الفلولية عم تلاحقني
أحمد نظير أتاسي
عشت في سوريا عشرين عاما كلها تحت حكم البعث. ولاحقتني خلالها تهمة "برجوازي عفن" بسبب تاريخ العائلة وكون كثيرين من، وليس كل، أفرادها من ملاكي الاراضي التي أخذها البعث. عندما نترجم التهمة الى اللغة الحالية فهي تعني اني كنت "من فلول الرجعية" رغم اني لم اتمتع بمكاسب الرجعية كاملة حين كانت تحكم فقد ولدت عام ١٩٦٨، اي بعد التأميم والاصلاح الزراعي. لكن يجب ان أعترف ان الفلاح الذي حصل على الارض من أسرة أبي كان يرسل للعائلة شوال بصل وشوال برغل من غلة الارض كل سنة الى اوائل الثمانينات. فشكرا له على مكاسب الرجعية.
ولو كنت عشت في سوريا في التسعينات لاصبحت ربما "من فلول اليسار" بعدما اتاح حافظ الاسد للاسلاميين العودة والظهور فيما هم سموه الصحوة الدينية. وهذه ايضا لم اتمتع بمكاسبها من دراسة في دول المعسكر الاشتراكي او زجاجات الفودكا التي كانت تصل الى مقر الحزب الشيوعي السوري.
ولو كنت في سوريا اثناء حكم بشار الاسد لكنت جزءا من ربيع دمشق، ربما، ولأصبحت عندها "من فلول المعارضة" للقائد الشاب راعي التغيير. وهذه ايضا لم اتمتع باي من مكاسبها كأن اكون ممثل اعلان دمشق في فرنسا واحصل على راتب من الحكومة الفرنسية كغيري من جماعة الاعلان.
وعندما بدأت الثورة السلمية فرحت لاني اصبحت، على الاقل في عرف بعض السوريين، "من الثوريين". لكن في عرف غيرهم من مؤيدي النظام السابق كنت "من فلول الأتراك العثمانيين" الذين يريدون اسقاط نظام الاسد. ومرة اخرى لم اتمتع بأعطيات العثمانيين ولا بأعطيات الحكومة التركية التي كانت تدعم حصرا الاخوان المسلمين كما قال لنا جهارا نهارا احد المسؤولين الاتراك بفخر.
واليوم وبسبب معارضتي لحكم الجولاني سحبوا مني صفة الثورية، التي لم أتعلق بها يوما تعلقا قويا، وأصبحت من جديد فلولا لكن "من فلول بشار" الذي لم أدعمه يوما ولا اقتنعت به حتى في عز شهرته. واليوم لم أتمتع بخيرات فلولية بشار اذ لم أحصل على هجرة الى روسيا ولا أحد دفع اي لأكون من أنصار غزال غزال او الهجري او جماعة غرب سوريا.
وهكذا اكتشف اليوم اني عشت حياة كاملة من الفلولية اتشرب رحيقها المسكر، لكن دون ان اتمتع بمكاسبها المادية. وربما قد حان الوقت ان اتقبل فلوليتي وأعتز بها عسى ولعل ان أنال نصيبا من مكاسبها حيث قد تستأجرني الامارات لاشتم الجولاني او قد تشتريني روسيا لاعمل صفحة تشويه لمنجزات الجولاني العظيمة. كفايتني فقر وتضييع فرص، يجب ان احلب فلوليتي لانها تلاحقني اينما ذهبت.
واليوم يدفع الجولاني وجماعته كل من يعارضه الى خانة الفلول ويغيرون سردية الثورة لصالحهم ليصبحوا هم الثوريون الوحيدون الحقيقيون والاخرين مجرد رماديين او مؤيدين لبشار مع التقية. ورغم ان الفلولية الجديدة تجمعني من أناس أحتقرهم هللوا اثناء الحرب لمقتل جيرانهم الا انه لا مفر من ضغوط الجولاني، سأصبح فلولا مهما فعلت ومهما قاومت.