د. عبد الله حنا يكتب عن دكتور الحقوق عبد الوهاب حومد

دكتور الحقوق عبد الوهاب حومد
ليبرالي عروبي
يتبدى الفكر المستنير لمثقف حزب الشعب واضحاً في المقال الذي نشره عبد الوهاب حومد (دكتور الحقوق خريج فرنسا ونائب حلب) أثناء انتخابات الجمعية التأسيسية 1949 في افتتاحية جريدة حزب الشعب بعنوان:
  "في شخصيتنا ونظامنا جذور الكارثة"
جاء في المقال: "...إن من واجب الجيل الناشئ ان يقيم شخصيته وثقافته على أسس اشتراكية تقدمية, ويشيد صرح وطن شامخ لا يكون فيه محل للجهل والجوع والمرض والإقطاعية والرجعية".
"…وإنه لمن التغرير بالأمة، أن نبحث عن أسباب هزيمتنا في تألّب المعسكرين الشيوعي والرأسمالي علينا، دون أن نبحث في مسؤوليتنا نحن.. الذي انهزم نظام متداع نخر، أمام نظام متطور متين، وثقافة منحلّة في نظام إقطاعي أمام ثقافة قوية في نظام ينظر إلى الأمام.. إن الذي انهزم في فلسطين، الجيل الماضي، الذي تثقّف في مدرسة القرون الوسطى، هذا الجيل الذي يقاوم الضريبة التصاعدية، ويتجهم لمجانية التعليم، ويستخف بالقوانين والأنظمة ويزدري العامل ويسطو على الفلاح، ثم يتنكر للضرائب العادلة، كضريبة الدخل وضريبة الأموال المنقولة. إن من واجب الجيل الناشئ أن يقيم شخصيته وثقافته على أسس اشتراكية تقدمية ويشيد صرح وطن شامخ لا يكون فيه محل للجهل والجوع والمرض والاقطاعية والرجعية".
وهكذا نرى أن حومد يهاجم الاقطاعية كفكر مسؤول عن هزيمة فلسطين، ولكنه لا يدعو إلى إزالة الملكية الاقطاعية وتوزيع أراضيها على الفلاحين. وحومد، المعروف فيما مضى بأنه من "يسار حزب الشعب" يحقق جملة غايات من وراء مقاله، فهو لا يغضب ملاك الأرض ويرضي الليبراليين، وهو منهم، بهجومه على الثقافة الاقطاعية المنحلّة، ويحقق سياسة حزب الشعب في الهجوم على الحزب الوطني وإزاحته عن الحكم بصفته مسؤولاً عن هزيمة فلسطين، والحلول محله.
في 11 آذار 1955 ألقى دكتور الحقوق عبد الوهاب حومد محاضرة بعنوان "الاشتراكية الدستورية" قام حزب الشعب بنشرها في كراس عام 1956، مع توطئة للكراس بقلم حميد حميد باشا أمين سر حزب الشعب. في هذه التوطئة كتب أمين سر حزب الشعب عن الاشتراكية ما يلي:
".. ولعل الاشتراكية هي السبيل الصحيح، التي تضمن للناس حياة حرة كريمة، تحقق فيها العدالة الاجتماعية، لا تستغل فيها فئة فئة أخرى، ولا يستعبد فيها أفراد قلائل، أمة بأسرها".
وسنقطف من هذه المحاضرة الهامة والمعبِّرة عن الأجواء السائدة في خمسينيات القرن العشرين المقاطع التالية:
" فلسفة الاشتراكية تفرض علينا في هذه المرحلة تشجيع الرأسمال الوطني.. لكي نهيئ للتطور أسبابه.. نشترط تحديد الأسعار ...".. "الاشتراكية الثورية اجتاحت العالم الشرقي, وتجتاح أكثر النصف الثاني من العالم الاشتراكية التطورية, وليس لنا بُدّ إلا تبني إحداهما. ولا يمكن أن نبقى في معزل عن الحركات الاشعاعية العالمية".
ويتساءل حومد: غير أن هناك عدة أنواع من الاشتراكيات، فأي نوع منها يتلاءم وواقعنا؟..
اشتراكية رأسمالية؟ أم اشتراكية شيوعية؟ أم اشتراكية دستورية؟ أم.. ماذا؟
ويجيب الدكتور عبد الوهاب حومد: "إنني أدعو إلى اشتراكية هادئة تتم في ظل التشريع بوحي وتوجيه الدستور (يقصد دستور 1950 الليبرالي الذي كان لحومد اليد الطولى في صياغة مواده) الذي أرى مبادئه العامة هي مبادئ الاشتراكية الكبرى.. ولذلك سميتُ محاضراتي بالاشتراكية الدستورية".
والاشتراكية الدستورية في رأي حومد هي: "إيجاد نظام اقتصادي لا وجود فيه لسيّئات النظام الرأسمالي، ولكنه يحتفظ في الوقت نفسه بمنافعه ويسعى إلى تحسينها وازدهارها". ويتمّ ذلك، في رأي حومد، عن طريق "تبني الاصلاحات المعقولة توطئة لقبول النظام الاشتراكي القادم".
" وأحب أن ألاحظ " – يقول حومد – "ان الدعوات الدينية ليست دعوات اشتراكية اقتصادية, وإنما هي مذاهب إصلاحية, هالها هذا التفاوت بين طبقات المجتمع فعملت على تحسين اوضاع المحرومين لكي يشكروا نعمة الله وينصرفوا ناعمي النفس إلى عبادته".
" الاسلام "– يمضي حومد قائلا – "فلسفة ليست اشتراكية بمفهومها الحديث, لأن الاسلام دين قائم على الفضائل والأخلاق أما الاشتراكية فهي مسألة اقتصادية خالصة".
لعب حومد دورا هاما في صياغة دستور 1950، الذي أقرته الجمعية التأسيسية المنتخبة عام 1949 وهو من أعضائها. ويملك ارشيفنا في دمشق (ونحن في الغربة) تفاصيل المناقشات الدائرة لصياغة مواد الدستور وحومد أحد فرسانها الأجلاء.
بعد انفصال سورية عن مصر خاض عبد الوهاب حومد السياسة من بابها العريض متزعما التيار الناصري ذي الشعبية الواسعة في حلب. و ليست بين أيدينا ( في الغربة ) وثائق تلقي الأضواء على هذه الشخصية الفذّة، التي كنت أتمنى أن ألتقي بها.
***
في الحلقة القادمة سيرد دور الحقوقي اللامع عبد الوهاب حومد في صياغة دستور 1950 ندّا لمصطفى السباعي ممثلا للإخوان المسلمين. ودستور 1950 هو أبو الدساتير السورية في القرن العشرين.
ندعُ قرّاء هذه الصفحة إلى إيلاء الاهتمام إلى الحلقة القادمة المتضمِّنة لعرض لهذه الدساتير والمواد الهامة منها. إن الاطلاع على الموجز من دساتير سورية في القرن العشرين اعتبارا من القانون الاساسي لعام 1920 إلى الدساتير في حقبة الأسد، مرورا بأبو الدساتير 1950، يقدم للقارئ زادا فكريا سياسيا يستطيع من خلاله فهم ما يجري هذه الايام من عنعنات مملّة مسدودة الآفاق .
***
نتمنى على قرّاء هذه الصفحة أن يقرؤا هذا الموجز أو اللوحة لدساتير القرن العشرين، التي ستُنشر في الحلقة القادمة، وأن يوّزعوها على أصدقائهم إذا شاؤوا.