ريتا خير بك ترد على الروائي العراقي علي بدر
ريتا خير بك
انا اخترت رد هون، هلق، مو بعدين. لان السخرية من وجودنا وتحقير معنى ديننا صار اسلوب يومي، ومع الوقت بيصير حقيقة متداولة، وبعدين بيصير تبرير للاذى وبعدها القتل والابادة.
وانا برفض هالاسلوب من جذوره: اسلوب التكفير الناعم يلي بيقول لك انت ما عندك دين حقيقي، انت مجرد نسخة ناقصة، وانت محتاج افق غيرك لتبقى. هاد مو نقاش، هاد سحق.
استاذ علي بدر، مع كل الحب والاحترام الك، ومع كل الحب والاحترام للشيعة حول العالم وخصوصا شيعة العراق: انا ما عم اهاجم الشيعة، ولا عم ابني هوية على كراهية. انا عم دافع عن حد ادنى من الدقة والكرامة. لما بتقول ان اهل الساحل بحاجة لافق شيعي ليقاوموا الفناء، كأنك عم تحكي باسمهم وتقرر عنهم، وعم تختصر دينهم بتقنيات بقاء عملية وبقصص بسيطة. وكأن التاريخ ما عرف عندهم غير الفراغ.
النصيرية ليست موقفا سياسيا ولا منافسة فقه.
النصيرية، جوهريا، طريق عرفان: معرفة الله بالرمز والتجلي، لا بالشرائع والسجالات. علاقتنا بالمقدس ليس محكمة فقهية، ولا منصة صراع امبراطوريات. نحن ما عرفنا دور عبادة بالمعنى السلطوي، عرفنا المقامات. المقامات كجغرافيا روحية: مكان يختزن الذاكرة والمعنى والرجاء، مو مؤسسة تملك الحقيقة وتوزع صكوك الانتماء.
وهون بتفوت الجغرافيا كعقيدة، مو كديكور. الساحل والجبال والريح والبحر مو خلفية لحياتنا، هني قاموسنا الديني. لغتنا المحكية القديمة مليانة اثر المكان: "ايلي"، و"قرد"، ارض بعل، مطرة الرابع وحلفان بالشمس والقمر، بالوقت والارض والمي، بعناصر الطبيعة كأنها شهود على الوجود. هاد مو فولكلور. هاد بقايا رؤية كونية اقدم من المذاهب: تقويم مواسم، اعياد تحمل طبقات كنعانية وسورية قديمة، ثم صارت تُؤوَّل وتُعاد قراءتها داخل طبقة اسلامية لاحقا. ديانة تراكمية: ما بتمحي القديم لتثبت الجديد، بل بتعيد صهر الرموز ضمن بنية باطنية.
لهيك، لما بتحاول تربطنا جذريا بالتشيع وتقول “رجعوا للافق الشيعي لانه عملي”، انت عم تلغي طبقة كاملة: طبقة الارض. ونحن اذا انفصلنا عن اعيادنا ومقاماتنا وتقويمنا وعلاقتنا بالطبيعة، منكون خسرنا لغة الروح وخسرنا انفسنا ودينا. الدين عندنا ليس حكاية اضطهاد فقط. نعم، الاضطهاد جزء من التاريخ، لكن هل تظن ان هذه اول ابادة؟ نحن عشنا قرونا من الخوف والتخفي والتهميش والتنكيل، ومع ذلك ما تحولنا تلقائيا الى نسخة فقهية من احد. لان جوهرنا مختلف: نظرتنا للروح، للتجلي، للمعنى الذي يسبق الاسم، للسر الذي لا يتحول الى شعار.
وبصراحة اكثر: لا، الافق الشيعي اليوم لا يملك قدرة سحرية على حماية احد. لا اهل الساحل، ولا حتى كثير من الشيعة انفسهم في المنطقة. السياسة الدولية والخرائط والميليشيات والفقر والخراب ما عم تسأل عن مذاهبنا. فربط خلاصنا بمظلة مذهبية خارجية هو وهم مريح، لكنه وهم. النجاة ما بتنولد من استعارة هوية غيرك، بل من وعيك وتنظيمك وكرامتك وبناء قوتك من الداخل، ومن تحالفات عقلانية لا من اساطير حماية.
ولحتى يكون الكلام اكاديمي وواضح: النصيرية اقرب لروح الغنوص القديمة من كونها امتدادا فقهيا. فيها اثر فلسفي متوسطي واضح، من تراث اليونان: أفلاطون وأرسطو وسقراط حاضرون كافق تفكير: معنى، صورة، مراتب، انتقال من الظاهر الى الباطن. وهذا لا يعني اننا “اغريق”، بل يعني اننا ابناء ساحل قديم مر عليه كل شيء: امبراطوريات، لغات، ديانات، وتأويلات. ومن هالتراكم تشكلت رؤيتنا.
انا ما عم قول نحن اعظم من غيرنا. نحن مجموعة صغيرة، نعم. لكننا لسنا تابعين لاحد. وما عاد مقبول ان يجي اي شخص، مهما كان مثقفا، ويختصرنا بـ“دين سوشيال ميديا” او “حاجة لحسين وعباس وزينب” كأننا بلا جذور وبلا معنى. هاد نفس منطق التكفير حتى لو جاء بلغة ناعمة: انت ناقص، انت بلا اصل، انت محتاج تلتحق لتبقى.
ومن هون سبب الرد اليوم: لان السكوت على التحقير بيصير عادة، وبعدين بيصير قدر. وانا بدي اوقف هالعادة. مع الاحترام للجميع، ومع المحبة للشيعة وبالذات شيعة العراق، بس كمان مع احترام نفسي واحترام ديني: النصيرية طريق عرفان وتجلي ومعنى، ومرتبطة بارضها وذاكرتها واعيادها ومقاماتها، مو ملحق عملي لاحد ولا ورقة في صراع احد.
صفحة ريتا خير بك عبر الفيسبوك
تنويه من أُبي حسن: في لقائي اليتيم والقصير مع الصديق الروائي علي بدر، في دمشق، عام 2009 أو 2010، قال لي: أصل عائلتي علوية من بلدة عانا، عندما نزح أجدادي الى بغداد تسننوا. كل الاحترام للصديق علي بدر.