د. عبد الله حنا: دكتور الحقوق عدنان الأتاسي خريج السوربون والقيادي في حزب الشعب
عام 1954 وتحديدا في الشهر الأول منه صدر في حمص كتاب بعنوان "أزمة الحكم في سورية" عاكسا ازمة الحكم العسكري للعقيد أديب اللشيشكلي. مؤلف الكتاب عدنان بن هاشم الأتاسي الحائز على دكتوراه الحقوق من باريز والعضو البارز في حزب الشعب وابن هاشم الأتاسي أحد القادة البارزين في الكتلة الوطنية ورئيس الجمهورية في فترتين متباعدتين. وعندما عاد عدنان الأتاسي من باريز عام 1932 رجع متأثرا بحرارة الأجواء الثورية فيها وحاملاً ميولا يسارية (بعد رجوع الأتاسي بفترة قصيرة تولى في المحاكم الدفاع عن الشاب الشيوعي خالد بكداش المعتقل بسبب ننشاطه الشيوعي. هذا ما قرأته في صحف 1933 ، القابع أرشيفها في مكتبتي في دمشق). سرعان ما تبخرت مع الزمن.
كتاب الأتاسي بحاجة على دراسة معمّقة نظرا لتناوله قضايا لا تزال راهنيتها حاضرة حتى الآن رغم تعاقب الزمن.
والحقُّ يقال أن عدنان الأتاسي كان صريحاً في جميع القضايا التي تناولها في كتابه وهي: "قضية الديمقراطية بالنسبة لسورية".. "القضية الإجتماعية".. "قضية التربية الوطنية".. "الوحدة العربية". ويشير الأتاسي إلى أن أغلبية البرامج السياسية للأحزاب" تتضمن كثيراً من الأفكار والمبادئ التي لا تنطبق كل الانطباق على نزعة واضعيها".
الأتاسي يرى في كتابه أنّ "النظر إلى كافة الطبقات على أنها أجزاء متممة لبعضها بعضاً، وعلى أن مصالحها جميعاً في مصلحة الشعب المتحد" و"لا يبقى آنئذ محل لنضال الطبقات في بلد كسورية. ويمكن أن تسير التقدمية خطوات هامة إلى الأمام مع الابقاء على وحدة الطبقات وتآزرها".
وسننقل من كتاب عدنان الأتاسي, ما كتبه عن المسألة الزراعية في أواسط الخمسينات، تاركين للقارئ الحكم عليها، كتب الأتاسي:
" فالقضية الاجتماعية الأولى عندنا هي قضية الفلاح، وهي تختلف عن قضية العامل. وإننا لنجد حلاً لها في النظريات التقدمية المعتدلة وفي الروح الديمقراطية أكثر مما نجدها في النظريات المتطرفة المستقاة من أوضاع اجتماعية بعيدة الشبه عن وضعنا المشار إليه".
يبدو واضحاً من كتاب عدنان الأتاسي أن مثقفي "البرجوازية - الإقطاعية" في خمسينات القرن العشرين تأثروا بالفكر الأوروبي البرجوازي وكانوا عموماً من أنصار الحداثة. ونتلمس في طروحاتهم الاجتماعية مواقف ذات طبيعة مستنيرة. ونلخص محتوى ما كتبه الأتاسي فيما يلي:
- الاعتدال في الطرح الاجتماعي والابتعاد عن التطرف.
- تعدد طرق انتقال ملكية الأرض للفلاح بصورة تدريجية.
- تجنّب تحديد الملكيات الكبيرة عن طريق قوانين الإصلاح الزراعي، لأن هذا جريمة وطنية، حسب رأي الكاتب..
- الاعتراف مستقبلاً بزوال الإقطاعية الزراعية عن طريق التدرج والاعتدال.
- الاهتمام بالفلاح، ولكن في ظل العلاقات الإقطاعية.
- ليس من المحتّم تمركز النزاع السياسي والاجتماعي حول النظريات الاشتراكية وصراع الطبقات.
- الانقلابات الفجائية تؤدي إلى الفوضى العدمية والطريق هو في التدرج والاتزان.
***
اتُهِمَ عدنان الأتاسي في الضلوع في عملية (مؤامرة) لقلب نظام الحكم الوطني الديموقراطي في سورية عام 1957، وحكمت عليه المحكمة العسكرية بالإعدام. ولم يُنفّذ الحكم مراعاة لشعور والده هاشم الأتاسي أحد قادة الكتلة الوطنية السابقين. (و أذكر أن خالد بكداش اوعز إلى هيئة تحرير جريدة النور الشيوعية بترك مكان خبر إعدام الأتاسي مجللا بالسواد...). هل موقف بكداش من باب ردّ الجميل لعدنان بسبب دفاعه عنه اوائل الثلاثينيات؟ أم هناك حسابات سياسية يتقنها الزعيم الشيوعي آنذاك)
***
سار الاتاسي عدنان مع السائرين في تأييد نوري السعيد رئيس وزراء العراق الموالي للاستعمار البريطاني.
في تلك الأثناء حضرتُ مهرجانا خطابيا في مقهى الرشيد الصيفي في قلب دمشق ضد الحلف التركي العراقي (عراق نوري السعيد).
ألقى الشاعر الحمصي الشيوعي وصفي البني قصيدة لا أزال أذكر منها البيت التالي:
ما هزمنا عدنان، لا بلْ هزمنا خلف عدنان ألف نوري السعيدِ
والمقصود بعدنان هو عدنان الاتاسي أحد القادة البارزين المؤيدين لعراق نوري السعيد وحلفه البريطاني، والذي حُكم بالاعدام ولم ينفّذ الحكم إكراما لوالده هاشم الاتاسي.