حوار على "عودة لقصة القائد المؤسس للبعث"

مروان حبش- فينكس

من خلال متابعتي للحوار الذي أجراه السيد غسان شربل مع عدد من الشخصيات عن المرحوم الأستاذ ميشيل عفلق، ونُشر في حلقات ثمان في جريدة الحياة في الفترة ما بين 5 و12 تموز 2008، كما نشره في الوقت نفسه موقع "كلنا شركاء"، لاحظتُ أن الذاكرة قد خانت بعض الذين أدلوا بشهادتهم، وقد يكون عذرهم تقادم الزمن والتقدم في العمر، بينما البعض الآخر لم يكن في عمر يسمح له بالتذكر ويبدو أنه استعان بغيره للإدلاء بشهادته، والبعض "الثالث" تقصّد التزييف لأسباب "وصولية" يبغي من ورائها رضا السلطان لكي تبقى أمامه الفنادق الفخمة ومكاتب المسؤولين، في هذا البلد أو ذاك، مشرعة الأبواب.

وكوني بعثياً عشت منذ الخامسة عشرة من عمري في هذا الحزب الذي أفتخر بالانتماء إليه "وأقصد بالتحديد حزب البعث"، الذي يمكن أن نقول عنه بعد مؤتمره القومي السادس أيلول 1963بأنه أسس لحكم شمولي، وأسس بعض من قادوه، فيما بعد، الحكم السلطوي، ومن خلال قربي من القيادات الحزبية ومن خلال المواقع القيادية التي انتُخبت إليها ومارستها، ولكوني كنت عضواً في كل مؤتمرات الحزب القطرية "سورية" والقومية التي انعقدت بعد الثامن من آذار 1963، أقول ونحن في معرض الإدلاء بشهادة، علينا أن نُشفي الخيال بجرعة قليلة من الحقيقة، والحقيقة ليست كلمة تقال بل تحتاج إلى البحث والاستقصاء لإثباتها.

كثير من البعثيين، رغم تعدد انتماءاتهم التنظيمية، وخلافاتهم السياسية التي تفجرت بشكل حاد، وخاصة بعد وصول البعث إلى السلطة في قطرين، يكنّون للأساتذة المؤسسين "عفلق والبيطار وجلال السيد ومن ثم الأستاذ الحوراني" الاحترام والتقدير، ولكن هذا التبجيل لا يعني، أبداً، جلوس التلميذ أمام معلمه بوجل وما عليه إلا تنفيذ توجيهاته، لأن التلميذ يكبر ويزداد وعياً ومن حقه المناقشة والاختلاف في الرأي، كما أننا تربينا في البعث على أن القيادة جماعية، ومع التقدير لدور الفرد في التاريخ، ولكن البعث بعيدٌ عن عبادة الفرد ومقولة الزعيم المعصوم والقائد الذي لا يخطئ.

   كانت المشكلة المزمنة مع الأساتذة، وأخص بالذكر الأستاذ ميشيل أنه يعتبر الحزب الذي كانت له اليد الطولى في رسم معالمه وتحديد مبادئه، يعتبره ابناً له، يريده أن يبقى رغم نموه وكبره وفق المعايير التي رسمها له، ولا يجوز له تقبُّل رأي غير رأيه ونُصح غير نصحه وهذه القناعة أوقعته في أزمات مستمرة مع رفاقه المؤسسين ومع الكثيرين من قواعد الحزب، بدأت منذ أيام التأسيس وعبر كل المؤتمرات القومية وفي كل منظمات الحزب في الوطن العربي، والنقطة التي لا يجوز إغفالها تتمثل في أن الأستاذ ميشيل لا يستطيع التعرف على الحزب "نموه وانتشاره ومشاكله" إلا من خلال فئة صغيرة من الموالين، وكثير من هؤلاء ينقلون له الصورة التي تتوافق مع طموحاتهم ومصالحهم، وهؤلاء قادوه إلى ارتكاب أخطاء ، وهم ذاتهم سرعان ما كانوا ينقلبون عليه بعد وصولهم إلى مبتغاهم.

- إن السؤال من أسس البعث؟ أمر لا جدال فيه، وهو أن البعث الذي أُعلن عن إشهاره رسمياً في 7 نيسان 1947، هو غير بعث الأرسوزي الذي لم يعش إلا زمناً قصيراً، ولم ينتشر إلا بين أفراد لا يتجاوزون أصابع اليدين، ولا يعني ذلك إبخاساً بحق الأستاذ الأرسوزي، المفكر والمناضل القومي وعضو عصبة العمل القومي ورئيسها في لواء الإسكندرونة، ولكن باعه في العمل السياسي قصير، ولم نكن نستمع منه، وهو أستاذي في دار المعلمين في دمشق، أي تحليل سياسي، بل جل ما كان يقوله: نقداً لاذعاً، وسخرية قاسية، بحق هذا المسؤول أوذاك، وخاصة بحق طلابه اللوائيين، وذات النهج كنا نسمعه منه، بعد تخرجنا، حينما نجلس معه في مقهى الهافانا، وإن دعوته بعد حركة 23 شباط 1966، من قيادة التنظيم الحزبي في الجيش، ليحاضر في بعض منظمات الحزب العسكرية، وكذلك دُعي آخرون لنفس الغرض، لا يعني أبداً اعتباره مؤسس الحزب، ولم تصدر أية وثيقة أو أي توجيه بهذا المعنى من قيادات الحزب المسؤولة، ويشهد كلام الأستاذ جبران مجدلاني على ذلك "…..وذات مرة زارني صلاح جديد المعروف بتواضعه الشديد في مكتبي في القيادة القومية، وقال لي إن عفلق هو والد الحزب ورمزه، ولكنه لا يصلح لقيادة حزب يحكم دولة….". ولهذا يمكن القول بحزم لمن أدلى بشهادته وقال "بأن حملة تزوير منهجي ومدروس ومتواصل للتاريخ وللحقائق التاريخية الثابتة، والإدعاء بأن مؤسس الحزب ليس عفلق بل هو الأرسوزي" هذه الشهادة ما هي إلا من صنع خيال مريض أو حاقد.

- كان الأستاذ ميشيل عفلق يعمل، دوماً، على تهميش دور الأستاذ صلاح البيطار، فهو لم يكن غاضباً حين فشل الأستاذ صلاح في انتخابات الشعبة الحزبية في فرع دمشق "آب 1963" لعضوية مؤتمر الفرع ، " كنتُ مكلفاً من قبل القيادة بالإشراف على انتخابات فرع دمشق، وحينما هتف لي مراقب الانتخابات في مؤتمر الشعبة، أصابني الذهول، وتبين لي أن المكتب التنظيمي الذي كان الأستاذ ميشيل قد عيّنه، وكان أمين سره حمود الشوفي قد وضع الأستاذ صلاح في شعبة جل أعضائها ملتزمين بتكتل حمود الشوفي"، وكان بإمكان القيادة القومية – لعدم وجود قيادة قطرية في سورية حينذاك - حسب أحكام النظام الداخلي قبل تعديله، أن تُلغي انتخابات مؤتمر الشعبة وتعيد النظر في أمر التكتل الذي أسقط الأستاذ صلاح، وأيضاً، لم ينتصر الأستاذ ميشيل لقرار فصل الأستاذ صلاح الذي اتخذته القيادة القطرية التي كان حمود الشوفي أميناً لها، بل انتصرت له بعض قيادات الفروع وتصدّت لهذا القرار ورفضت تعميمه على منظمات الحزب، وأعادته للقيادة القطرية مع الاحتجاج الشديد عليه. وبقي هذا القرار محفوظاً في الأدراج، حتى عودة الوفد السوري من مؤتمر القمة الأول كانون الثاني 1964، وتحدث الأمين القطري، رئيس الدولة الفريق أمين الحافظ في اجتماع للقيادة القطرية وأمناء الفروع عن الاتصالات الجانبية للأستاذ صلاح مع الرئيس عبد الناصر، واستُغل هذا الحادث في الوقت الذي تزامنت معه حملة كبيرة على الأستاذ صلاح، وخاصة في التنظيم الحزبي بالجيش، ونُشر قرار الفصل.

- لم يصدر أي حكم على أي بعثي في الفترة ما بين 23 شباط 1966 وحتى انقلاب 16 تشرين الثاني 1970، وكل البعثيين الذين اعتقلوا لانتمائهم إلى تنظيمات ترتبط بالفريق أمين الحافظ أو باللجنة التي أُطلق عليها لجنة التآمر على القطر"السوري" التي شُكلت في العراق، أُفرج عنهم بعد أشهر من اعتقالهم وحفظت قضيتهم، وقليل منهم أمضى في المعتقل ما ينوف عن السنة بقليل. ولذا فإن القول بأن حكماً بالإعدام قد صدر بحق الأستاذ ميشيل بعد 1966 هو كلام عام وغير محدد، وهو كلام فيه تزييف إذا قُصد منه أن الحكم قد صدر ما بين 1966 و 1970.

   يستثنى من ذلك الأحكام التي أصدرتها محكمة أمن الدولة بحق الأستاذ صلاح البيطار والوليد طالب " غيابياً " وبعض البعثيين الآخرين للدور الذي لعبوه مع الرائد سليم حاطوم بعد فراره إلى الأردن، وفيما عُرف بمؤامرة العاشر من حزيران 1967.

   - لقد عُرف الأستاذ ميشيل بالجرأة الفكرية، يؤمن بما يدعي ويعمل على تحقيقه، وهذا لا يمنع بأن بعض مواقفه السياسية اتسمت بالتأرجح والتردد، وفي نفس الوقت يبحث عن العلل ليقنع بها نفسه أو يبرر مواقفه، ولذا لم يكن يغفر لمن يقول له "أخطأت".

- بعد اعتقال بعض أعضاء القيادة القومية، صبيحة 23 شباط ، لم تولِ القيادة القطرية أي اهتمام للبحث عن المتوارين، ولم توجه أجهزة الأمن لتعقبهم، لأن اعتقالهم لن يطول، ولم يطل، ومن هذا المنطلق لم تهتم القيادة أو تطلب فتح تحقيق لمعرفة من كان وراء فرار الأستاذين صلاح البيطار وشبلي العيسمي من فيللا وزارة الدفاع بحي القصور في دمشق، رغم إدراكها أن سليم حاطوم ومصطفى الحاج علي، كانا وراء هذه العملية ليكون للفارين دور في التحضير للعمل الانقلابي الذي يقوده الدكتور منيف الرزاز وتم كشف تنظيمه العسكري بقيادة اللواء فهد الشاعر بعد فترة وجيزة من هربهما، ولذا كان بإمكان الأستاذ ميشيل أن يغادر سورية إلى لبنان بسهولة، وبنفس السهولة غادر الدكتور الرزاز، ولو أرادت الأجهزة الأمنية تعقب أثر المتوارين فكان عليها أن تحقق مع المقربين منهم وتتتبع تحركاتهم للوصول إلى المخابئ، وهو أمر بغاية السهولة في سورية، كما أن القيادة لم توجه أجهزة الأمن لمتابعة مخابئ الأساتذة ميشيل وصلاح وشبلي ...في لبنان، وكان نشاطهم يصل إلى أجهزة الأمن من خلال متابعة نشاط مؤيديهم الذين لجؤوا إلى لبنان، ولابد في هذا المجال من ذكر الحادثة التالية " نشرت الصحف اللبنانية خبر انفجار عبوة صوتية زرعت تحت سيارة الأستاذ صلاح البيطار، ولم ينتج عنها أي ضرر، لا بشري ولا مادي، لأنها عبوة صوتية، وفي أول اجتماع لقيادة الحزب – كان الاجتماع أسبوعياً وفي بعض الظروف تجتمع القيادة مرتين في الأسبوع – تم توجيه سؤال لرئيس مكتب الأمن القومي العقيد عبد الكريم الجندي عمّا إذا كان جهاز الأمن متورطاً في تلك الحادثة، فأكد بشكل قاطع عدم وجود أية صلة للمخابرات السورية بذلك، وكانت القيادة حريصة كل الحرص على عدم اللجوء إلى أسلوب الاغتيال مهما كانت الأسباب، وهذه إحدى قيم حزب البعث، وكانت قيادته القومية قد أدانت محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم التي أقرتها وخططت لها ونفذتها قيادة قطر العراق التي كان أمين سرها فؤاد الركابي.

- لم يكن الأستاذ ميشيل عفلق، المفكر وصاحب الرؤية المستقبلية، بالشخص الكفوء لقيادة حزب استلم السلطة في قطرين، هذا ما كان يراه بعض القادة البعثيين في العراق ومن ثم في سورية، ومن هنا كانت الاتهامات له بمسؤوليته عن زرع التناقض بين أعضاء قيادة الحزب في العراق الذي أدى إلى انقلاب عبد السلام عارف في 18 تشرين الثاني 1963، ولنفس الأسباب خشي الكثير من البعثيين في سورية والعسكريين منهم خصوصاً، على أن يكون المصير كما حدث في العراق، ولذا كانوا يبحثون بجدية عن البديل، وفي المؤتمر القومي الثامن "أوائل 1965 " وجدوا ضالتهم في الدكتور منيف الرزاز، وفي هذا المؤتمر نال الأستاذ ميشيل أقل الأصوات بين الفائزين بعضوية القيادة، و بعد انتهاء أعماله انتخبت القيادة القومية الدكتور الرزاز أميناً عاماً لها، وسمّت الأستاذ ميشيل "القائد المؤسس".

   وكذلك لم يكن موقف الأستاذ ميشيل السلبي وحرده والابتعاد بالسفر إلى خارج سورية ومهما كانت تبريراته، يلقى عند الكثير من القواعد الحزبية الرضا والقبول، إذْ من المفروض بالأمين العام أن يتصدى مع قيادته لبحث المشاكل المتعددة الكثيرة في الحزب وفي الحكم، ولا يُقنع القول بأنه تصدى ولكن ليس له حول ولا قوة، وإذا كان الأمر كذلك فما عليه إلا أن يقنع قيادته بعدم وجود علاقة للحزب مع الحكم القائم "في سورية ومن ثم في العراق"، ولكنه لم يفعل ذلك بل كان يستمر في خلق المشاكل والمصاعب في علاقة الحزب بالسلطة وفي داخل الحزب نفسه.

   وفي هذا المؤتمر "1965"، كانت اللجنة العسكرية قد قررت ترشيح اللواء حافظ الأسد لعضوية القيادة القومية، وليس كما ادعى أحد من أدلوا بشهادتهم أنه بحث موضوع ترشيح اللواء حافظ الأسد لعضوية القيادة القومية مع الأستاذ ميشيل عفلق، وأنه انتخب في عام 1966.

   - مع كل التقدير والاحترام للأساتذة المؤسسين، لا يجوز أن نقول عنهم أنهم كانوا ديمقراطيين، فهم لم يكونوا هكذا في الحزب، إذ أن غالبية أعضاء المؤتمرات القومية كان يتم تسميتهم من قبل الأمين العام، ودام الأمر هكذا حتى استلام الحزب للسلطة في القطرين، إذ بدأت الانتخابات الحزبية في القطرين بينما في أكثر المنظمات الحزبية بقيت على حالها، مع بعض الاستثناءات في بعض الظروف.

   وهذا، أيضاً، ينسحب على تطبيق الديمقراطية في السلطة، وبكل وضوح يجب القول أن الأستاذين وافقوا على نظام حكم الحزب الواحد، وعلى الحكم الشمولي، وعلى نظام الديوقراطية الشعبية، الذي أقره المؤتمر القومي السادس " أيلول 1963" ولا تُجدي التبريرات بأنهما قد غُلب على أمرهما، ولو كان الأمر كذلك، فعليهما عدم الاستمرار في ممارسة السلطة، ويمكن القول أيضاً، ولا تُجدي التبريرات، بأن الأستاذ ميشيل الذي استعاد منصب الأمين العام في تنظيمه، قد أسس، بعد الإطاحة بالمهيب أحمد حسن البكر، للحكم السلطوي الفردي الديكتاتوري في العراق وساهم في خلق حالة من تكريس عبادة الفرد.

   استمرت القيادة القطرية في سورية، بعد حركة 23 شباط، في احتواء تنظيم الحزب في العراق، وعملت بجدية لعدم حدوث انشقاق في المنظمة، وهذا ما تؤكده رسالة عضو القيادة القطرية الموفد للعراق من أجل الاتصال بأحمد حسن لبكر وصدام التكريتي، ومما ورد في الرسالة المؤرخة في 13/7/1966:

     (إننا نصر على دعوة مؤتمر قومي تاسع منتخب يشرف على إعداده لجنة من ممثلي المنظمات الحزبية ولا مانع لدينا أن يوجه الدعوة الرفيق أبو هيثم "البكر" وتشرف لجنة المنظمات على تنفيذ الدعوة .... .

     إننا نفرق بين موقف المنظمة الحزبية من حركة 23 شباط وبين حاجاتها المادية للعمل ، ولا نقبل لأنفسنا أسلوب المساومة.

     إننا لا نقبل بأية محاولة انشقاقية باسمنا، ونطلب من جميع الرفاق الذين يتصلون بنا العودة إلى منظماتهم وإننا واثقون بأن القواعد الحزبية السليمة سوف تقف دائما بجانب الاتجاه الثوري السليم).

     وبُذلت جهود حثيثة لإجراء انتخابات حزبية وانتخاب قيادة قطرية وممثلي التنظيم إلى المؤتمر القومي التاسع، وكانت الجهود الكبيرة والمكثفة تُبذل لعقده، ولكن المماطلة من قبل قيادة التنظيم المعينة من قبل الأستاذ ميشيل و"البكر وصدام"، وهما عضوا قيادة قومية قبل 23 شباط، أعيت مكتب الاتصال القومي، وبعض قواعد الحزب في العراق، والقيادة القطرية في سورية "تبين بعد وقت قصير أن سبب المماطلة هو انتظار انقلاب في سورية من قبل التنظيم الذي تم كشفه وملاحقته، تنظيم الرزاز – فهد الشاعر". ولم يكن بد من أن يعقد المؤتمر القومي التاسع في أيلول 1966 من دون تمثيل لمنظمة الحزب في العراق، وكلفت القيادة القومية التي انتخبها هذا المؤتمر، وهي القيادة التي فصلت أحمد حسن البكر وصدام حسين من الحزب، بتنفيذ قرار المؤتمر بإعادة تنظيم الحزب في العراق، ولا رابط لفصلهم من الحزب مع مطالبة سورية بتصحيح الحسابات المطبقة بين سورية وشركة نفط العراق الـI-p-C حول عائدات المرور.

- كثير من القوميين والوطنين في أرجاء الوطن العربي أدانوا واستنكروا محاكمة الرئيس صدام حسين من قبل المحتل الأمريكي وعملائهم الطائفيين، كما أدانوا واستنكروا تنفيذ حكم الإعدام فيه من قبل هؤلاء العملاء، ولكن هذا أمر ومحاولة خلق قناعة بأن صدام قال للأستاذ ميشيل بأنه سيطبق نظاماً ديمقراطياً وسينفتح على الجميع بعد انتهاء حربه مع إيران، أمر آخر، وانتهت الحرب بانتصار عراقي ولم يَفِ بوعده.

- إن ظروف الحرب هي التي تستدعي البحث عن وسائل الدعم الشعبي وحشد الطاقات، ولا يمكن التصديق بأن الأستاذ لم يستطع إقناع تلميذه بضرورة تطبيق النظام الديمقراطي، بل بالعكس وفر له الدعم، وهو دعم لا يليق بشخص الأستاذ ومواقفه حينما اعتبره في إحدى خطبه بأنه هبة البعث إلى العراق وهبة العراق إلى العرب، وهو دعم وفره له، أيضاً، حين نفذ صدام الإعدام برفاقه من أعضاء القيادة القطرية وبعض أعضاء الكادر المتقدم في الحزب، وهو دعم وفره له حين أقدم على اغتيال العديد من قياديي البعث في العراق، أليس السكوت علامة الرضا؟.

- كما أن الحصار الأمريكي الجائر لشعب العراق وبدء الترتيبات واختلاق الذرائع لاحتلاله لم تحرك أي دافع عند صدام حسين للسير نحو الاعتراف بالآخر.

   - ولذلك يسقط قول من قال "بأن الأستاذ لم يتبنَّ كثيراً من ممارسات صدام" وبأن الأستاذ "كان ينتقد أسلوب الحكم في العراق، لكن نقده كان من موقع التبني وليس من خارج التبني".

   لقد ناقش المؤتمر القومي السادس للحزب الذي انعقد في دمشق في أيلول 1963، العديد من المسائل ومن بينها أوضاع السلطة في العراق والتناقض بين أعضاء قيادة الحزب و تجاوزات أفراد الحرس القومي، وتكلم العديد من مندوبي العراق إلى المؤتمر، وكان صدام حسين أحد المتكلمين، وتبين مما قاله أنه يمثل رأي العسكريين "طاهر يحيى، ومحمد حسين المهداوي وغيرهم" ويطرح نفس مآخذهم وخاصة بالنسبة للحرس القومي، وهذا الطرح يلقى هوى عند الأستاذ ميشيل وخاصة أن فيه إدانة لمجموعة السعدي التي يناصبها الأستاذ العداء، وبالمقابل، تتهمه هذه المجموعة بأنه المسؤول عن الانشقاق في صفوف القيادة وبأنه، بعد أحداث 13 تشرين الثاني شكل مكتباً عسكرياً من "طاهر يحيى ، وحردان التكريتي ، ورشيد مصلح ، وسعيد صليبي ، وصلاح الطبقجلي..." وهؤلاء هم الذين قاموا بالتعاون مع عبد السلام عارف بالانقلاب على حكم الحزب في 18 تشرين الثاني 1963، وكان صدام حسين الذي اشترك في أحداث 11 تشرين وانقلاب 18 تشرين الثاني، مذيعاً لبيانات الانقلاب.

   إن إقدام القادة الثلاثة على اتخاذ قرار بحل الحزب - وهو قرار ليس من صلاحيتهم اتخاذه بل هو من صلاحيات مؤتمرات الحزب - تنفيذاً لما طلبه الرئيس عبد الناصر من وفد مجلس القيادة العسكري كشرط لقبول الوحدة، كان له انعكاسات متعددة على الحزب عامة وعلى البعثيين في سورية خاصة، وظهرت هذه الانعكاسات في قرارات المؤتمرين القوميين الثالث والرابع بهذا الشأن، كما ظهرت حين محاولة إعادة تنظيم الحزب في سورية بعد المؤتمر القومي الخامس "نيسان 1962"، حيث تولدت لدى الكثير من البعثيين قناعة بضرورة استبعاد الأساتذة الثلاثة عن التنظيم، ومساءلتهم في أول مؤتمر قومي للحزب، كما عاد الاشتراكيون العرب إلى تنظيم حزبهم الخاص بعيداً عن قرارات مؤتمر حمص. بينما استمر عسكريو البعث في تنظمهم الخاص بعيداً عن التكتلات الحزبية، مع فتحهم حواراً معها جميعا.

   وكانت قواعد البعث في سورية ترى أنه كان على القيادة التمسك بمشروعها الاتحادي مع مصر، وأن لا تتهاون في هذا الأمر، فاتحاد مع وجود أحزاب في سورية، يوفر الديمومة وينضج الظروف وينتقل من اتحاد إلى وحدة غير قابلة للانفصال، وما قول أحد الذين أدلوا بشهادتهم، إن الأستاذ كان يقول "إذا ما ذُكرت وحدة 1958 وذُكر حلّ الحزب كشيء سلبي في تاريخ الحزب وخطأ كبير، إلا انه في الوقت نفسه سيكون "هذا الخطأ أعظم وأمجد من كل الأعمال الصائبة التي قام بها الحزب"، ويكون القول في محله لو أن الوحدة استمرت، ولم تنفصل عراها بعد ثلاثة أعوام ونصف العام.

- ورد في إحدى الشهادات، إجابة على سؤال: من هم أبرز النجوم في المؤتمر القومي في حمص؟
   كان هناك منيف الرزاز وشبلي العيسمي وحافظ الأسد ومنصور الأطرش وأمين الحافظ والدكتور علي الخليل وفؤاد الركابي، وإثر هذا المؤتمر، انقسم الحزب قسمين، الاول مؤيد للحوراني والثاني معارض له.
والحقبقة تقول: إن المؤتمر القومي الذي انعقد في حمص في شهر نيسان من عام 1962، لم يحضره أي بعثي من سورية، باستثناء الأمين العام، وذلك لسبب بسيط وهو أنه لم يكن التنظيم الحزبي موجوداً في سورية، وبالتالي لم يحضر هذا المؤتمر لا "شبلي العيسمي ولا حافظ الأسد ولا منصور الأطرش ولا أمين الحافظ"، كما أن فؤاد الركابي كان مفصولاً من الحزب منذ ثلاث سنوات تقريباً.

     - وأخيراً لابد من التأكيد، بان الأستاذ ميشيل كان عفيف النفس، زاهداً، لا تغريه الثروة أو السلطة، وعرفنا الأستاذ ورفاقه المؤسسين علمانيي النهج، ولم نعرفهم كمسلمين أو كمسيحيين أو كملحدين، وعرفنا أن البعث يحترم كل العقائد، كما فهمنا الإسلام بالنسبة للعرب، كما طرحه الأستاذ في محاضرته "ذكرى الرسول العربي" على مدرج جامعة دمشق عام 1943.

   ونقول أيضاً، إن الحزب ليس ملكاً لمؤسسيه، بل هو ملك لمناضليه، أيضاً، فهم جسد الحزب وروحه، وهم الذين ناضلوا ويناضلون لتحقيق مبادئه وتطويرها من خلال مؤتمرات الحزب.

دمشق     مروان حبش   أيلول 2008

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من كتاب مروان حبش (البعث وثورة آذار)