مشهد رباني في حوادث حماة 1982

خالد محمد جزماتي

أشارك هذه المادة، لوائل محمود العطار، لأني وانا أقرأها تسطع أمامي لوحة فيها كل تفاصيل شهر شباط 1982 الذي عشناه، وأكثر نزلاء سجن تدمر لا يعرفون لِمَ اشتد التعذيب بشكل لم يسبق له مثيل! فمنذ الصباح بعد ادخال الفطور إلى المنتجع يبدأ التنفس، وتبدأ الوحشية في الرفس والجلد كيفما اتفق، وكذلك الصراخ الذي يتصاعد إلى السماء، وأصحاب ذلك الصراخ يشكون جلاديهم إلى رب الناس والكون...
وكنت أثناء ذلك الشهر الكئيب في المهجع 11، وكان معزولاً إلى حد ما، وكنا طوال النهار نسمع الصراخ المؤلم الذي يُبكي الحجر، وكان مهجعنا عديده 71 نزيلاً، تم الحكم على من فيه بالأشغال الشاقة المؤبدة. منهم خمسة أطباء هم: الأستاذ الدكتور مأمون العظمة، الدكتور بدر الدين الصفدي، الدكتور حسان مفتي، الدكتور محمد القلا، الدكتور عماد رنكو...
ومن الضباط العميد أحمد غنوم، العقيد عدنان لاذقاني، المقدم خالد جزمات، الرائد الطيار نديم طابوشة وهو صديق حافظ الأسد، وطبعا لم تفده تلك الصداقة، الرائد عبد الله أزرق، الملازم الطيار خالد حلواني، الملازم الطيار ماهر جودة، الملازم المجند المهندس مصطفى خلق حجي.... الخ. وقد فارق الحياة عدد كبير من السجناء نتيجة التعذيب وذلك في انعكاس لحوادث حماة...
وليعلم الأخوة القرّاء أن كل شيء كان يحدث للنظام السوري، كان ينعكس على سجناء تدمر، وغالباً كنا لا نعرف السبب إلّا بعد زمن قد يطول نصل فيه إلى تحليل معقول وقد لا يكون صحيحاً، فنظام الأسد الأب وثم الولد ليس له شبيه في التاريخ قديمه وحديثه.
******
وائل محمود العطار
(مشهد رباني في حوادث حماة 1982)
بطل القصة: المرحوم عبد الرؤوف الملي "أبو الحكم"، الذي أنقذ قرابة مئة نفس من الموت .
* الزمان: السادس والعشرون من شباط في يوم الجمعة الحزينة .
...................
ستة وعشرون يومًا، والمدينة تسبح في بحر من الدم والدمار.
قطعان سرايا الدفاع والوحدات الخاصة المدججة بالسلاح تسرح وتمرح في شوارع المدينة و ترتكب المجازر وتنشر الرعب في كل مكان.
وسلطان الخوف يضرب خيامه فوق المدينة، وكأن الحزن لا يريد أن يغادرها،
فيما رائحة البارود تملأ كل الأرجاء.
والمدينة الذبيحة لا تزال أوداجها تنزف بلا توقف.
في ذلك اليوم أراد المجرم حافظ الأسد أن يختم مجزرة حماة، ويسدل الستار عليها، ولكن ليس قبل أن يطمئن الى أن حماة قد أصبحت مدينة أرامل وثكالى، وأنه لم يعد فيها رجل يمشي على قدميه. ولهذا أصدر أوامره الشيطانية لقطعانه المتوحشة باقتحام المنازل من جديد، والبحث عمن بقي من الشباب والرجال، وانتزاعهم من أحضان أمهاتهم وبيوت زوجاتهم، ليساقوا إلى ساحات الإعدام.
في شارع باب البلد، كان عدد المعتقلين كبيرًا، ربما نحو مئة معتقل: شيوخ كبار وشباب في مقتبل العمر، كلهم يساقون إلى الموت.
هناك اتخذ الضابط المسؤول عن الإعدام من محمصة أبي ساطور (محلات صفوان الحمصي حاليًا) مركزًا لتحقيقاته الدموية. كان في يده سيف دمشقي مسروق من أحد البيوت، يتسلى به وهو يضرب ضحاياه بصفحته بعنف، قبل أن يأمر بسوقهم إلى المقبرة القريبة حيث أعدت لتكون ساحة للقتل والإعدام.
لكن مشيئة الله فوق كل مشيئة، وإرادته فوق إرادة الأسد.
فمع وصول آخر دفعة من المعتقلين إلى التحقيق، توقفت سيارة دورية تابعة للمخابرات في المكان، وسأل أحد عناصرها الضابط المحقق قائلًا:
ـ ألم تنته بعد من مهمتك؟ لقد انتهى اجتماع القيادة في الحزب.
وكأنه يستعجله بذبح الناس، فالقرار قد اتخذ في القيادة وانتهى.
أجاب الضابط مشيرًا إلى من تبقى من المعتقلين:
ـ لم يبق إلا هؤلاء وأشار الى المعتقلين الخمسة الذين بين يديه.
في تلك اللحظة لمح أحد عناصر تلك الدورية أحد المعتقلين فتعرف عليه، إنه صاحبه عبد الرؤوف الملي "أبو الحكم". كانت بينهما معرفة قديمة ومودة عظيمة، فتقدم نحوه وقال للضابط:
ـ هذا قريبي، أرجو أن تعفو عنه وعن أقاربه.
ثم اقترب من أبي الحكم وهمس في أذنه:
ـ خذ أقرباءك وأهلك واذهبوا إلى بيوتكم.
لكن أبا الحكم أجابه بجواب لم يتوقعه، جواب رجل همه أكبر من أهله وأقاربه، همه هم أمة كاملة، فقال أبو الحكم لصديقه عنصر المخابرات :
ـ وبقية رجال الحارة، ما مصيرهم؟
قال له: وما شأنك بهم؟ إنهم سيساقون إلى الإعدام.
فرد أبو الحكم بحزم:
ـ إذن خذوني معهم.
قال له العنصر ولعله كان ضابطا: يا رجل، أنج بنفسك وأهلك.
لكن أبا الحكم قال كلمته:
ـ لا أذهب إلا معهم.
ولما رأى رجل المخابرات إصرار أبي الحكم على رأيه
هنا التفت إلى الضابط وقال له:
ـ أهل هذا الحي، فقراء بسطاء، وهم مؤيدون للدولة. أرجو أن تعفو عنهم.
فصمت الضابط لحظة، كان الأمر أكبر منه ومن أمر الأسد. كان أمرًا من الله.
حينها قال:
ـ ليكن ما تريد، ولكن عليهم أن يخرجوا في مسيرة مؤيدة للدولة وللقائد الأسد.
قال عنصر المخابرات: نعم كما تريد.
وخاطب الضابط الشيخ عبد الكريم سلطان، الذي كان بين المعتقلين، وقال له:
ـ أنت ستكون قائد المسيرة. اهتفوا بحياة الدولة وقائدها الأسد.
وهنا تجمع المعتقلون، وانطلقت المسيرة بالهتاف والتحية للدولة وقائدها الأسد، وسارت حتى وصلت إلى مشارف البيوت، وهناك تفرقوا ودخلوا بيوتهم و نجوا من الموت المحتم.
 بينما كان الموت مصير جميع معتقلي الحارات الأخرى في ذلك اليوم.
.......
رحم الله أبا الحكم،
كأنما كانت له عند الله خبيئة أراد سبحانه أن يظهرها للناس في تلك اللحظة.
بإحسانه وشجاعته نجى الله بفضله قرابة مئة نفس من الموت المحتم، وخلد اسمه في ذاكرة المدينة.
لقد أراد الأسد أن يقتل الجميع… ولكن لله إرادة فوق إرادته وفوق إرادة جميع الطغاة والمجرمين.