ماذا فعل أبي ليُعاقَب حتى بعد موته؟
مزن مرشد
عندما ذهب أبي إلى الحرب عام ١٩٧٣ لم يكن عسكرياً، ولم يكن بعثياً، ولم يكن ممن يهتفون للطغاة. كان شاباً في الحادية والثلاثين، خريج كلية الآداب قسم التاريخ، موظفاً يحلم بالسفر لإكمال دراسته، ويحلم بحياة تشبه قلبه الهادئ وثقافته ووعيه. وشاء القدر بأن تقوم الحرب وهو يؤدي خدمته الإلزامية، وأن يذهب ليقاتل الاحتلال… لا ليقاتل من أجل حافظ الأسد ولا من أجل بعثه.
كان أبي يساري الهوى، كارهاً للاستبداد وأهل الاستبداد، لكنه أحب سوريا بما يكفي ليضع عمره على كفه ويمضي.
كنتُ أنا يومها طفلة في الثانية من عمري، وكانت أمي لم تبلغ السابعة والعشرين بعد.
ثم عاد أبي…. شهيداً.
وبعده بستة أشهر فقط، مات الأخ الوحيد لأبي. ولم يكن لجدي وجدتي سواهما. ولدان فقط… هايل وعبد الله… وفقداهما معاً.
تُركا وحيدين يصارعان حزناً لا يرحم، فيما بقيتُ أنا الابنة الوحيدة لأبي، وبقي اسم عائلتنا كله معلقاً بي وحدي، لأن عمي لم يتزوج، وأبي لم ينجب سواي.
واليوم… يُنزع اسم والدي من الثانوية النسوية في جرمانا. وكأن الرجل يجب أن يُعاقَب لأنه مات من أجل وطنه. وكأن الشهداء صاروا عبئاً يجب محوه. وكأن اسم “هايل محسن مرشد” يجب أن يندثر إلى الأبد لأنه ضحّى بشبابه وحياته لسوريا… لسوريا الوطن، لا للمقبور ولا لابنه المخلوع.
كل القهر الذي خبأته في قلبي منذ أكثر من عام انفجر اليوم دفعة واحدة. بكيت كما لم أبكِ منذ سنوات. بكيت أبي… وبكيت جدي وجدتي… بكيت والدتي وبكيت نفسي.
ماذا فعل أبي ليُعاقَب حتى بعد موته؟
وماذا فعلتُ أنا لأُعاقَب باقتلاع اسمه من مدرسة حملت اسمه سنوات؟
شكراً يا رفاق الثورة. شكراً يا حكومتنا الجديدة. شكراً لأنكم مصرّون على وضع الملح فوق جروحنا ثم الدوس عليها عميقاً.
شكراً لكم على هذه “العيدية”.