من أهمّ ما أسّس لهذه الصّيغة المعاصرة من الخطاب السّياسيّ العربيّ الإسلاميّ المتوافق مع اختزال الواقع العربيّ إلى رهينة من رهائن خدمة المشروع الصّهيونيّ العالميّ في "المكان".
6▪︎ حصل الاختراق التّاريخيّ لمنطقتنا العربيّة المشرقيّة ، إذاً، في جوار "إسرائيل" و مشروعها العالميّ ، منذ عهد مبكّر يعود إلى بدايات القرن التّاسع عشر الميلاديّ ، و قد استمرّ بوتائر مطّردة حتّى أخذ شكله المعاصر الصّريح في تجاهل مطلق للحرّيّات الحضاريّة الذي طُبّق على أصول القوى التّحرّريّة و جذورها في المنطقة ، إلى أن بدت التّطوّرات الّلاحقة للمشروع الإمبرياليّ – الرّجعيّ العربيّ الإسلاميّ ، بحيث أنّ معظم ما يبدو من مفاجآت اليوم في ترتيب مشاريع التّطبيع المتلاحقة بزخم الأحقاد الوضيعة المتبادلة ما بين جميع الأطراف.. إن هو إلّا إشهار و إعلان لاتّجاهات الحداثة الغربيّة ، و ما بعدها ، و المصمّمة من أجل الخنق المتزايد لمنطقتنا أمام المشروع الصّهيونيّ العالميّ بحلله المتبدّلة و المغسولة و المنظّفة باستمرار على إيقاع تحجّم الوعي العربيّ المتضائل و الذي يتراجع اليوم كما تشير إليه كلّ المؤشّرات.
7▪︎ ليس ما يحصل و ما قد حصل مؤخّراً من إشهار للهزائم العربيّة الإسلاميّة المتوالية في إطار " الحداثة " العالميّة ، بتطبيع القرن الواحد و العشرين الميلاديّ ، مع الكيان " الإسرائيليّ" ، هذا " التّطبيع " الوجوديّ التّاريخيّ الفظيع ، سوى تسمية الوقائع بإسمها الذي كانت تخجل عنه ، إلى حين ، قوى و مشاريع التّزييف الأيديولوجيّة و السّياسيّة العربيّة و الإسلاميّة ، و هو إلى ذلك لم " يُفاجئ".. سوى الخادعين أنفسهم بواسطة مزاعم بقايا النّظام العربيّ الرّسميّ و زبانيته و متواطئيه من أنصار أو معارضات الثّقافة و السّياسة و المال الرّجعيّ العربيّ و مشاريع "الخلافات" الإمبراطوريّة الدّينيّة و المرجعيّات و الهويّات الجامعة الإسلاميّة و منظريها البائسين !
8▪︎ و فيما اجتاحتنا حداثةُ الآخر أبقتنا كشعوب و دول و مجتمعات ركيكة على ارتدادات للصّدمة الحضاريّة الوافدة الجديدة ، كانت عباراتها المباشرة أن تمثّلت في إرجاعنا و إعادتنا إلى تفاصيل الجاهليّة الأولى في الإسلام و الجاهليّة الثّانية في العروبة القبليّة في صدر الإسلام و ذلك حتّى الجاهليّات المتوالية ، الشّعوبيّة و منتجات الصّليبيّة.. و العثمانيّة إلى آخر تلك الارتدادت الصّدميّة المعاصرة ، التي انقشعت في أقبح أشكالها المعاصرة في السّلفيّة الدّينيّة و الأخونجيّة و الوهابيّة و تمظهراتها في الإرهاب.
استطاعت الحداثة بمغرياتها للمأجورين ، و هم كثرة اجتماعيّة و سّياسيّة ورجعيّة دينيّة ، أنْ تدحر مجتمعاتنا في الوعي و في اللاوعي إلى هامش الغرق في تفاصيل مشاريع الآخرين فيما كان اعتقاد الأغلبيّة بيننا ، أنّنا ندخل فعلاً عصر الحداثة العالميّة ، بينما كنّا نصنع من أنفسنا وقوداً لحداثات العالم المعاصر ، التي ترتّبتْ ببساطة حولنا على هزالاتنا القوميّة و الدّينيّة و الأخلاقيّة السّياسيّة ، أو السّياسات اللاأخلاقيّة ، التي صنعتنا في العبوديّة المزمنة للمنظومات و النّظم و النّظريّة و الممارسة ، و كذلك في الخنوع و الإذعان.
قامت هذه التّفاصيل المُغرقة في العمى و التّخلّف و اللؤم و الحقد و التّشرذم و الانغلاق ، مقامَ حداثات الآخرين و قد تطوّرت إلى عصر الإمبرياليّة و النيوليبيراليّة الذي لم يعصف بالمنطقة كما يعصف اليوم.
9▪︎ ما يُثبته واقعنا العربيّ الإسلاميّ اليوم و أكثر من أيّ وقت آخر ، إنّما هو نضوج التّواطؤ التّاريخيّ للأيديولوجيا " العربيّة - الإسلاميّة " المنافقة في شكله الصّريح الذي كان في تعمّل حتّى هذا الحين.
لقد أُغرقت الشّعوب العربيّة ذات المرجعيّات الثّقافيّة الدّينيّة الهزيلة في لوثة تاريخيّة مديدة من لوثات التّفاصيل التي حيّدت في غمارها كلّ رؤية نقديّة ، كانت من احتمالات مشاريع قادة الرّأي النّقديّ القوميّ و مفكّري الحداثة و ما بعد الحداثة في المنطقة العربيّة المشرقيّة ، و أجهزت على لغة الانتماء الوطنيّ إلى منجزات الحداثة العالميّة بشكل أساسيّ و جعلت من شعوب المنطقة ملحقات تابعة و ذيليّة لثقافة الإعلام الأيديولوجيّ الرّجعيّ ، الذي قام مقام مشاعر التّحرّر و نظم التّقدّم و منظومات التّطوير.
ساهم في ذلك بذاءة النّظام العربيّ الرّسميّ في اعتياشه على عواطف الشّعوب العربيّة و إيهامها ببعض شعارات الحرّيّة و العدالة و التّنمية و الحرّيّة و التّحرير ، و ساهمت في ذلك ، بطبيعة الحال ، مآثر " الثّقافة " العميلة بقدر ما ساهمت في ذلك مآثر " السّياسة " الأنانيّة و الخانعة و الذّليلة.
و في هذا التّعاضد التّاريخيّ المشبوه بين الضّحيّة و الجلّاد استحال الجميع إلى تشخيص مُقرف للخطيئة السّياسيّة التّاريخيّة التي كانت أن استهلكت لها ، أوّل ما استهلكت ، طموحات البشر الإنسانيّة في هذه البقعة المنكوبة ب " السّياسة " و " الثّقافة " في هذه البقعة من العالم المتوتّر بالمشاريع و المخطّطات في مركزه المحرّك في أتون بؤرة القوّة و العنف ، التي تولّت توزيع المظالم على هامشه أو هوامشه التي تعجّ بالأحلام و الآلام البشريّة التي ليس لها شِفاء.
10▪︎ في حديث قديم لنا كنّا قد تواصلنا فيه مع قرّائنا الأعزّاء طرحنا مسألة لم يعرها كثيرون الانتباه اللازم ، و هي أنّ من أولويّات ("إسرائيل") المعاصرة ، في إطار تطوير أدواتها السّياسيّة التّاريخيّة ، أنّها تعمل على أن تجعل من " أمنها القوميّ" جزءاً من الأمن القوميّ " العربيّ " ، لتتجاوز في ذلك عزلتها الدّيموغرافيّة ، و تتجنّب الأعمال الاستئصاليّة "الاحتماليّة".. المنفردة عربيّاً ، التي ربّما هي من ضمن قائمة الوقائيّات "الإسرائيليّة" لضمان مستقبل دائم و عضويّ في جسد المكان.
و لم نطوّر هذا " المفهوم " السّياسيّ ، حتّى الآن ، نظراً لعدم الاستجابة المفهوميّة له ، أو المحفوف بالفهم المحدود و المُتجاهل و السّريع. و ها هي اليوم ("إسرائيل") تصل إلى تعضٍّ سياسيّ و تاريخيّ لا رجعة عنه مع النّظام العربيّ الرّسميّ بما هو قائم على قائمة تدحرجات التّطبيع و توسيع دائرة علاقاتها مع الدّول العربيّة بالتّتالي و التّرتيب.
11▪︎ لا ينفع و لن ينفع بعد كلّ هذه التّطوّرات الجارية في المحيط "الإسرائيليّ" ذلك الخطاب المتصلّب على خياناته و أعلامه المشكوك في وطنيّتهم و قوميّتهم و الخادمين لأساليب التّثقيف المضلّل و حرف الانتباه عن الحقائق و نتائجها على الأرض و في الوعي ، و الذي أصبح مجرّد خطاب للاستهلاك الإعلاميّ المؤقّت و العابر و المسموم.
لقد أثبتت اليوم المشاريع التّبويقيّة السّياسيّة أنّها عبارة عن إلهاء للوعي الوطنيّ إزاء ما يتنامى في كلّ لحظة من تهديدات وطنيّة و قوميّة بحقّ حاضر و مستقبل المشروع العربيّ التّحرّريّ ، و مستقبل الاندماج الوطنيّ في مشروع العالم السّياسيّ.
و أن نعيش في هذا العالم يعني أن نتحمّل نصيبنا من إنجازه و تطويره في وسط من العدالة التي تمنحنا طاقة الوجود أوّلاً و من ثمّ طاقة المشاركة و تبادل الحضور.
12▪︎ تثبت الأحداث الأخيرة ، بل و تعزّز قناعة ، أنّنا قد وصلنا إلى آخر نتائج الاختبارات الحضاريّة في وجودنا التّاريخيّ ، و أنّه قد حان الوقت من أجل طرح الأسئلة المسكوت عليها حتّى الآن و المتعلّقة بمدى و كفاية فهمنا الثّقافيّ و السّياسيّ لتركيبة المحيط العربيّ المشرقيّ ، التي أثبتت و تثبت غزارة مكنوناتها من المفاجآت المتناسبة مع الهروب المحدّد من تلبية مطالب أسئلة لم نجرؤ بعد على طرحها أو إثارتها في مناسباتها الخاصّة.
تتعلّق هذه الأسئلة أساساً بجذريّات قلقة و خائفة و مخيفة تبعاً لعلاقتها مع الأطراف الاجتماعيّة و الثّقافيّة و السّياسيّة و بخاصّة في الدّول العربيّة القليلة ذات الأنظمة الوطنيّة المؤهّلة لخوض صراع الدّفاع عن الوجود.
و يستتر وراء هذه الأسئلة تساؤلات أوّليّة ينبغي أن تكون حاسمة في أجوبتها السّريعة التي لم تعد تحتمل التّأخير أو التّأجيل.
○ هل نرتقي بأنفسنا إلى مستوى القدرة على أن نحمل على عاتقنا قضيّتنا العربيّة العادلة؟
○ هل نعرف كيف نقوم بتوصيفها بعيداً عن الاجترارات الأيديولوجيّة التي أثبتت قدرة الكثيرين على "تنكّبها" و خيانتها في وقت واحد؟
○ هل لنا أن نتجاوز ثرثرات الشّرح التي لا طائل وراءها و العبور نحو نُظم معاصِرة من إدارة المعطيات؟
○ هل هنالك الكثير ممن يؤمن فعلاً – لا قولاً فارغاً – بعدالة قضايانا التي لا نرجو وراءها أكثر من وجود أخلاقيّ ضروريّ و واجب و حقّ؟
○ هل حقوقنا في الوجود و العيش المحترم هي واقع أم هي مجرّد عطايا ننتظرها من الآخرين؟
○ هل نحن ، بالفعل، شعوباً و دولاً ، من المزمنين في وجودنا في هذا المكان ، أم أنّنا ، عابرون و طارئون ؟
○ هل تتخطّى خطابات الكثيرين منا و خطبنا الثّقافيّة و السّياسيّة الملتهبة حناجرنا ، أم هي مجرّد وصفة للغرغرة تجنّباً للخَرَس؟
13▪︎و عندما يكبر الحصار الذي دخلنا فيه منذ أكثر من قرن من الزّمان ، و يشتدّ هذا الحصار حول أعناقنا ، نحن العرب ، في هذه المنطقة من العالم ، فإنّ واجبنا يكمن في إعادة مراجعة الأيديولوجيا أوّلاً ، و تالياً في نقد جذريّ و شامل للثّقافات و السّياسات التي أدّت بنا، حتّى الآن ، إلى ما وصلنا إليه ، بما يُمكّننا من دحض لمزاعم خاصّة بجميع المعطيات السّياسيّة التي توفّرت لنا في البرامج و المناهج و النّظم و المنظومات و أشكال السّياسة و الحكم و الملك و صياغات الخطط و المخططات.
مخاطر العالم في منطقتنا تتفاقم ، و علينا كسر جميع الأدوات المجرّبة و الفاشلة التي جرى اختبارها و باءت جميعها بفشل ذريع..
فيما يعمل كثيرون بيننا على الإصرار على إعادة تجربتها و قد أنّتْ هي نفسها تحت سوء الاجترار و التّكرار ، و لم ييأس من عجزها المطلق من لا يزالون يراهنون على سذاجة البشر و قصورهم الذّاتيّ و الموضوعيّ ، تحقيقاً لأهداف ذاتيّة متكالبة على حساب الزّمان و المكان.
14▪︎ يتجاوز ، هكذا ، الأمر مشكلة " التّطبيع " لحاضر احتواء ("إسرائيل") في أحضان العرب و المسلمين ، نحو مصادرة مستقبل كامل و مطلق ، ربّما لن يجد من عملوا على مقدّماته اليوم ، لهم ، و من وقف متفرّجاً على ذلك ، مكاناً فيه أو حتّى في أقصى محيطه النّائي و البعيد.
و فيما تتحطّم الجدران العازلة للعرب و المسلمين التي "تحميهم" من المشروع الصّهيونيّ الجائح في المنطقة و العالم ، فإنّ ("إسرائيل") تُعدّ، و على الملأ ، مستقبلاً مُظلماً و صريحاً لسلسلة من تسميات الدّول العربيّة المقبلة إلى هذه الاحتفاليّة السّياسيّة التّاريخيّة التي تقيمها ("إسرائيل") ، بينما البقيّة يدخلون في حيرة و تردّد و حفلة مشاهدة و تخلٍّ.. و استهتار ، أو كذلك ، في اندماجيّة لا يعيرون فيها انتباههم إلى التهاميّتها في مشروعها "الواعد" المدمّر الطّاغي ، ما لَمْ نرتق إلى مستوى الحدث الذي يدشّن لمرحلة تاريخيّة جديدة من انهزاميّة علنيّة أمام "الواقع" الذي يتحدّى في معطياته قوانين الخطاب التّفاصيليّ المزيّف و الضّائع في أروقة الذّهول.
تُرى ، كم نحتاج بعد هذا الذي جرى و يجري و ما سوف يجري بالطّبيعة و التّلقائيّة ، إلى نفض خيوط شبكات العنكبوت التي نسجَتْ غبارها على الكثير من معتقداتنا و محفوظاتنا و ثقافاتنا و سياساتنا إلى آخر ما هنالك ممّا نعتقده من ملكيّات أثيرة و تكالبيّة و حصريّة و محفوظات و ثقافات و سياسات؟!