شباطية... و شباطيون

مفيد عيسى أحمد- فينكس:

كان عند جدتي عنزة ذات مزاج غريب - كمزاج المبدعين- تتأخر عن القطيع أحياناً و أخرى تسبقه، تشرد إلى اليمين و إلى الشمال، تحرن و لا يمكن تحريكها إلا جراً، تنط و تركض بشكل مفاجئ، و تنام حيث لا يجب أن تفعل و في وقت يجب أن تخرج بها من الزريبة، تهرب العنزات من خطر ما و تبقى هي واقفة، و أحياناً تذهب باتجاهه..  تلك العنزة كان اسمها "شباطية".

 لم يكن لبقية العنزات اسم، فقط هي من حظي باسم يميزها، و عندما سألت جدتي عن سبب ذلك، قالت: ألا ترى تصرفاتها، مثل شباط لا يمكنك أن تحذر ما الذي يمكن أن تفعله، ليس على أفعالها رباط..  

جدتي كذلك كانت تنتابها حالة غريبة أيضاً عندما يحل شهر شباط،  تقضي أغلب وقتها قرب المدفأة، تبدو مريضة و ذابلة، عندما تطلع الشمس تسارع إلى الجلوس خارجاً و تضع على رأسها غطاءً و هي تردد: "شمس شباط تعلم في البلاط"  و ما إن تتوارى الشمس حتى تسارع بالدخول إلى قرب المدفأة و هي تردد: "شباط ما على شمسه رباط" ما تلبث الشمس أن تعود و تكرر هي الخروج و تردد: "شباط مهما خبّط و لبّط بتتبقى فيه ريحة الصيف".

  تبقى هكذا حتى ينقضي شباط، حينها تردد: "راح شباط دزينا بقفاه المخباط" تنهض و كأنها برئت من مرض شديد، أو كأنها طائر الفينيق نهضت من تحت الرماد، و في إحساسها أنها ضمنت عاماً آخر من العمر، حتى شباط القادم، لكنها كانت تتحاشى أن تذكر هذه العبارة في السنة الكبيسية، فهي سنة صعبة كما كانت تقول، و شباط ينتقم فيها من العجائز الذين يرددون هذه العبارة بأن يطلب من آذار يوماً على سبيل الإعارة، فيقول: "خيي... يا خيي عيرني يوم" و لذلك يكون عدد أيام شباط  فيها 29 يوماً.

و الشباطية كحالة من التقلب و التخبط و الرعونة و عدم الاستقرار ليست حكراً على عنزة جدتي، فهي حالة نجدها في السياسة و الاقتصاد، في الفن و الأدب، و في الحياة الاجتماعية،  كما تتجلى بشكل جلي في القرارات الارتجالية غير القائمة على أسس صحيحة خاصة تلك التي تمس حياة المواطن.

الشباطية موجودة و الشباطيون أيضاً، و هو مصطلح يطلق على متقلبي المزاج؛ و هم كثر في أيامنا هذه نتيجة الظروف الحياتية  الشاقة.. و ربما نتيجة البطر و التنعم بالدعم كما تعتقد الحكومة و على هذا الأساس اتخذت قرارها الأخير بحجب الدعم عمن "لا يستحقه" و سلاماً أيها الشباطيون.