د. عبد الله حنا: دانيال نعمة من زَهْوِ الصعود إلى مأساة الهبوط

لا بدّ هنا من عرض صفحات من تاريخ هذا المحامي الشاب، الذي افنى شبابه في العمل السياسي الشريف. ودفعته الأقدار بعد 1970 ليصبح عضوا فيما يُسمى الجبهة الوطنية التقدمية والسير في هذا الطريق الشائك لأسباب عديدة، مما عرّضه لسهام بعض من المعجبين بنضاله السابق أو المستائين من هذه الجبهة...
نبدأ بما كتبه الروائي حنا مينة: وهو من الذين عاشوا في اللاذقية في تلك الفترة، في رثاء دانيال نعمة:
"يا أبا خالد، يا رفيق الدرب الطويل، طوبى لك نضالك، وطوبى لك دماثة خلقك، وطوبى لك في كل ما أصبت وأخطأت، فكلنا في العمل نُصيب ونخطئ، وهذا شأن العاملين والمناضلين وأنقياء القلوب".
يرى كاتب هذه الأسطر أن قيادة الحزب الشيوعي، وفي مقدمتها دانيال نعمة، أخطأت في الانضمام إلى "الجبهة الوطنية التقدمية"، وإذا كان ثمّة أسباب تبرر الانضمام للجبهة في سنواتها الأولى، فإن السنوات اللاحقة لم تترك مبرراً للاستمرار في تلك الجبهة، وخاصة في سنوات استفحال أمر البرجوازيتين البيروقراطية والطفيلية، اللتين أكلتا الحصة الأهم من الأخضر واليابس.
هل في تقييمنا هذا شيء من التجني على مواقف دانيال نعمة وحزبه في الانضمام إلى "الجبهة" والاستمرار فيها؟.. الأمر متروك للتاريخ... وقد أحسن أنجال دانيال نعمة صنعاً عندما قاموا بنشر ما كتبه والدهم من مقالات ومذكرات مرفوعة من عضو قيادة الجبهة دانيال نعمة إلى المقامات العليا، تنتقد، أو تحتج بأساليب مرنة ودبلوماسية. وحسب علمي، لم يكن دانيال نعمة إمّعة في قيادة الجبهة، بل كان له صوت صادق وشجاع في قول الحقيقة، التي كان يُغلـِّفها أحياناً بأرْدِية تناسب فن التعامل مع الحكّام.
يلاحظ أن مقالات دانيال نعمة بعد 1970 تضمنت الأمرين: فهي تهادن وتلاطف، وأحياناً تكيل المديح لجوانب مقبولة من السياسة المتبًعة بعد 1970، ولكنها في الوقت نفسه تشنّ حملات تختلف شدتها بين مقالة وأخرى على الفساد، وتطالب بالوقوف في وجهه. وتأتي أجهزة الإعلام الرسمية، فتنشر من كلمات دانيال نعمة فقرات المديح، وتُغفل فقرات النقد والدعوة إلى الإصلاح. ولهذا تكوّن لدى قارئ الإعلام الرسمي الانطباع بأن عضو قيادة الجبهة الوطنية التقدمية دانيال نعمة كغيره "باصم بالعشرة". ولكن من يقرأ بتمعّن مقالاته سيجد وجهاً آخر مشرقاً لدانيال نعمة، وجهاً يعكس سنوات النضال الطويلة، التي خاضها قبل 1970.
وأهم من هذا وذاك أن دانيال نعمة لم يَغـْتـَنِ، شأن غيره ممن تسنموا مناصب رفيعة ، فعاش عيشة بسيطة وتُوفي "مستوراً" بعيداً عن القصور والجاه ومباذل الحكم.
***
ولنستعرض بعضا من نضال دانيال نعمة المشرقة:
عام 1945 انتسب دانيال نعمة إلى الحزب الشيوعي ونال في العام نفسه شهادة البكالوريا. و انتسب إلى كلية الحقوق في الجامعة السوية ونال شهادتها 1949.
شارك دانيال نعمة مساء 10 آب 1951 في مظاهرة ضمت المئات من "أنصار السلام" توافدوا إلى دمشق من عدد من المناطق السورية، وكان دانيال في مقدمة المظاهرة واعتقل مع آخرين واودع في سجن المزة لمدة ثلاثة اشهر.
بعد السجن بفترة أوفدته أوائل عام 1952 قيادة الحزب الشيوعي لقيادة منظمة الحزب الشيوعي في محافظة اللاذقية متخذا من المحاماة ستارا لعمله الحزبي السري.
تقدم لنا مفكّرة المحامي دانيال نعمة إشارات على شكل عناوين للدعاوى، التي تولاها وننقل صورة إحداها: "الاثنين 12 أيار: "دعوى أدهم".. الاثنين 26 أيار: "دعوى أدهم شموط.. الدركي 9652".
أدهم شموط انتسب إلى الحزب الشيوعي، وهو من شباب اللاذقية الشجعان، ومعروف برجولته، فعندما يسير في مقدمة مظاهرة الشيوعيين تخشاه العناصر الراغبة في تعكير صفو المظاهرة أو الاحتفال، ويبدو أن أدهم شموط اشترك مع رفاقه المتظاهرين والمحتفلين بعيد الجلاء، أو عيد العمال العالمي في الأول من أيار، فاعتقله الدرك، الذين فرقوا المظاهرة، وتصدى لهم أدهم، ويظهر أنه ضرب الدركي، الذي سجّل دانيال رقمه على مفكرته، ولا يرد ذكر في المفكرة لنتيجة الدعوى.
لم يمض أكثر من عام على عمل دانيال نعمة في المحاماة في اللاذقية ونشاطه الكثيف في العمل الحزبي السري المحظور رسمياً، حتى اعتُقل أيام الشيشكلي في 29 كانون الثاني من عام 1953 في ثكنة اللاذقية مع رفاقه وهم: أدهم شموط، إبراهيم لوزة، جورج لوزة، محمد الطويل، إبراهيم خليل، محمد حداد، أنطون شكور، برهان شريتح، جورج نعوم، محمد الداش.
بتاريخ 15 شباط 1953 نُقِل دانيال نعمة مخفورا إلىً سجن المزة بدمشق ومنها إلى سجن تدمر الصحراوي . بعدها عمل في تحرير جريدة "النور" بدمشق، مروراً بالدراسة الحزبية في موسكو، والعودة في حزيران 1959 إلى بيروت تمهيدا للانتقال سرا إلى دمشق للمشاركة في قيادة العمل السري فيها.
***
عندما لاحت في الافق نيّة المباحث السلطانية أيام الوحدة بين سورية ومصر محو مظاهر الحياة الديموقراطية في سورية، تطوّع الشخصية الشيوعية اللبنانية فرج الله اللحلو مهمّة القيادة في الداخل السوري. مطلع 1959جرت اعتقالات لجميع الشيوعيين وانصارهم في سورية. وكان فرج الله الحلو من مكانه السري في دمشق يقود بأناة ما تبقى من شيوعين، إلى أن اعتقل في حزيران 1959 وجرى تذويب جثته من قبل المباحث بالأسيد وخلت دمشق وحلب وحمص من كوادر شيوعية قادرة على العمل. ولهذا أخذت قيادة الحزب الشيوعي تستعد في بيروت للدخول سرا إلى سورية وقيادة النضال في ظروف صعبة.
حسب رواية جرجس العيسى، التي لا تزال مخطوطا، كان من المقرر العبور سرا عبر طريق سرغايا ركوبا على البغال او سيرا على الأقدام أيام الجمهورية العربية المتحدة، وبسبب الانقلاب العسكري الذي أعلن عودة الجمهورية السورية فيما يُعرف بالانفصال تأخر دخول المجموعة الأولى مدّة قصير. وهذه المجموعة القيادية الأولى عبرت الحدود سرا بقيادة دانيال نعمة وبرفقتة واصل فيصل وجريس العيسى. والأخير كتب مذكراته واصفا عملية العبور والعمل من بيت سريّ على أطراف دمشق. ننقل بعض ما كتبه العيسى:
" أحد الشيوعيين اللبنانيين رتّب بيتا ريفيا على أطراف دمشق الشرقية واجهتة دكّان كندرجي يعمل فيه اللبناني معرِضا بضاعته للبيع. وفي الداخل بيت واسع ومفروش ومجهّز بأدوات المطبخ وفرشات للنوم وطاولات للكتابة وكراسي. كانت هذه القيادة التي وصلت دمشق سرا تدخل إلى الدكان بحجّة شراء الأحذية، ومن الدكان تتسرب من باب سري في الدكان إلى البيت، وكان بيتاً سرياً رائعاً. رتبنا أمورنا، والكلام للعيسى، في هذا البيت، وبدأت عملية دراسة منظمة دمشق ومناطق سورية وإعادة الصلة بها وترتيبها... وكنّا على صلة بالقيادة في بيروت. وبدأنا سرّاً في توزيع الجريدة والمطبوعات والاتصال بالرفاق المقطوعين، عن الحزب بسبب الملاحقات، والحصول على أخبار سياسية ومتابعة سياسة حكومة الانفصال، وكنا نعيش في البيت ثلاثتنا، وقد كُلّفتُ بالعمل كمراسل بين دمشق وبيروت، أحمل الرسائل المتضمنة لأخبار دمشق ونشاطنا إلى القيادة في بيروت، وأعود بالرسائل والمطبوعات القادمة من بيروت، وذلك بواسطة رسول كان يأتي من بيروت وعمله متمم لعملي".
***
بعد رجوع دانيال نعمة من موسكو إلى بيروت صيف 1959 وانغماسه في النشاط الحزبي السري في بيروت وقبل عبوره إلى دمشق تعرّف على الآنسة نديمة يسوف، الهاربة من جحيم المباحث، والملتجئة إلى بيروت، وقررا الزواج في 25/04/1960. وكان اختيار دانيال لنديمة من أحد مراميه زوجة تتحمّل مشاق العمل السري، وأجاد الاختيار.
عَبَرَ دانيال نعمة الحدود السورية اللبنانية سراً، كما رأينا، بتاريخ 02/10/1961، ولحقت به نديمة مع طفلهما خالد، وعمره تسعة أشهر، بتاريخ 03/12/1961 بهوية لبنانية، وحلّت ضيفة، بتخطيط من أبي خالد، لدى أسرة سليم بيطار (محاسب مجلس الوزراء)، الذي يَمُتُّ بصلة القربى لنديمة، والمتعاطف مع الحركة الشيوعية منذ مطلع شبابه. "الشخص"، الذي رافقها في سيارة الأجرة أخذ منها الهوية اللبنانية الملصقة صورتها عليها مع اسم آخر غير اسمها، وعاد إلى لبنان، دون أن يعلم إلى أين توجهت.
وأخذت كوادر الحزب الموثوقة تعبر الحدود سرّا من لبنان إلى سورية ومنهم شقيق دانيال وساعده الأيمن يفتاح نعمة الكتوم، الذي ذكر لي بعد جهد ومرور أربعين سنة على الواقعة أنه تمكّن من استئجار 14 بيتا سريا لكوادر الحزب وتحرير جريدته ومطبوعاته مع مطبعتين سريّتين إحداهما تولّى أمرها نادر حلاق وزوجته غفران الخطيب، وهما من سلقين، ولا أحد يعرفهما في دمشق...
وخلال عهد الانفصال وبداية حكم البعث سكن دانيال وزوجته ومعهما الشيوعي الصامت المتواضع العاذب ظهير عبد الصمد في عدة بيوت. وكان البيت السري لدانيال مركزا لعقد الاجتماعات الحزبية السرية للقيادة المؤلفة آنذاك من: دانيال نعمة، ظهير عبد الصمد، إبراهيم بكري، يوسف فيصل، وحسن قريطم. والأخير كان ممثلاً للحزب الشيوعي اللبناني، وهو الخبير في تقنية العمل السري. وكانت نديمة زوجة دانيال بوجودها في البيت تدفع الشكوك عن قاطنيه، عندما تغادر البيت ترتدي الحجاب الشرعي، وتلبس الجوارب السميكة، كي لا تجلب انتباه المارة. و استمرت الحال هكذا بعد 8 أذار 1963 ووصول البعث إلى السلطة بمعونة العسكر. ولنا في الحلقة المقبلة تتمة لما جرى من أحداث.
***
إضاءة
نموذج من نشاط دانيال نعمة نقلا عن إبراهيم قندور. والأخير شيوعي من النبك عاصمة القلمون، الذي لم تصل إليه المخابرات السراجية في عهد الوحدة بسبب صغر سنّه. وبدأ نشاطه في عهد الانفصال، في الوقت، الذي كان دانيال نعمة مع رفاقه قد انتقلوا من لبنان إلى بيت سريّ في دمشق.
جاء من أخبر إبراهيم قندور أن عليه الذهاب إلى دمشق والانتظار في ساعة محددة بجانب يمين عامود قوس النصر في سوق الطويل لمقابلة مسؤول حزبي راكبا دراجة هوائية ويسأله عن دكان وهمي سماه له. لم يكن ابراهيم يملك ساعة فاستعارها من صديقه كي يعرف الزمن. وبعد دقائق من انتظاره مرّ شاب راكبا على دراجة هوائية وسأله عن الدكان الموهم فأجابه ابراهيم بما تيسر، فتلقى جوابا انتظر سيأتي غيري للذهاب معه وسار راكب الدراجة في طريقه. وبعد دقائق سلّم عليه رجل كهل قائلا: امشي معي يا ابراهيم. وبعد ان سارا سوية متجاوزين عدة منعطفات من الأزقة المتعرجة، شرع "الختيار حسب تعبير ابراهيم يحدّثه في أمور سياسية راهنة. استمر حديثهما في الأزقة مدة ساعتين، إلى أن أعلمه الختيار أنه سيلتقي به بعد اسبوع . واستمرت اللقاءات تتوالى، إلى أن أعلمه الختيار أنّ مطبوعات الحزب ستصله إليه عن طريق عرسال ويأتي شخص من دمشق لاستلامها.
كانت عرسال بلدة لبنانية تقع في أعلى السفوح الغربية لجرود جبال لبنان الشرقية، ويصلها، في ذلك الوقت بالنبك الواقعة في الهضاب الشرقية لجبال لبنان، طريق ترابي تسير عليه يوميا سيارة جبلية لنقل الركاب بين عرسال والنبك. لم تكن آنذاك مخافر لقوى الأمن من كلا الجانبين والطريق شبه سائبة لنقل الممنوعات. وهكذا جرت ولمدة من الزمن عملية نقل المطبوعات السرية من لبنان إلى الحزب الشيوعي في دمشق.
ما ذكرته أعلاه منقولا بتصرف عن لسان إبراهيم قندور، الذي عرف فيما بعد أن هذا الختيار هو دانيال نعمة.
وإلى الحلقة القادمة التي لن تكون طويلة