ذكريات طفولة
سمير جبارة
ذكريات لا تنسى من ماضٍ بعيد..
1. أواخر الخمسينات:
والدي و أعمامي يتحلقون حول الراديو القديم و يضعون أمامهم على الطاولة ورقة مرسوم عليها ملعب كرة قدم مقسم إلى مربعات بقلم الرصاص..
يتابعون من الراديو صوت المرحوم عدنان بوظو في نقل مباشر لمباريات كرة القدم..
كانت اصبع والدي تتنقل بين المربعات المرسومة مع صوت عدنان بوظو يقول: الكرة مع عزمي حداد في المربع الأول يمررها إلى أبو كربو في المربع الثالث.. بالطبع.. كنتُ أصغر من أن أفهم ما يفعلون..
---------------------------------------------------------
2. صيف عام 1960..
دخل أبي إلى بيتنا الشامي يرافقه عتّال يحمل صندوقاً كرتونياً كبيراً وضعه على الطاولة الكبيرة في صالون البيت..
بكلّ تأنٍّ أخرج والدي تلفزوين الفيليبس 21 بوصة من الكرتونة و وضع الفيش في الكهرباء..
بعد أن قرأ الكاتالوج.. ضغط على أحد الأزرار الأمامية.. بعد ثوانٍ حسبناها طويلة سمعنا صوت: تشششششششششششششششششششششش.. و ظهرت على الشاشة نقاط سوداء و بيضاء..
قال والدي: بعد أسبوع من اليوم سيبدأ الإرسال..
كان ذلك يوم 17 تموز 1960
-----------------------------------------------
3. 23 تمّوز 1960
بعد أسبوع كان نصف أهالي حارة المسك على الأقل (هي الحارة التي تقع بين باب توما و باب شرقي) في بيتنا قبل السابعة مساء..
في تمام السابعة ضغط والدي على الزر الأمامي.. بعد لحظات ظهرت صورة العلم يرفرف بالأسود و الأبيض مترافقاً مع نشيد الجمهورية العربية المتحدة..
نحنُ و عشرات الجيران تسمرنا مدهوشين عندما ظهر المذيع معلنا افتتاح البث التلفزيوني..
شو هاد؟؟ بني آدم يتحرك و يتحدث بالصوت و الصورة في هذا الصندوق العجيب؟؟
كان ذلك يوم 23 تموز 1960
--------------------------------------------------
4. 28 أيلول 1961
كانت الساعة قبيل السابعة صباحاً بقليل.. كنت جالساً في المربع التحتاني من بيتنا الشامي الجميل..
كان والدي يحلق ذقنه في حمّام الطابق العلوي..
طلب مني أن أشغّل الراديو ليستمع إلى صوت فيروز الذي كان يصدح يومياً قبل أخبار السابعة و الربع..
بدلاً عن صوت فيروز سمعنا لحن مارش عسكري حماسي..
ناداني والدي من الحمام :"يا سمير.. هاي إذاعة دمشق" ؟؟
نظرتُ إلى الابرة و قلت له: "نعم بابا.. اذاعة دمشق"..
نزل والدي الدرج بين الطابقين بسرعة و هو يقول:" الظاهر انقلاب".. بالطبع أنا لم أفهم ما تعنيه كلمة "انقلاب"..
كان صابون الحلاقة لا يزال يملأ نصف وجهه ألأيسر حين جلس ينتظر باهتمام صدور البلاغ رقم واحد..
----------------------------------------------
5. صبيحة 28 أيلول 1961..
كان والدي فرِحاً بالانقلاب الذي حصل يومذاك.. لكنّه كان يبدو متوتراً و قلقاً و هو يستمع إلى البلاغات العسكرية المرقمة..
عند صدور البلاغ رقم 7 قرر أن يقوم بجولة في مركز المدينة ليتأكد من صحّة ما نقلته إذاعة لندن عن قيام مظاهرات مؤيدة للضباط القائمين على الحركة..
كعادته اصطحبني معه و توجهنا مشياً على الأقدام بين حارات الشام الضيقة من باب توما نحو ساحة المرجة عبر القيميرية و سوق الحميدية..
كانت هناك مظاهرة تتوسط الطريق في شارع النصر تتوجه نحو ساعة المرجة عن طريق شارع رامي..
أحد المحامين المشهورين آنذاك كان يقود هذه المظاهرة و يسير في مقدمتها..
مشينا خلفها بحوالي 30 متراً على الرصيف..
قبل وصول المظاهرة إلى ساحة المحافظة انضمت إليها مجموعة أخرى من المتظاهرين و كان أحدهم يسوق حماراً..
عندما أصبح الحمار على مقربةٍ منّا تبيّن لنا أنّ المتظاهرين كانوا قد علّقوا صورة للمرحوم جمال عبد الناصر على ذنبه.. كانت الهتافات البذيئة تطال اسم الرئيس عبد الناصر و أخته و أمه..
عند وصول المظاهرة قرب مبنى البرلمان صدر البلاغ رقم 9 الذي أكد على تفاهم الضباط الانقلابيين مع المشير عامر..
اضطرب المتظاهرون و بدأوا بالتفرق.. بقي نصفهم تقريباً بقيادة المحامي المشهور..
تحولت الهتافات بقدرة قادر إلى تعييش للرئيس عبد الناصر و الهتاف له..
امسك والدي بيدي و قال لي: "يلا نرجع عالبيت.. هاد شعب دجّال"..
----------------------------------------
6. أحد أيام خريف 1962
كنتُ في الصف الخامس الابتدائي.. كان والدي يعمل في إدارة المعهد الفرنسي العربي - البعثة العلمانية الفرنسية (اللاييك)..
و كانت والدتي مدرسة لغة فرنسية في المعهد نفسه..
كانا يبقيان في المدرسة حوالي ساعتين بعد الدوام الذي كان ينتهي في الرابعة بعد الظهر: والدي ينهي أعماله المكتبية الادارية و والدتي تقوم بتصحيح الدفاتر..
أما أنا فكنتُ ألعب في الباحة بانتظارهما..
ملعب كرة السلة في المدرسة كان يشغله وحيداً تلميذٌ يعيد صف البكالوريا..
كان شاباً عملاقاً و نحيفاً يلبس ملابس رياضية و على قميصه السماوي ذي الرقم 5 كان اسم "دمشق"..
تدحرجت إحدى الكرات التي كان يلعب بها باتجاهي.. حملتها و ركضت نحوه لأعيدها له..
انحنى العملاق باتجاهي و سألني بلطف: شو اسمك؟؟
أجبته سمير جباره..
سألني: أنت ابنه للاستاذ جباره؟؟
قلت : نعم..
طلب مني أن ألتقط الكرات الثلاثة التي كان يسددها بالتتابع إلى السلة و أعيدها له..
فرحتُ كثيراً بالمهمة و قمتُ بها بسعادة غامرة.. و أصبحتُ أنتظر تأدية هذه المهمة في كلّ مرة يكون فيها هذا الشاب في الملعب قبل أن أتوجه إلى مكتب والدي في تمام الساعة الخامسة و الربع.. هذه كانت أوامر الوالد.
.
في أحد الأيام تأخرتُ في ملعب كرة السلة عن الوقت المحدد و أنا ألتقط الكرات و أعيدها للشاب الطويل..
نزل أبي إلى الباحة ليتفقدني ويصطحبني..
اقترب الشاب من والدي و حياه باحترام شديد.. قال له : ابنك يا أستاذ يبدو موهوباً.. لماذا لا تقوم بإشراكه في نادي الغوطة الرياضي حيث ألعب؟؟
سأله والدي: "كيف الجو الاجتماعي هناك؟؟ منيح؟؟"
أجاب الشاب: "ممتاز يا أستاذي.. و أنا بدير بالي عليه"..
في اليوم التالي.. و في الساعة الرابعة بعد انتهاء الدوام اصطحبني الشاب إلى نادي الغوطة و سلمني للمرحوم المدرب القدير توفيق ملص أبو أيمن الذي قادني إلى غرفة الادارة حيث دفعتُ ليرة سورية واحدة قيمة الانتساب و الاشتراك.. و ضمني إلى فريق الأشبال في النادي حيث تعرفت إلى أصدقاء كانوا يكبروني بثلاث سنوات أو أقل قليلاً أذكر منهم المرحوم راتب الشيخ نجيب و رياض قحف و حسان اسطواني ثمّ لاحقاً عبد المنعم جباره و غيرهم..
و بدأتُ عشقاُ لكرة السلة استمر معي حتى اليوم..
اسم تلميذ البكالوريا العملاق ذاك هو جوزيف سراكيدس.. الذي كان من ألمع نجوم سوريا الدوليين آنذاك..