شارل مالك وأنطون سعادة وحرب لبنان اليوم
د. كمال ديب
في عامي 1937 و1938 جرت نقاشات فلسفية عديدة بين أنطون سعادة وشارل مالك، وكلاهما ينتميان إلى مذهب الروم الأرثوذكس، وسعادة من ضهور الشوير ومالك من الكورة.
وكان موقف سعاده هو ضرورة المعرفة للحقيقة وعدم كفاية الوجود غير العاقل في ذاته لتكوين قيمة الحقيقة، لأن الحقيقة قيمة فكرية تحصل في العقل أو الضمير بواسطة المعرفة فقط.
وكان موقف شارل مالك أنّ الحقيقة تقوم بلا معرفة.
وعندها وجّه شارل مالك إلى أنطون سعادة هذا السؤال: "إذا افترضنا أنّ زلزإلا حدث في القمر ودكّ جبلاً فهل يكون الجبل اندكّ أو لا يكون"؟
فأجاب سعادة: "إنّ افتراض المجهول لا يكون حقيقة. فلا أستطيع القول إنّ جبلاً في مكان ما قد اندكّ أو لم يندكّ، وإنّ زلزإلا حدث، إلا بالمعرفة الصحيحة فقط".
وفي الحرب الدائرة في لبنان اليوم، يواجه اللبنانيون أكثر من مائة ألف جندي إسرائيلي حيث يجترحون المعجزات في التصدّي ويبتكرون اختراعات عسكرية قوية وينجحون في إيقاف جيش إسرائيل على الحدود الجنوبية.
ولكن التغطية الإعلامية تكاد تكون غير موجودة، فلا يعلم أحذ بهذه التضحيات أو الابتكارات وتصبح وكأنّها لم تحصل حسب توصيف سعادة للحقيقة.
ومن ناحية أخرى تقوم محطات التلفزة ومواقع الانترنت اللبنانية (باستثناءات قليلة ومتواضعة) بتغطية شاملة كاملة لاسرائيل ومليئة بالمبالغات والأكاذيب فتساعد اسرائيل في هجومها وتنشر خرائط غير صحيحة لجنوب لبنان عن مدى الاحتلال واتساعه، فتنشر الصور والأسماء والدمار لكل غارة اسرائيلية على قرى او مدن لبنانية. فتصبح إسرائيل بنظر هذا الإعلام التضليلي التحريضي هي المنتصرة وهذا غير صحيح، ويصبح من يدافع عن الأرض والشرف مهزوماً. وقس على ذلك اعلام المنافق العربي والخليجي خاصة وإعلام الغرب وأميركا نفسها كيف يدعم اسرائيل ويبرّر أفعالها.
تصوروا لو كان الإعلام في لبنان على الأقل شريكاً صحيحاً في الدفاع عن لبنان يغطي كما يجب انتصارات وانجازات شباب لبنان في الذود عن لبنان ضد العدوان الاسرائيلي، كيف ستكون الصورة؟ وكيف ستقوي وسائل الإعلام هذه موقف الحكومة اللبنانية ورئيس الجمهورية في مفاوضات وقف إطلاق النار؟
وبدل الإكثار من الحديث عن الغارات الاسرائيلية المجرمة على قرى لبنان، على وسائل الإعلام اللبنانية تسليط الضوء على الأعمال البطولية ضد جيش الإحتلال دلالة على وقفة لبنان ضد العدوان.
ولكن للاسف إنّ ما يهم هذه المحطات والمواقع الرئيسية في لبنان هو المال المتدفق عليها لتكون جيشاً رديفاً لاسرائيل، وتصبح هذه الوسائل الإعلامية عدّوة للبنان وقوانينه ودستوره، ولا من يحاسب في السلطة، بل يكون أكبر مسبب لدمار وقتل شعب لبنان هو وسائل إعلامه المرتهنة.
هنا تقع خطورة حجب حقيقة وقوف لبنان أمام العدوان الذي يمعن في تدمير لبنان وقتل أطفاله، وتصوير أعمال إسرائيل أنّها الحقيقة.