د. عبد الله حنا: ظواهر الربع الأخير من القرن العشرين ومفاعيلها
جاءت أحداث خريف 1970، وما أعقبها من إزاحة الجناح اليساري في حزب البعث من السلطة في تشرين الثاني 1970، واعتلاء اللواء حافظ الأسد سدّة الحكم منفرداً، لتضع اليسار وفي مقدمته الحزب الشيوعي أمام وضع جديد.
وكان بعض مشاهدي المسرح السياسي يظنون أن الحزب الشيوعي، الذي تظاهر في شوارع دمشق احتجاجاً على حركة قوى العسكر وإزاحة القوى اليسارية في حزب البعث من الحكم، سيقف ضد، أو على الأقل لن يسير مع النظام الجديد، الذي أُطلق عليه "الحركة التصحيحية". لكن ما جرى كان بخلاف التوقعات بسبب عوامل عدّة من أهمّها ضغط القيادة السوفياتية الهرمة على قيادة الحزب الشيوعي السوري للقبول بما جرى من انتصار العساكر بقيادة حافظ الآسد على منافسه اللواء صلاح جديد، الذي استند على الكوادر المدنية لحزب البعث.
***
عندما قامت "الجبهة الوطنية التقدمية" وقّع ممثلا الحزب الشيوعي خالد بكداش ويوسف فيصل على ورقة نعوة حزبهما، وأعني ميثاق الجبهة الصادر في 7 آذار 1972 مُذْعِنان لحكم العسكر وسائران في نفق مظلم.
والمعروف أن ميثاق تلك الجبهة حرمّ على أحزابها ما عدا البعث من العمل في صفوف الطلاب والجيش. كما أن إحدى مواد الدستور نصّت على أن حزب البعث هو قائد الدولة والمجتمع.
كان كاتب هذه الأسطر يلتقي بدانيال نعمة وغيره، وكثيراً ما انتقد سياسة الحزب الشيوعي في سيره تحت علم "الجبهة"، وتحوّل الحزب إلى "تابع" لا أكثر. وكان أبو خالد يستمع إلى النقد، بل الهجوم المشوب بـ"النرفزة"، ويرد بأسلوب هادئ رصين. كنتُ ألمس أنّ عواطف دانيال نعمة تتناغم مع "نرفزاتي" الكارهة لهذه الجبهة، وأنّ شعوره الضمني لا يختلف عن كرهي لحكم العسكر و "الجبهة"، التي لا حول لها ولا قوّة.
***
في تقديري انّ القوى المجتمعية الحيّة، التي خاضت معارك النضال الوطني المناهض للاستعمار أُصيبت في الثلث الأخير من القرن العشرين بالوهن والضياع في عتمة القبضة الحديدية للنظام، وتحالف فئاته الحاكمة المترسملة حديثا مع الفئات التجارية "الجديدة"، التي اغتنت من "نِعَمِ" هذا التحالف. وقد مهّد هذا التحالف البيروقراطي التجاري الطريق أما صعود رأسمالية طفيلية ارتمت في أحضان الشركات الرأسمالية الغربية ورفعت علم ما عُرف بالسياسة الاقتصادية الليبرالية. هذه السياسة المفقّرة للجماهير المنتجة وضعت البلاد على حافة الكارثة، التي وقعت فيها سورية.
***
مع التحركات الشعبية الاحتجاجية أوائل 2011، أسهمت مجموعة عوامل داخلية وإقليمية في دفعِ الحركة الاحتجاجية السلمية "للإنزلاق" نحو العسكرة وتسلّط التنظيمات الاسلامية المتحجرة والممولة من المال النفطي عليها وتحويلها من حركات مطالبة بالحرية والعدالة الاجتماعية إلى "معمعة" مذهبية طائفية من أولى سلبياتها تأجيج الغرائز العمياء. كما جرى طمس الأبعاد الاجتماعية "الطبقية" المضْمَرة للتحركات الاحتجاجية من كلا طرفي الصراع ودُفعت البلاد نحو "الهاوية"...
***
لم يكن ما سُميّ "الربيع العربي" وبعضهم يسميه "الخريف" ابن ساعته، بل هي حصيلة ما جرى في العقدين الأخيرين من القرن العشرين وما تلاهما، تحت وطأة الظواهر والعوامل التالية:
- انحسار مدِّ الحركة النهضوية العربية ودخول حركات التحرر العربي مرحلة الأفول.
- ترنّح الاتحاد السوفياتي ومن ثمّ زواله مما كان له أثر بالغ على الحركة الشيوعية وعلى مجمل حركات التحرر الوطني.
- صعود التيارات الدينية المتزمّتة والمتحجِّرة وانغماس أعداد غفيرة من الشباب في النشاطات الدينية، إضافة إلى خفوت وهج "السلفية النهضوية التنويرية" وانطفائها، لتحلّ محلّها سلفيات ما أنزل الله بها من سلطان.
- خسارة القوى اليسارية العربية (وغيرها من قوى خيّرة) لمواقعها، وانطفاء الوهج القومي العربي بعد ستينيات القرن العشرين، وخفوت ألَقْ الكفاح الوطني المناهض للاستعمار، وسكون جمر النضالات الاجتماعية (الطبقية) تحت الرماد.
- تغيّرت إلى حدٍ بعيد نظرة الناس إلى المناضل المتفاني الشجاع. وترافق ذلك مع دخول كثير من القوى السياسية الخيّرة في حالة السكون المتاخمة للغيبوبة.
- اتساع أبواب الهيمنة على العالم العربي من رجعياته بمختلف ألوانها بفضل المال النفطي، ومقدرة "البترودولار" على تغيير أخلاق وسلوك أعداد غفيرة من بني البشر، وسطوته في التبديّل السريع لمواقف كثير من التيارات والاحزاب وبخاصة "المجموعات المسلحة" و "أمراء الحرب" بمختلف منازعهم.
هذا "الدولار النفطي" يسمونه في دمشق "الأخضر" نسبة إلى لونه، وتحاشيا من ذكر اسمه أثناء تبديل العملة. أخضر اليوم هو خَلَفُ "الأصفر الرنان"، الذي كانت تنحني للحصول عليه هامات الرجال. وصَدقَ الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي عندما قال:
معبودكم تحت قدمي"، قاصدا به "الاصفر الرنان".
***
ويُلمحُ في الأفق الكوني بوادر انهيار سطوة هذا "الأخضر" الشرير، مع الأمل بانتصار " الأخضر" الرحيم و "العبد الصالح" قاهر الطغيان في تراثنا العربي الاسلامي.
ويشهد التاريخ تطلّع جماهير المستضعفين إلى مجئ "الخِضر الأخضر" أو المهدي المنتظر لتحقيق حلم البشرية المعذّبة وتحريرها من قهر الطغيان.