نافذة على حدث من القرن العاشر الميلادي
نصر شمالي
في القرن العاشر الميلادي، في المناطق الواقعة ما بين بحر قزوين والبحر الأسود، والممتدة شمالاً حتى الثلاجات الروسية، كانت شعوب وقبائل كثيرة تتأهب للانتقال من حالة البدائية والبداوة والوثنية إلى حالة المدنية والاستقرار.. وكانت بيزنطة المسيحية، وبغداد المسلمة، هما المحرك الفعّال لعملية التأهب والانتقال تلك..
وفي ذلك الزمن اعتنقت شعوب كثيرة في آسيا الصغرى الدين الإسلامي، فظهرت، في ما بعد، تلك العواصم الإسلامية الخالدة الذكر، سمرقند وطشقند وبخارى وغيرها..
وقد اعتنقت بعض القبائل الخزرية البدوية الوثنية الديانة اليهودية في القرن الثامن الميلادي، وأقامت دولة يهودية في خازاريا، لكن تلك الدولة تلاشت تماماً في القرن العاشر ميلادي ولم يبق لها أي أثر، وتفرق سكانها الخزريون المتهودون في روسيا وبلدان أوروبا الشرقية، وهؤلاء الخزريون (المتهودون بالأمس) هم من سيزعمون أنهم من سلالة سيدنا إبراهيم ويعملون على اغتصاب فلسطين، وهم من يقود الكيان الإسرائيلي الآن.
وفي ذلك الزمن، في القرن العاشر الميلادي، أوشكت القبائل البدوية الوثنية السلافية الروسية أن تعتنق الإسلام، ولكن، لأسباب تتعلق بتفاصيل الحياة (كموضوع تعاطي الخمر) توجه أحد أمرائهم إلى بيزنطة واعتنق المسيحية في القرن العاشر الميلادي، وبدأ بناء أول مدينة (مدينة كييف روس) وكانت بدايات تشكل الأمة السلافية الروسية الحديثة وبدايات تمدنها ونهوضها.
لقد كان اعتناق الأمراء السلاف الروس للمسيحية الأرثوذوكسية في القرن العاشر خطوة تاريخية أملتها أوضاع وظروف منطقتهم التي جعلت تواصلهم مع بيزنطة العريقة المتمدنة هو الأقرب والأجدى والأجدر.. لكنً ذلك الاختيار الروسي أسس لاحقاً للقطيعة مع أوروبا الكاثوليكية التابعة لروما، ومهد لعداوتها الدائمة وأسس للحصار الاستراتيجي الأوروبي المستمر ضدهم حتى يومنا هذا، فأوروبا الكاثوليكية تعاملهم كشرقيين، مثلهم مثل تركيا المسلمة، تقريباً وليس كلياً. والسؤال: ترى، لو انتبه أمراء روسيا الوثنيون في القرن العاشر ميلادي إلى ما سوف يترتب على أرثوذكسيتهم من عزلة هل كانوا توجهوا إلى روما البابوية الكاثوليكية؟
على كل حال، فإنّ القياصرة الروس بعد سقوط القسطنطينية (وبخاصة بطرس الأكبر في القرن الثامن عشر) حاولوا التوجه إلى أوروبا الكاثوليكية، واستماتوا في محاولاتهم إقناعها بتطبيع العلاقات، لكنها صدتهم وعاملتهم معاملة الأتراك المسلمين، فهي لم تغفر لهم أرثوذكسيتهم أبداً، ولن تغفرها.
------
دمشق - عن كتبي ومدوناتي الخاصة