حازم مبيضين: "سنّي في البلاط الشيعي"- ح2
يتابع فينكس نشر مخطوط كتاب "سُنّي في البلاط الشيعي" للصحفي الأردني المخضرم حازم مبيضين. وفيما يلي الحلقة الثانية:
شيعة الأردن
من جنوب لبنان إلى مملكة الهاشميين
يرجع الوجود الشيعي في الأردن إلى عام 1890، حيث نزحت عشائر شيعية من جنوب لبنان إلى الأردن قبل تأسيس مملكة الهاشميين، ويحمل أبناؤها اليوم الجنسية الأردنية، ويبلغ تعدادهم قرابة الخمسة آلاف شخص يقطنون في الرمثا، دير أبو سعيد، اربد وعمان، وأبرز عائلاتهم بيضون، سعد، ديباجة، فردوس، جمعة، الشرارة، حرب، برجاوي، البزة، ولا تحتفظ هذه العشائر بأية عادات أو تقاليد خاصة مخالفة للتقاليد الأردنية، وتندمج في المجتمع الأردني بشكل كامل، وتشاركه في مختلف المناسبات، وإن كان بعضها يحتفل رمزياً بالمناسبات الدينية الشيعية. وهم يؤكدون ولاءهم السياسي للهاشميين وأنه من صميم حبهم وولائهم لآل البيت الأطهار.
في منتصف تسعينيات القرن الماضي برزت علاقة بين شخصيات من هذه العشائر وبين مؤسسة الخوئي في لندن، بمباركة من الأمير الحسن "ولي العهد آنذاك"، وقد كان حريصاً على حوار المذاهب والطوائف المختلفة، وكان ثمة تفكير بتأسيس مؤسسة خاصة بهم تحت اسم "أبو ذر الغفاري" إلّا أن الدولة عادت وتراجعت عن دعم الفكرة فيما بعد.
ثمة من يقول أنه بفعل انتصارات حزب الله، ووجود أعداد كبيرة من الشيعة العراقيين، تشيعت قرابة 150 عائلة في مخيم البقعة، كما أن هنالك ظاهرة محدودة للتشيع في مدينة السلط، بالإضافة إلى عائلة أو أكثر في مخيم مادبا، وحالات في إربد والزرقاء وجرش والكرك، والانتشار الأبرز للظاهرة يظهر في ضواحي مختلفة من العاصمة، عمان، ولم يكتف انتشار التشيع بين الأسر والعائلات الفقيرة، فقد انتشر التشيع بين الشخصيات الأكثر تحصيلا للعلم، ويمتازون بمستوي ثقافي جيد، وأكثرهم من المتعلمين والدارسين، ووفق تقديرات غير رسمية هنالك عشرات الآلاف من الشيعة، شريحة واسعة منهم من الأثرياء والمثقفين. وهنا تبرز أيضا ظاهرة رفض تقودها من خلف ستار حركة الإخوان المسلمين والموالون لصدام حسين من بعثيي الأردن، وأدى ذلك إلى محاكمة ستة أردنيين بتهمة "الترويج للمذهب الشيعي وإثارة النعرات الطائفية"، عام 2009، كما استدعت السلطات الأمنية التي خصصت قسماً خاصاً لمكافحة التشيع في دائرة المخابرات شبابا بتهمة "التشيع"، وجرى فصل أستاذ جامعي ومستشار إعلامي وكاتب صحفي وعدد من الموظفين، من بينهم ضابط في سلاح الجو من الوظيفة بعد مجاهرتهم بالانتماء للمذهب الشيعي.
ومع ذلك فإن المملكة الهاشمية قد تكون من الدول العربية القليلة التي تُدرّس المذهب الإثني عشري في جامعتها، ورغم النفي الرسمي لانتشار "ظاهرة تشيع"، فإن هناك من يؤكد تزايد أعداد الشيعة، وبروزهم في المجتمع الأردني، وإقامة مشاعرهم الدينية في حسينياتهم التي افتتحت بشكل غير رسمي، أو على شكل بيوت تحولت إلى أماكن للالتقاء والمواعظ وأداء الصلوات، والاحتفال بعاشوراء والمآتم على الإمام الحسين.
وكانت شبكة (CNN) الأمريكية، أعلنت عن رفض السلطات الأردنية، مؤخرًا ثلاثة طلبات إيرانية لفتح باب السياحة الدينية للإيرانيين، ونقلت عن وزير الأوقاف قوله إن ثلاثة طلبات على الأقل تقدم بها مسؤولون إيرانيون رسميًا خلال عام أو أكثر، لتدشين هذه السياحة، إلا أنها قوبلت بالرفض، وبرر ذلك بقوله "إننا نتعامل مع المسلمين كأمة إسلامية واحدة على اختلاف أطيافها وتوجهاتها، ولا نرغب في خلق توترات وصراعات مذهبية، ونحن مع تجمع الأمة الإسلامية بمختلف مذاهبها وطوائفها".
يرى البعض أن التمدد الشيعي في الأردن هو محض سياسي، تأثراً بالإنتصارات الشيعية التي جسدها حزب الله اللبناني في حربه ضد إسرائيل عام 2006، ويأتي من يرفع صوته في الداخل الأردني مُحذراً من التمدد الشيعي ليس السياسي فحسب، بل كذلك الديني مع تزايد لافت لأعداد المتشيعين في الأردن، معتبرين أن التشيع المُشار إليه، ليس تأثراً فقط بإنتصارات حزب الله اللبناني الشيعي، أو من قبيل التأثر المؤقت، إنما لإزدياد حركات التشيع السريّة في الأردن، التي باتت تستهدف البؤر الفقيرة لإستمالة القاطنين فيها الى المذهب الشيعي، حيث يسمون لاحقاً بإسم "المستبصرون".
صحيح أن الإنتباه الرسمي الأردني لهذه المسألة جاء من زاوية سياسية وليس دينية في العام 2006، لكن الصحيح أيضاً هو حقيقة وجود شيعة في الأردن منذ سنوات طويلة جداً في قرى أردنية وأن أعدادهم ليست بسيطة، إلا أنه بعد العام 2006 كثر الحديث عن تزايد أعدادهم في الأردن، لكن هناك من يخلط بإستمرار بين التشيع الديني، والتشيع السياسي القائم على نموذج الإعجاب المتزايد بكيانات شيعية مثل إيران وحزب الله اللبناني، في مقارعة الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل.
وبشكل عام, فإن المتشيعين في الأردن يمتازون بمستوى ثقافي جيد، وأكثرهم من المتعلمين والدارسين. مقارنة بجماعات التكفير والقاعدة التي يتسم أفرادها بضعف التحصيل العلمي والمعرفي، ويتسمون في الأغلب بقلة الاطلاع والدراسة وضحالة الجدل والمحاججة، والمؤسف أن بعض أهالي مدينة الكرك الجنوبية تحرك لمنع المئات من الشيعة العراقيين زيارة مراقد لصحابة وأئمة تتواجد في المدينة الجنوبية، رغم أن المدينة ذاتها شهدت في سنوات سابقة إحياءاً لذكرى مقتل الإمام الحسين، إذ أبرزت وسائل إعلام أردنية لقطات لأردنيين من الشيعة وهم يطبرون رؤوسهم ويلطمون، إلّا أن الصور الملتقطة أظهرت ضآلة الأعداد، وربما هذا هو السبب الذي كمن وراء عدم تحرك السلطات الرسمية الأردنية بشكل رسمي للتصدي للظاهرة.
وبرزت حالة الرفض الشعبية للوجود الشيعي في الأردن عندما أقدم مصرف أردني تحول الى النظام الإسلامي بأموال إماراتية، إلى إدراج عبارة "علي ولي الله" في أحد إعلاناته التجارية الكثيفة، فشنّت وسائل إعلام هجوماً واسعاً على إدارة المصرف، وهو ما دفعه إلى الإعتذار، وإعتبار ما حدث هفوة يتحملها الوكيل الإعلاني الذي أدار الحملة الإعلانية.
بالتزامن مع إنشاء شيعة الاردن صفحة على الفيسبوك، تشكلت في الجنوب هيئة لمقاومة التشيع في الكرك التي يقع فيها مزار جعفر بن أبي طالب، وما يمثله من رمزية لأبناء الطائفة الشيعية، وهو أمر غريب وغير مقبول وغير منطقي لا دينياً أو قانونياً وحقوقياً، كما يقول احد المتشيعين وهو يكشف أنه لا يوجد أحد متهم بالتشيع في الأردن إلا وعانى من الضغط الأمني ومن خلال الاستدعاءات المتكررة، ويستذكر أنه استُدعي لأكثر من مائة مرة، وغيره الكثير مر بنفس ما مر به. ويؤكد أن هناك أعداداً من الأردنيين المتشيعين في كافة المحافظات، ولا توجد منطقة أو حي أو قرية إلا وهناك من يؤمن بالفكر الشيعي لكنهم لا يفصحون، لأن البلد بات مؤخراً موبوءاً بالتطرف بحكم انتشار المذهب الوهابي والتأثير السعودي.
ثمة سؤال عن مصدر القلق الأمني من ظاهرة التشيع؟ والجواب أن هناك عدة مستويات أمنية في النظر إلى هذه الظاهرة. الأول يرتبط بالظاهرة في سياقها الأمني بعيداً عن المنطور السياسي الكلي والإقليمي، فظاهرة التشيع، مقلقة بحد ذاتها، لأن الأردن دولة سنية، لا يوجد فيها مشكلة طائفية أو مذهبية في الأصل، والتشيع الحالي وافد وجديد، ويدفع إلى التساؤلات عن أهدافه وأبعاده ومراميه، فمن واجب المؤسسة الأمنية أن تقلق، وأن تدرس الظاهرة، بخاصة أنها في انتشار، ربما تشكل حالياً بضع مئات، لكن إذا أصبحت مستقبلاً بالآلاف سيصعب التعامل معها، والحد منها، فالأولى متابعتها ومحاصرتها منذ الآن، كما أنّ واقع الخلافات الطائفية والمذهبية في العالم العربي والإسلامي مقلق، فهي في الأغلب الأعم مدعاة للتوترات الأمنية والمشكلات والمواجهات بين أتباع الطوائف والمذاهب، والأردن، وفقاً للرؤية الأمنية، في غنى عن الدخول في هذا المجال القلق والمضطرب، أما المستوى الثاني فهو الموقف من التشيع مذهبياً، فجماعة الإخوان المسلمين كانت على مدار العقود السابقة إحدى أبرز الجماعات والقوى "السنية" الرئيسة في العالم العربي والإسلامي وفي الأردن على وجه الخصوص، وهي المكافئ أو الموازي السني للحركة الإسلامية الشيعية, واذ نعترف أن هنالك خلافات عقدية وفقهية وفكرية واسعة بين السنة والشيعة، فإن السنة يخشون من تشيع الشباب المسلم الذين لم يتلقوا تعليماً وتدريساً منهجياً سنياً "إخوانياً" كافياً، لكن المهم أنّ الهاجس الأمني الرئيس يأخذ بعداً استراتيجياً أخطر في قراءة ظاهرة التشيع والنفوذ الإيراني، فإذا تدهورت الأوضاع الأمنية والسياسية في المنطقة على خلفية أزمة البرنامج النووي الإيراني، وفي ظل تحالف قوى إسلامية رئيسة مع إيران فإنّ هذا المعسكر سيرفع راية العداء لأميركا وإسرائيل، وهي الراية التي يمكن بسهولة أن تجمع وراءها شرائح واسعة من المجتمعات العربية، بخاصة المجتمع الفلسطيني، في سياق فراغ استراتيجي في المنطقة ناجم عن فشل المشروع الأميركي في العراق، وعجز النظام الرسمي العربي عن مواجهة التحديات الرئيسة في مقدمتها القضية الفلسطينية. والواضح اليوم أن الاستراتيجية الأمنية في التعامل مع الشيعة والمتشيعين تنطلق من المنظور الأمني المحض، بعيداً عن الأضواء، وينفي بعض المسؤولين الأمنيين أن تفكر المؤسسة الرسمية باللجوء إلى الحركة السلفية لمواجهة التشيع والحد منه، على الرغم أن عدة جماعات وحركات دينية عرضت القيام بهذا الدور، إلا أن المؤسسة الرسمية تفضل التعامل مع الظاهرة من خلال بناء قاعدة معلومات صلبة حول الشيعة الناشطين في عمان، وتؤكد مصادر أمنية أن من تثبت له علاقة بنشاط تبشيري شيعي يرحّل على الفور، وهو ما حدث بالفعل مع عدد من العراقيين، أما المتشيعون الأردنيون فيخضعون للتحقيق وتتم مراقبتهم للتأكد من عدم قيامهم بنشاطات تبشيرية. كما ذكر بعض أصحاب المكتبات في وسط البلد أنّ الأجهزة الأمنية قامت بتفتيش المكتبات في الآونة الأخيرة بحثاً عن الكتب التي تناصر التشيع أو تدعو له.
تختلف السياسية في تقييم الأبعاد الأمنية والسياسية لظاهرة التشيع، فالبعض يوافق على أن ظاهرة التشيع، وإن كانت محدودة إلى الآن، فإنها تمثل أداة ورأس حربة إيرانياً في حال تجذرت حالة الاستقطاب ودخلت إيران والولايات المتحدة في مواجهات إقليمية. ويميز هؤلاء بين التشيع الديني والسياسي ويرون أنّ الحالة الأمنية ستكون مهددة بالفعل، إذا ما صحّت معلومات "أمنية" عن وجود خلايا تابعة لإيران في الأردن، ستكون فاعلة إذا ازداد التوتر في المنطقة وتعززت حالة الاستقطاب الإقليمي، بينما لايرى آخرون أسباباً مقنعة في التخوف الرسمي الأردني من النفوذ الإيراني، ويرون أن ذلك يأتي مساوقةً واضحة للمشروع الأميركي في المنطقة، من خلال خلق ما يسمى بـ"إيران فوبيا"، والترويج أن الخطر الحقيقي هو إيران وليست إسرائيل. مع أن الحقيقة أن الخطر الذي يتهدد الأردن، هو من إسرائيل، ويرون أن الأردن غير معني بخطر التشيع والنفوذ الإيراني، فدون ذلك حواجز جغرافية وديمغرافية، وعلى دول عربية أخرى أن تقلق من هذه الظاهرة وتفكر فيها وليس الأردن، بل على النقيض من ذلك فإن من الخطورة بمكان خلق مشكلة أمنية وسياسية مع إيران والقوى الشيعية في المنطقة، ووضع الأردن في مقدمة حالة الاصطفاف الإقليمي وفي المعسكر المقابل.
والمهم أن المجتمع الأردني غير محصن من خطر التشيع، "إن اعتبرناه خطراً"، إذ علينا التفريق بين التشيع السياسي والديني، وإن كانت الظروف السياسية الحالية في المنطقة "مواقف حزب الله وطهران" تستقطب اهتماماً وإعجابا في الأردن، في سياق الضعف الواضح والمشهود لمواقف النظم العربية. فإن المتخصصين بالفرق والتيارات الإسلامية، يرون أن مدخل مواجهة التشيع أردنياً يتمثل بإعادة النظر في المواقف السياسية الاستراتيجية، والاصطفافات الإقليمية، بحيث تأخذ الحكومة مسافة واضحة عن السياسية الأميركية. إذ أن التشيع الذي ينتشر اليوم في العالم العربي، وفي الأردن، على وجه التحديد هو تشيع سياسي ثقافي أكثر منه تشيعاً عقديا أو مثولوجياً، فكثير من الناس يتأثرون بالظروف السياسية ومواقف الأطراف المختلفة أكثر من تأثرهم بالعقائد والخلافات المذهبية، وتكون المواقف السياسية بمثابة المدخل للولاءات السياسية والمواقف الدينية، ومن المعروف تاريخياً أنّ الشيعة كانت فرقة سياسية قبل أن تتحول إلى مذهب عقائدي.
-----------------------------------------
--------------------------------------------------------- شيعة السعوديه بين إخوان الوهابيين وشيعة آل البيت لاتتوفر إحصاءات رسمية عن عدد الشيعة في السعودية, غير أن بعض التقارير الدولية تُقدر عددهم بمليوني نسمة تقريباً، يمثلون نسبة 10-15 في المائة من إجمالي السكان, يتركزون في المنطقة الشرقية من المملكة الغنية بالنفط، ويشكلون أغلبية السكان في هذه المنطقة، ولاسيما في القطيف والأحساء، كما تعيش أقلية شيعية في مناطق أخرى، مثل المدينة المنورة، بالإضافة إلى الشيعة الإسماعليين من أبناء قبيلة "يام" في منطقة نجران في الجنوب، الذين تتفاوت التقديرات في عددهم. وتتراوح بين 100 و700 ألف، كما ينتشر الشيعة الزيديون في مناطق عدة في الجنوب ولا توجد تقديرات لعددهم، ويغلب على شيعة السعودية، وخصوصاً في المنطقة الشرقية، المذهب الإمامي، الذين يؤمنون بأئمة الشيعة الإثنى عشر، ويرجع شيعة المملكة إلى أصول وجذور عربية، ويعود تاريخ وجودهم في شرق الجزيرة العربية إلى أواخر القرن الثالث الهجري، حين أقام القرامطة الإسماعيليون في هذه المنطقة دولتهم. ومنذ ذلك التاريخ وحتى تأسيس الدولة السعودية الحديثة، مثلت هذه المنطقة مركزاً شيعياً روحياً مهماً، فكانت القطيف تسمى "النجف الصغرى" لكثرة الحوزات العلمية فيها. يتمركز شيعة الجزيرة العربية في شرقها، وتاريخهم فيها قديم، يعود إلى عهد الإمام علي ابن أبي طالب، وتميزت المنطقة باندلاع الثورات والانتفاضات المبكرة ضد الدولتين الأموية والعباسية، وشيعة المنطقة الشرقية إجمالاً من الحضر المستقرين الموجودين منذ قرون عديدة ضمن مدن وقرى حضرية، ويمارسون مهناً ثابتة مثل الزراعة والحرف والصيد، وبالتالي فإن الأنماط الاقتصادية للعلاقات القبلية وكذلك أعرافها وعاداتها وقيمها ضئيلة الحضور، وهم في غالبيتهم ينحدرون من قبائل ربيعة وبني خالد، ففي المنطقة الشرقية ينتمي الشيعة مذهبياً إلى الإمامية الجعفرية، وكذلك شيعة المدينة "النخاولة"، بل إن الأشراف وهم سادة بني هاشم في المدينة ومكة، وينحدر من سلالتهم الأسرتان الهاشمية والعلوية الحاكمتان في الأردن والمغرب، كانوا ينتمون وبعضهم لا يزال للمذهب الشيعي. كما أن هناك وجوداً شيعياً بين قبائل حرب وجهينة، وفي منطقة ينبع البحر وهم من الشيعة الكيسائية. أما الشيعة الإسماعيليون فينتشرون في الجنوب وبخاصة في نجران بين قبائل يام، كما ينتشر الشيعة "الزيود" في مناطق عدة من المنطقة الجنوبية والغربية. تتمثل أهمية العامل الشيعي في الحياة المعاصرة للسعودية، في كون المنطقة الشرقية تحتوي أكبر مخزون نفطي في العالم، بجانب وجود كميات هائلة من الغاز، ويمتلك شيعة الشرقية التواصل والارتباط الوثيق بمناطق الوجود الشيعي "الكثيف" في المناطق المجاورة، مثل العراق وإيران والشام والكويت والبحرين وغيرها من دول الخليج العربي، لكن هذا التواصل والتداخل لا يعني بأي حال تبعية شيعة المملكة لمركز أو دولة معينة أخرى من منطلق ولاء سياسي ومذهبي. فتاريخ التشيع في الجزيرة يعود إلى حوالي 1400 سنة في حين أن إيران الشيعية المعاصرة يعود وجودها إلى حوالي 500 سنة "الحكم الصفوي". وفي الواقع فإن علماء الشيعة من البحرين التي تشمل القطيف والأحساء، كانوا يمتلكون حوزتهم (مدارسهم) الدينية الخاصة منذ زمن سحيق. وقد أطلق على مدينة القطيف مسمى "النجف الصغرى" لكثرة الحوزات الدينية فيها، واستمرت هذه الحوزات تعمل بنشاط حتى بدايات قيام الحكم السعودي. لعبت حركة الإخوان منذ تأسيسها (1915) دوراً حاسماً في توطيد سلطة الملك عبد العزيز، وكانت تمثل الذراع العسكري والمظلة الأيدولوجية في تأسيس وتوحيد المملكة، واتسمت حركة الإخوان منذ بداية تأسيسها بالتشدد والتزمت الديني والمسلكي الذي يصل إلى حد التكفير، والاستئصال للآخر المختلف ضمن الدائرة الإسلامية، بما في ذلك المذاهب السنية الأخرى. غير أن رأس رمح هذه الحركة كان متجها ومسلطا على نحو متطرف ضد الشيعة على وجه الخصوص، الذين اعتبروا في نظرهم في منزلة الكفار، الذين يجب إخضاعهم للتوبة والعودة إلى صحيح الإسلام، أو إعمال السيف في رقابهم، ومعاملتهم بأدنى من معاملتهم للذميين. وأدت هذه الممارسات إلى أن يعيش الشيعة محنة شديدة، حيث تم إغلاق مساجدهم ومنعهم من ممارسة شعائرهم وفرض عليهم إعادة تأكيد إسلامهم على يد شيخ غالباً يكون جاهلاً، ولا يفقه في أمور الدين يُفرض من قبلهم ويقوم بإمامتهم في الصلاة، إلى جانب تدميرهم لمقابر آل البيت والأولياء، بل وحتى القبور العادية بحجة العودة إلى ينابيع الإسلام الصحيح. كما شددت ضدهم الإجراءات الاقتصادية ومنعوا حتى من ممارسات بسيطة وعادية مثل التدخين الذي اعتبروه من الكبائر وهو مما أدى إلى هجرة أعداد كبيرة منهم إلى دول الجوار. لم يكن للشيعة أي توجهات طائفية وفئوية أو تقسيمية بل كانوا منخرطين بقوة في النشاط السياسي والمطلبي العام إلى جانب بقية المواطنين، وذلك من منطلقات وطنية وقومية ويسارية سائدة آنذاك، ولم يكن النزوع الشيعي الفئوي في مظهره يعني تبني وتجذر الميول الانقسامية والطائفية لديهم، وإنما هي نتاج حالة عامة شهدتها المجتمعات والبلدان العربية قاطبة، إثر انهيار المشروع النهضوي العربي بمكوناته واتجاهاته المختلفة، بما في ذلك فشل الأنظمة والخيارات الليبرالية والقومية واليسارية، ووصولها إلى درجة الأزمة والطريق المسدود، غير أن فشل الدولة العربية الحديثة وتآكل مشروعيتها أدى إلى انبعاث مختلف الولاءات والانتماءات القديمة الفرعية التقليدية كالقبلية والعشائرية والإثنية والدينية والمذهبية، وعلى هذا الصعيد فإن الشيعة يندرجون ضمن هذه الحالة العامة للمشهد العربي. لعب رجال الدين الشيعة أدواراً مهمة في صياغة العلاقة بين مجتمعهم والدولة السعودية منذ نشأتها، فقد كانوا في أغلب الأحيان يتصدون لقضايا مجتمعهم ومطالبه، ويتواصلون مع مسؤولي الدولة لهذه الأغراض. ورغم تباين وجهات نظرهم السياسية وتقييمهم للواقع الاجتماعي، فإن معظمهم انتهى إلى التوافق مع النظام السياسي القائم والتعاطي معه، ورفض التعامل مع الأنظمة المنافسة في المنطقة، سواء أكانت الأتراك أو الإنجليز الذين كان لهم حضور بارز في مناطق الشيعة، وكانوا يدفعون هذه الطائفة باتجاه التحالف معهم بدلاً من نظام الحكم السعودي، ويلاحظ أن المطالب التي كان علماء الشيعة يتقدمون بها طوال هذه المرحلة تتركز على ضمان حرياتهم الدينية ومساواتهم مع المواطنين الآخرين في قضاياهم الاقتصادية والسياسية. ومن أبرز علمائهم الشيخ محمد بن ناصر النمر. و اشتهر بمعرفته بالطب وعلوم الفلك والهندسة، ودرس على يديه مجموعة كبيرة من العلماء بعد عودته لوطنه، والشيخ حسن علي البدر والشيخ علي بن حسن الخنيزي والشيخ موسى بن عبد الله ابو خمسين والشيخ عبد الحميد علي الخطي والشيخ باقر موسى ابو خمسين والشيخ محمد سلمان الهاجري والسيد حسن باقر العوامي والشيخ عبد الهادي ميرزا الفضلي. منذ بدايات الدولة السعودية الحديثة وعلاقة النظام الحاكم مع الشيعة في السعودية تتسم بالتوتر والاضطراب، ما بين تمييز طائفي، ومطالبات بحقوق غائبة، واتهامات بعلاقات خارجية تثير الفتنة وتؤجج الاحتجاجات داخل المملكة العربية السعودية، ويتعرض الشيعة لسياسات توصف بأنها تمييزية، وتعيش المناطق الشيعية على هامش الحياة السياسية والاجتماعية السعودية. تدريجيًا تحوّلت حالة الإحباط واليأس من الإصلاح إلى حالة من الغضب، ففي عام 2009 شهدت المدينة المنورة أعمال شغب، حين اندلعت اشتباكات بين حجاج شيعة وأفراد من هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التابعة للنظام، بعدها دخلت قوات الأمن إلى الأحياء الشيعية في المدينة، وقامت بضرب السكان واعتقالهم، ثم جاءت التصريحات الرسمية تؤكد أن المملكة العربية السعودية تتبع مذهب أهل السنّة، وعلى الشيعة في المنطقة الشرقية أن يحترموا هذا المذهب، وهو ما أثار غضب الشيعة في المنطقة الشرقية، وانطلقت التظاهرات في القطيف والعوامية والصفوة وفي عام 2012 توصّل النظام السعودي إلى عدة نتائج منها الإفراج عن جميع السجناء السياسيين، ووضع حد لعمليات الاعتقال التعسّفي، والاعتراف بالقوانين الشرعية للشيعة الجعفرية، ومنح الشيعة تمثيلًا في هيئة كبار العلماء، وغيرها من النتائج التي استطاع بها النظام السعودي احتواء الأزمة، واستطاعت بالفعل إفشال الاحتجاجات إلا أنها لم تحد من أزمة الشيعة في السعودية. ظهرت انقسامات في الصف الشيعي حول المسار الإصلاحي وجدواه، إلى أن أعلن حمزة الحسن، أحد منظري منظمة الثورة الإسلامية، والمقيم الآن في لندن، تشكيل "حركة خلاص في الجزيرة العربية"، ومع استمرار الاشتباكات زادت شعبية رجل الدين آية الله نمر باقر النمر، وهو معروف بآرائه الرافضة للنهج التشاركي للإصلاحيين، وانتهى الأمر باعتقال النمر وعدد من أنصاره، وفرض حالة من حظر التجول في العوامية. بعد فشل الاحتجاجات الشيعية، بدأ الشباب في تكوين شبكات تعمل على المطالبة بتحقيق أهدافهم، وأهداف الإصلاحيين من قبل، ومنها ائتلاف الشباب الأحرار، وشباب الحراك الرسالي، ومجموعة التضامن الإسلامي، وأحرار سيهات، وأحرار تاروت، وقطيفيون، والمجموعة النسائية زينبيات قطيفيات، والمجموعة صاحبة الشعبية الأكبر ثورة المنطقة الشرقية. تشير تقارير أصدرتها منظمات دولية وعربية إلى أن أبناء الأقليات الدينية في السعودية يعانون بشكل عام من سياسات حكومية تقيد حرية التعبير والمعتقد، وتقول منظمة هيومن رايتس ووتش المعنية بحقوق الإنسان إن أبناء الطائفتين الشيعية والإسماعيلية يعانون تمييزا يصل في بعض الأحيان إلى حد الاضطهاد، وقد يتعرض من يفصح عن معتقداته الشيعية بشكل سري أو علني إلى الاحتجاز أو الاعتقال، وخاصة في الحرم المكي والمدينة، وتضيف المنظمة أن التمييز الرسمي ضد الشيعة يتضمن "الممارسة الدينية، والتربية، والمنظومة العدلية"، فيما يعمد المسؤولون الحكوميون إلى إقصاء الشيعة من بعض الوظائف العامة والرفض العلني لمذهبهم، ويتفق ناشطون من المذهب الشيعي على أن التمييز هو أهم مشكلة تواجه الشيعة في مملكة الوهابيين. وفي المقابل، يقول آخرون إن معتنقي المذهب الشيعي يتمتعون بمناصب حكومية رفيعة وهم في مراكز متقدمة جداً، وأن الذين يتحدثون عن تمييز هم قلقة قليلة يتبنون سياسات وأجندات خارجية، وأن الذي يتجول في المناطق التي يشكل الشيعة غالبية فيها، يجدها من أفضل المناطق، فمدينة القطيف وحتى مدينة العوامية من أجمل المناطق في البلاد . وإن حقوق الجميع مكفولة في المملكة، وأن شريحة كبيرة من الشيعة يشغلون وظائف في القطاع الطبي والمالي والقطاعات الأخرى، وأن ضعف أو انعدام تمثيل أبناء الطائفة الشيعية في أجهزة الأمن والجيش يعود إلى طبيعتهم في الأساس. فهم يعزفون عن مثل هذه القطاعات. ويجمع الناشطون الشيعة على أن الحل يكمن في مشاركة الحكم والسلطة وإعطاء أبناء الطائفة الشيعية وبقية الأقليات في البلاد حقوقها العادلة، ووضع آليات وتبني سياسات تعزز روح المواطنة وتشيع الاحترام بين طبقات المجتمع وتمنع تجاوز مواطن على آخر دون عقاب. يعيش الشيعة الذين يعانون من ممارسات التمييز غير القابلة للتبرير من قبل الحكومة السعودية، في حالة من الفقر في أكثر المناطق الغنية بالنفط في هذا البلد، وبالنظر إلى نسبة هذه الاقلية اللافتة حصلوا على الوعي السياسي الضروري خلال السنوات الأخيرة وعقب انتصار الثورة الإسلامية في إيران، وسيرحبون بأي تحول وتغيير يساعد على إحقاق حقوقهم وتلبية مطالبهم. ورغم ضرورة الأخذ بالحسبان أي تحليل وإيضاح لحالة الشيعة في السعودية يجب أن يتم بالتزامن مع دراسة آليات وقوة المؤسسات التابعة للمعارضة الشيعية، لكن زيادة انتظار الشعب والمحاولة للحصول على نسبة من الاستقلال من جهة وإصرار الحكومة في حصر المناصب الحكومية للأسرة الحاكمة وحلفائها من جهة أخرى يحفظ اتخاذ جميع الخيارات للمجموعات المحرومة. ورغم فرض الأسرة الحاكمة قيوداً، وفرض بعض ممارسات التمييز بحق الشيعة بالتناوب لغاية ما، لكن الحقيقة هي أن النخب وقادة الشيعة يعترفون بأن أي تغيير يجب أن يطرح ويتابع بالنظر إلى الحقائق الاجتماعية والسياسية في السعودية والمجتمع الشيعي ليتمكن من أن يكون له تأثير كبير. وبناء على ذلك، فإن الحصول على مزيد من التضامن من قبل الشيعة يستلزم خطوات جدية من قبل الحكومة حول تواجد الشيعة في المؤسسات الرسمية وتقليل القيود المتبقية أمام تنفيذ الشعائر الدينية ومواجهة مناهضة الشيعة، كما يمكن للحكومة إجراء حوارات وطنية وتأسيس مركز للحوار بين الطوائف، وفي المقابل فإن بإمكان الشيعة طرح مطالبهم عبر الحديث عن قضايا كالحفاظ على وحدة البلاد والوحدة الوطنية والامتناع عن الطائفية والمشاركة في العملية الوطنية. ------------------------------------------------------------------- |
شيعة الامارات
بلد التسامح وقبول الآخر
تقدر نسبة الشيعة بنحو 15 في المائة من إجمالي عدد سكان دولة الإمارات، الذي يبلغ نحو 5 ملايين، ويشكل نسبة غير المواطنين منهم نحو 85 في المائة، في حين أن مصادر أخرى تقول إن نسبة الشيعة لا تزيد عن 10 في المائة. ويتركز الشيعة في إمارات دبي والشارقة وأبوظبي، ولهم وجود محدود في بقية الإمارات. ويغلب على المجتمع الشيعي في الإمارات مذهب الإمامية، وتتنوع أصولهم الإثنية القومية إلى عرب، جاؤوا من شرق الجزيرة العربية والإحساء والقطيف, ومن البحرين جاء البحارنه وإيرانيون أو من عجم السعودية والإشكنازيون الذين انتقلوا من حيدر أباد في الهند إلى سلطنة عمان ومنها إلى الشارقة ودبي. ويذكر أنه توجد في الإمارات، وفي معظم دول الخليج العربية، قبائل تسمى الهولة "وهي تحريف عن الحولة"، والتي كانت تاريخياً تستوطن الساحل العربي من الخليج. إلا أنها انتقلت منذ قرون بعيدة إلى الساحل الفارسي، وفي القرنين التاسع عشر والعشرين عادت واستقرت في الساحل العربي مرة أخرى، ومع أن هذه القبائل يطلق على أفرادها وصف "العجم" أحياناً، إلا أنها قبائل عربية القومية وسنية المذهب، ومنها قبيلة آل علي، وآل حماد، والملا، وخوري.
وفضلاً عن المواطنين الشيعة، يقيم في الإمارات أيضاً عدد كبير من الإيرانيين الشيعة، الذين هاجر أغلبهم إليها بعد الثورة الإيرانية. ويقدر عددهم بنحو نصف مليون، يتركز معظمهم في دبي، التي يقيم فيها أيضاً عدد من أتباع طائفة البهرة (التي تنتسب إلى المذهب الإسماعيلي)، ولا يعرف عددهم في دبي على وجه الدقة، إلا أن مصادر تقدرهم بعدة آلاف، ومعظمهم يحمل التابعية الهندية والباكستانية.
وتعتبر كافة جوامع الشيعة وحسينياتهم ومآتمهم ملكاً خاصاً، ولا تتلقى أي تمويل من الحكومة، وتتبع في إمارة دبي مجلس الأوقاف الجعفرية الخيرية، المشكَّل بمرسوم من حاكم دبي السابق، الشيخ مكتوم بن راشد. ولا يتم تعيين الأئمة لمساجد الشيعة من قبل هيئة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ولكنها تراقب كل خطبهم عن كثب. ومن أبرز المساجد والمآتم الشيعية في دبي، مسجد الإمام علي، الذي يعد أقدم مساجدهم في الإمارة، وبالقرب منه يقع مأتم الحاجي ناصر، الذي أقيم في أواخر القرن التاسع عشر، ومأتم الكراشية. ورغم أن منهاج الدراسات الإسلامية المتبع في المدارس الحكومية يدرِّس المذهب السني فقط، إلا أنه لا ينال من المذاهب الإسلامية الأخرى.
في أبو ظبي يعود التواجد الشيعي إلى أوائل القرن العشرين متأخراً عن دبي والشارقة, وذلك لكون المنطقة جغرافياً وتاريخياً مجاورة لإقليم البحرين الكبير الذي يشمل جزر البحرين الحالية وقطر والإحساء والقطيف حتى الكويت وجنوب البصرة كما ورد في الوثائق، كما أن مقابلتها لإيران من جهة الخليج يعطي عاملاً جغرافياً آخر لتواجدهم. هذا بالإضافة إلى أن قدوم هؤلاء الشيعة كان أساساً لمزاولة التجارة بحكم الموقع الممتاز لتلك المنطقة على الخارطة التجارية.
وينقسم الشيعة في أبوظبي إلى "البحارنة"، الذين يشكلون الأغلبية الساحقة من شيعة أبوظبي وهم قادمون من إقليم البحرين، ومن عائلاتهم المعروفة هناك: الفردان، النويس، الهندي، الخضر، الصايغ، النجاس، آل جعفر، آل محسن، المنصور، الحداد، المطوع، أبو حليقة، مكي، و"العجم"، وهم في المرتبة الثانية من حيث العدد بعد البحارنة وقد قدموا بحراً من إيران ومن عائلاتهم المعروفة: خوري، لاري، العبيدلي، النجار، بقلر، عزيز، صفر. و"اللواتيا"، وبعض رواياتهم تشير إلى قدومهم من جهة الهند, والبعض الآخر يشير إلى كونهم من جذور عربية وهاجروا للهند ثم عادوا منها، ومن عائلاتهم: كشواني، لوتاه، طه، سجواني. هذا بالإضافة لوجود محدود من بعض العائلات البلوشية والهولية وقلة من الزنجباريين.
وهنا يجب الإشارة إلى السادة الأشراف حيث أن معظمهم إن لم يكن جميعهم هم من السادة الموسوية ذرية الإمام الكاظم موسى بن جعفر، ويتوزعون على عدة فروع، كثير منهم أساساً من عمان وبعضهم من البحرين.
وأما المقيمين فان الجالية الباكستانية هي الأكثر عدداً في أبوظبي، وأكثرهم من قومية الپشتون, يليهم الپنجاب ثم الملتان أو (السرايكي) كما يعرفون وكذلك السنديون، وبالطبع لا ننسى الجالية الهندية التي لا تمييز كبيراً بينها وبين جارتها الباكستانية. أما الجالية الإيرانية في أبوظبي فمعظم أفرادها تجار، وهو أمر طبيعي لأن معظم المهاجرين الإيرانيين للخارج هاجروا للتجارة، خصوصاً من بندر عباس وشيراز وبلوشستان والعاصمة طهران، بينما الجالية الأفغانية يعمل معظم أفرادها في الصناعة والصيانة خصوصاً ورش صيانة السيارات، وهم ميكانيكيون محترفون علماً أن غالبيتهم من قومية الهزارة، ولا يوجد إلا قليل منهم من قوميتي الطاجيك والپامير. وبالنسبة للجاليات العربية، فالجالية العراقية ضخمة العدد ويعود ازدياد عددهم في الفترة الأخيرة إلى ويلات الحرب التي عانى منها العراقيون.
ومن مساجد الشيعة في أبوظبي مسجد الإمام علي بن أبي طالب، ومسجد الرسول الأعظم، و مسجد الحاج عيسى يوسف المحفوظ، و مسجد جعفر بن أبي طالب، وهو أقدم المساجد الأربعة الموجودة، إذ بناه وجهاء الشيعة في أبوظبي عام 1940، ومن المآتم والمراكز مأتم البحارنة الكبير، ومأتم الحاجة زمزم، ودار فاطمة الزهراء، والمركز الحسيني.
يجسد شيعة الإمارات أكثر حالات الاندماج نجاحاً في منطقة الخليج، فلم يشهد المجتمع الإماراتي في تاريخه ما سمي بالمسألة الشيعية، التي شهدتها مجتمعات خليجية أخرى، مثل السعودية والبحرين والكويت. ومما ساعد على اندماج الشيعة أن مجتمع الإمارات يعد من أكثر المجتمعات الخليجية تسامحاً فيما يتصل بالأديان، وأشدها تنوعاً في الأعراق والأقوام والثقافات.
وتقيم طائفة البهرة مجلس العظة السنوي لها بمناسبة عاشوراء في دبي، حيث شاركهم الاحتفال في أحد الأعوام زعيم الطائفة الدكتور محمد برهان الدين، الملقب بالسلطان، وحينها منحتهم حكومة دبي أرضاً لإقامة مركز لهم في الإمارة. وتعد هذه الطائفة من الطوائف الثرية، وذلك لاشتغال أتباعها بالتجارة، وتعني تسميتهم بالعربية "التاجر".
من أبرز المساجد والمآتم الشيعية في دبي، مسجد الإمام علي، الذي يعد أقدم مساجدهم في الإمارة، وبالقرب منه يقع مأتم الحاجي ناصر، الذي أقيم في أواخر القرن التاسع عشر، ومأتم الكراشية. وفي الشارقة يوجد لهم مسجد كبير إسمه الزهراء، وحسينية الزهراء، التي تعد من أقدم الحسينيات.
في دولة الامارات ومثل باقي المواطنين، لا يوجد للشيعة أحزاب أو جمعيات سياسية، إذ لا يسمح القانون في دولة الإمارات بتشكيل الأحزاب أو إقامة التجمعات السياسية.
ويذكر "تقرير حقوق الإنسان لعام 2005-2006"، الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية، أن هذه الأقلية "لا تشغل مناصب عليا في الحكومة الاتحادية"، وفي الواقع فإن توزيع الحقائب الوزارية الاتحادية يستند إلى حصص كل إمارة والثقل القبلي، بشكل كبير. وقد شغل أحد المواطنين الشيعة منصب وكيل وزارة الإعلام في السبعينيات، وهو الدكتور عبدالله النويس، الذي هو من بحارنة أبوظبي. ولم يترشح أي شيعي إلى مقاعد المجلس الوطني الاتحادي (البرلمان)، التي خضعت للانتخاب الجزئي، وغير المباشر عام 2006
تنعم الطائفة الشيعية بالازدهار الاقتصادي، فمعظم أفرادها يعمل في قطاع التجارة والأعمال الحرة. وتاريخياً، غلب على "البحارنة" في الإمارات الاشتغال بالتجارة والمهن البحرية وصناعة الحلي. ومن الشخصيات البارزة في المجتمع الشيعي الإماراتي، الشيخ عيسى بن عبد الحميد عيسى الخاقاني، إمام وخطيب الشيعة في العاصمة أبوظبي، وغدير ميرزا رئيس مجلس الأوقاف الجعفرية الخيرية بإمارة دبي.
تقام مراسم العزاء في مختلف مدن الإمارات العربية المتحدة تخليداً لذكرى تضحيات سيد الشهداء وأهل بيته وأصحابه، ويتخللها إلقاء الخطب والمراثي الحسينية. ففي مدينة دبي وغيرها يجتمع مئات الآلاف من محبي أهل البيت في الحسينيات ويخلدون فيها ذكرى الملاحم التي سطرها الإمام الحسين وأهل بيته وصحبه في اليوم العاشر من المحرم عام 61 هـ.
ثمة من يتحدث عن انتشار سريع وكبير لانتشار التشيع في دولة الإمارات العربية المتحدة حيث كان وإلى فترة قريبة نادراً ومحصوراً في بعض مناطق البلاد، وقد ساهم في نمو ذلك الحضور الانفتاح الاقتصادي الذي شهدته البلاد وتدفق عشرات المليارات الإيرانية إلى السوق الإماراتية, وبدا جلياً الوجود الكبير للشيعة في الإمارات والذي يتمثل بانتشار واسع للحسينيات والمآتم الشيعية في كل أرجاء البلاد، ولم يظهر شأن حقيقي للشيعة في دولة الإمارات إلا مع بدايات ثمانينات القرن الماضي، حيث أصبح ظهورهم جلياً في الحياة العامة هناك، وتذكر بعض الدراسات الغربية أن الشيعة باتوا يشكلون حالياً مابين 17 إلى 18بالمئة من عدد سكان الإمارات 2 بالمئة منهم فقط من أصول إماراتية.
شكل صدور قانون عام 1996 يعد المذهب الشيعي مذهباً معترفاً به في الدولة ولأصحابه الحق في ممارسة شعائرهم، متنفساً لبعض المؤسسات الشيعية لتنشط على أرض الإمارات التي تمددت كثيراً بعد صدور هذا القانون ليصبح لهم صولة وجولة في كل أرجاء البلاد، وتعتقد الحكومة الإماراتية أن شيعة الدولة مواطنون يختلفون عن نظرائهم في بقية البلدان العربية، وهم يؤدون واجباتهم كمواطنين ولهم الحق في ممارسة شعائرهم الدينية كما يشاؤون، وهم يعيشون في إطار مجتمع متسامح لايعرف التعصب الديني لا تمييز فيه بين أحد من المواطنين.
تزايد الحضور الإيراني في دولة الإمارات خلال السنوات الأخيرة، بقوة بشرية تزيد عن نصف مليون إنسان، يعملون برأس مال يزيد عن المائتي مليار دولار، في أكثر من 7 آلاف شركة تجارية في مختلف القطاعات، وخاصة في قطاع البنية التحتية والبناء والعمران وفي شتى المناطق الحيوية للدولة، وذلك ما جعل من شيعة الإمارات قوة اقتصادية مؤثرة لا يستهان بها، وأدى ذلك مع الوقت لدعم المد وانتشار الفكر الشيعي في البلاد، ويعتقد البعض أن الأيام القادمة وفي ضوء الوضع الحالي سيشهد تعاظما أكبر للقوة الشيعية التي أصبحت ماثلة للعيان في دولة الإمارات خاصة إذا علمنا أن الطائفة الشيعية هناك قوة ممنهجة تعمل وفق خطط استراتيجية مدروسة وموجهة من قبل الخارج وخاصة من قبل مرجعيات طهران، وقد تظهر تداعيات ذلك مستقبلاً على مختلف الجوانب, لاسيما أن التشيع مدعوم عقديا من التصوف النافذ بقوة في العاصمة أبوظبي.
يتبع