بعد أيامٍ من المجزرة استطعتُ أخيراً تشكيل جملة مفيدة واحدة. قلتُ لصديقتي التي كانت تراسلني من دبي أنني أندمُ اليوم على الوقت الذي أمضيّته وأنا أحاول عبثاً الحديث بلهجة بيضاء. كانت علائم الاختلال في استخدام اللغة أولى تجليّات المجزرة. بدأ أصدقائي يلاحظون في محادثاتنا على واتساب ظهور كلمات لم أستخدمها سابقاً من قاموس مدينتي. في الحقيقة لم أتعمّد استخدام ألفاظ دون غيرها، لكن الرعب شلّ مقدرتي على انتقاء كلمات مفهومة والحديث بلهجة ملطفة يفهمها الجميع.

منذ سنواتي الأولى في قسم الإعلام ضمن جامعة دمشق لاحظت أن الناس يتوقفون عند الطريقة كلامي أكثر من التركيز على ما أحاول قوله، أحرجني ذلك وأردتُ لهجةً عابرة، سلسلة، باهتة تناسب الأحاديث القصيرة التي نتبادلها نحن الطلبة بين بعضنا البعض. المَهمة لم تكن سهلة، وحرف القاف تحديداً سبب لي أزمة، خاصة وأنني لم أفهم يوماً القاعدة التي ينقلب وفقها إلى الصوت (أ)، ولهذا كان القطار يتحول أحياناً إلى «إطار» في عباراتي المُلتبسة.

مع الوقت نجحتُ في تخفيف لهجتي دون أن أقضي تماماً عليها، كان ذلك، ربما، شكلاً من محاولات الاندماج الفاشلة. اتهمتني أمي حينها بأنني بتّ مزيّفة. ولأنني لم أرغب في أن أخصص لهجة استخدمها في دمشق وأخرى أتحدث فيها مع عائلتي ضمن مدينتي، انتهيت إلى لهجة هجينة تخلطُ الكلمات، وتلفظ الحروف اللثوية حيناً وتبتلعها حيناً آخر. قررت اعتماد هوية «مزيفة» واحدة استخدمها في كل مكانٍ أكون فيه لأن ذلك بدا أقل زيفاً من التلّون تبعاً للمكان أو الموقف. عَكَسَ اضطراب اللهجة التباساً أعمق على صعيد الهوية، التباساً ما زلت أعيشه حتى اللحظة، بين من أكون، ومن أريدُ أن أصبح.

إلى جانب حرف القاف؟ عن ماذا تخليت أيضاً كي أكون أكثر قبولاً بين باقي السوريين؟ عن المضافة، ببعديها الرمزي والمكاني.

منذ أيامي الأولى في الجامعة عام 2006 لاحظت أن كثيراً من الطلاب القادمين من السويداء الذين التقيت بهم في كلية الآداب، يميلون إلى الانكفاء والتقوقع بتأثير الارتباك والخجل، ربما، الذي خلقه وجودهم في العاصمة. بعضهم بدا وكأنه أسس في دمشق «مضافة» افتراضية خاصة بهم، يستخدمون فيما بينهم كلمات بعينها لتمييز «الأغراب» عنهم. حينما كان أحدهم يقول أمامي «حَبَقة» كنت أتظاهر بأنني لا أفهم ما يقصد. حَبقة لمن لا يعرف هي ندّابة شهيرة في السويداء عُرفت بجُموحها وسلاطة لسانها وتحديها للنظم الاجتماعية حتى تحولت إلى شخصية أسطورية يتناقل أبناء المدينة الكثير من نوادرها. أمّا اسمها فتحوّل مع الوقت إلى «كلمة سر» لتمييز أبناء السويداء عن غيرهم من أبناء المحافظات الأخرى. إذ كان مجرد الصراخ باسمها في المدينة الجامعية بمثابة إعلان عن هويتك الدينية والمناطقية واستدعاء ضمني لمن يشاركك هذه الهوية، لكي يميزكَ وينقذك.

كرد فعل على انكفاء الكثير من أبناء مدينتي وخوفهم المستمر وغير المبرر من «الغريب»، تظاهرت بأنني لا أعرف من هي حَبَقة وخرجت طوعاً من المَضافات التي حاولوا الاحتماء بها. فالمضافة في أعراف المنطقة مكان جامع، مفتوح أمام الغريب ليحتضنه ويحميه لكنها وخارج حدود المكان الذي نشأت فيه باتت  أشبه بقوقعة. 

رغم ارتباك الهوية، أحببت جغرافيا السويداء على نحو خاص، كنت أهرب إليها من دمشق التي اتخذتها مسكناً دائماً لي منذ 2006. اصطحبت مراراً رفاقي من حلب واللاذقية وطرطوس ودمشق وحمص كي أعرّفهم عن نسختي الخاصة منها وزَواياي المفضّلة في أحيائها القديمة كالمُدرج الروماني، والمطحنة الحجرية ومنزل أسمهان. أعتقد أنني، في ذلك الوقت، كثّفت علاقتي بمدينتي عبر حبّي لحجر البازلت وتل شيحان الراسخ الذي يُرحب بيّ في طريق العودة من دمشق. يشغل التل الحالي والبركان السابق مخيلتي أكثر من أي معلم من معالم المدينة لأنه يذكرني دوماً بتحولات الطبيعة والناس في هذه البقعة من الأرض. بالقرب منه، وعلى جسرٍ قريب عُلّقت لافتة تحتفي بمحو الأمية في المحافظة بصورة كاملة عام 2008. 

مع عام 2011 الذي تزامن مع تخرجي من الجامعة، تشوّشت واضطربت علاقتي مع السويداء مجدداً تحت تأثير مناخ التوجّس الذي ساد بين طيف واسع من أبنائها إزاء المظاهرات والحراك الشعبي الذي بدأ ينشط في مناطق أخرى من سوريا. أغضبني يومها رفض كثيرين للتغيير، وإحساسهم المتجذر بالخطر رغم أنهم أبناء مدينة مهمشة وفقيرة تعتاش كثير من الأسر فيها على أموال المغتربين في فنزويلا والخليج، ويعمل عدد كبير من أبنائها في مهنٍ شاقّة لإعالة عائلاتهم.

أعتقد أن كثيرين صادفوا في حياتهم مرة واحدة على الأقل نادلاً من السويداء، كان في الغالب شاباً طويلاً بابتسامة خجولة، يحاول تدوين الطلبات على الطاولة والإجابة على أسئلة الزبائن لتفضحه لهجته الجبلية الثقيلة التي حاول عبثاً تَلطيفها. في دمشق، بيروت، أربيل وسائر دول الخليج، ربما ستجد العشرات من شبان السويداء الذين يعملون نُدلاء في المقاهي والمطاعم والفنادق، ربما يُعزى ذلك لعدم امتلاك محافظتهم حقول نفط أو سليكون كي يعتاشوا منها. فالسواد الأعظم من أبناء المحافظة لم يمتلك طوال سنوات ما يتكئ عليه سوى حبه للعلم، وعمله الجاد، وتباهيه الخفي بتاريخٍ بعيد حافل بالانتصارات الوطنية.

قال لي صديقي يوماً وهو شابٌ من الرقة: «ما قصة الشباب في السويداء مع عزف العود والمعهد العالي للفنون المسرحية؟» ثم أضاف أنه حين زار السويداء قبل سنوات مضت شعر بالغيرة من امتلاك أبناء المدينة لرمزٍ جامع مثل «سلطان باشا الأطرش». قال لي ضاحكاً بأن الجميع هناك لديهم حكايات عن أجدادهم الذين حاربوا إلى جانب قائد الثورة السورية الكبرى. نعم، نحن الذين لم نملك الكثير في تلك البقعة المهمشة من الأرض، كان لدينا «الباشا»، أو بالأحرى الرمز الذي يجسّده. 

بالعودة لعام 2011، عمّق اغترابي عن المدينة في ذلك الوقت الشعور بخيبة مماثلة من طروحات بعض النشطاء المعارضين ضمنها. فقد اقترح أحدهم، في إحدى الجلسات التي كنّا ننظمها سرّاً أن نعلق قناديل مضيئة على أشجار أحراش السويداء، ثم نلتقط من بعيد صوراً ومشاهد فيديو ندّعي فيها بأن الأشجار هي متظاهرون يخرجون في مظاهرة ليلية، كي نمحو وصمة «العار» المرتبطة ببقاء المدينة خارج موجة الحراك الثوري التي عمّت بعض المدن السورية في ذلك الوقت، ونغطي على الفشل في استقطاب المجتمع المحلي للمشاركة في التظاهرات السلمية. 

كان منبع الخيبة الرئيسي في هذا السياق ما بدا لي أنه سعي لتلميع صورة المدينة أمام المدن الأخرى كيفما اتفق بدلاً من محاولة فهمها، وفهم المحرّكات التي توجهها، وكشف القوى التي تعمل في الظل داخلها.

ثم جاء زمن الفصائل، انقلب وجه المدينة تماماً بين عامي 2013 – 2014. في كل مرة كنت أعود فيها لزيارة والدي، أشعر بأمان أقل وقطيعة أكبر مع المكان. تكررت أعمال العنف والخطف، وباتت السويداء مسرحاً للفوضى. عند كل حادثة اختطاف أو جريمة قتل كانت مراكز الشرطة في المدينة تتنصل من مسؤوليتها وتحيل الأمر إلى القيادات الدينية والمجتمعية التي باتت القوة الفاعلة شبه الوحيدة في المنطقة، خاصة وأن نظام الأسد ترك المدينة لتواجه فوضاها بمفردها. 

رغم تفاقم الفوضى، تحوّلت المدينة إلى وجهة للوافدين القادمين من ريف دمشق وحمص ومناطق مشتعلة أخرى على مساحة الأرض السورية، وجد كثيرون فيها ملاذاً آمناً يحتمون فيه، وبيوتاً تشرّع أبوابها لاستقبالهم. وأنا من وجهة نظر إثنوغرافية كنت في ذلك الوقت سعيدة لأن النزاعات ورغم ما فيها من بشاعة تسرّع عملية الاختلاط والتعايش، وتدفع المجتمعات نحو تحولات اجتماعية لم تكن ممكنة زمن السلم. كنت أشعر بالسعادة حينما أمشي في شارع الشعراني، عصب منطقة السوق في المدينة، فأسمع لهجات جديدة خجولة تخفف من حدّة اللهجة الجبلية الطاغية في الشارع. فكرت مراراً بنسبية مبدأ الأقلية والأكثرية وتبدّل الأدوار تبعاً للظروف والسياقات، وفكرت بأن خوف هذه المدينة من «الغريب» يتلاشى حينما يحتاج الأخير مساعدتهم ويأتي طارقاً بابهم طلباً للأمن والمأوى. 

في عام 2017 حصلتُ على منحة من مؤسسة اتجاهات لإنجاز بحث في المجال الثقافي، واخترتُ الكتابة عن الطعام السوري ومعانيه الثقافية بعد 2011. فكرت حينها في دراسة طبق كباب الكرز، والإيج الأرمني، والباشا وعساكره، ومعمول الجبن، كمحاولة أخرى مني لمقاربة أسئلة الهوية من زاوية الطعام الذي يفخر به السوريون. لكن الدكتور حسان عبّاس الباحث والكاتب المتخصص في الدراسات الثقافية ودراسات المواطنة، والمشرف على بحثي في ذلك الوقت، دفعني لدراسة طبق المليحي أو المنسف لأنه رأى فيه مثالاً نموذجياً لدراسة البعد الثقافي والرمزي للطعام. تبرمت بدايةً من اقترحه ولم أشأ أن أقول له أنني غير متحمسة لدراسة هذا الطبق تحديداً، إذ أتيتُ من مدينة تفرط بالتغني بمناسفها حتى يكاد يخرج من أنوفنا. لكنني وجدت المَخرَج سريعاً حينما اقتنعت بدراسة الطبق كجزء من تراث الجنوب السوري في درعا والسويداء ومن ثم فلسطين. ورّطني الدكتور حسان دون أن يعلم بالتواصل مع هذا الجزء من هويتي؛ طوال ستة أشهر جمعتُ حكايات الأمهات الطاهيات في السويداء ودرعا، ودونتُ أغانيهن ووثقت حيلهن الاقتصادية لاستمرار طهي الطبق كجزء من هويتهن المهددة بالزوال أمام العنف والصعوبات الاقتصادية. رغم الفقر والتهجير كانت الواحدة منهن تستبدل لحم الخاروف بمكعب مرق الدجاج، وتزين منسفها بقطع البطاطا بدل أقراص الكبة، لأن طبخ المنسف، حتى بنسخته المتقشفة، كان طريقتهن لإظهار الحب. 

لم أدرك كم كانت السويداء فقيرة وهامشية حتى غادرتها إلى دمشق، أما بعد سنوات وحينما وصلتُ إلى إسطنبول عام 2023 بدت لي أشبه بقرية منسية صغيرة، أصغر من أن تسمى محافظة. بالتزامن مع خروجي من سوريا تصدرت «ساحة الكرامة» عناوين الأخبار بعد أن اندلعت فيها احتجاجات شعبية معلنة وصارخة ضد نظام الأسد. خلال هذه المدة سعت العديد من الأطراف، سواء عن حسن أو سوء نية، إلى بناء صورة حالمة عن الساحة وتصوير الحشود التي تتجمع فيها بوصفها كتلة متجانسة واحدة. لكن الواقع على الأرض كان أكثر تعقيداً، فوراء مشاهد الفيديو المؤثرة والأغاني والهتافات الجامعة باتت الساحة في كثير من الأحيان مساحة حقيقية للصراع بين أطراف وتيارات مختلفة. كل لافتة وعلم وشعار يُرفع على أرضها يُشعل معركة تستمر في الجلسات الخاصة وعلى مجموعات الواتساب التي امتلأت بالمهاترات والصراعات. تخوف كثير من النشطاء في المدينة من أولئك الذين يحاولون التطبيع مع الاحتلال، وضاقوا ذرعاً بمحاولات تلميع رموز سياسية ودينية امتلكت تاريخاً غير مُشرف لا يخفى على أحد. تخوف آخرون من تكريس الهوية الدينية للمدينة على حساب هويتها الوطنية الجامعة، وخافت جماعة رابعة من سطوة السلاح وبطش بعض الشبان الذين اشتهروا بـ تهشيمهم عظام النشطاء عام 2011. ورغم أن «ساحتنا ضيقة ومنعرف بعضنا» لكن الصورة المبسّطة التي روجتها صفحات التواصل الاجتماعي – ومن خلفها بعض النشطاء في المدينة – غلبت المعقدة، وتم إخفاء الصراعات والتخوفات عملاً بمقولة «عدم نشر الغسيل الوسخ على الملأ» التي حَكمت المحافظة لأعوام طويلة. 

في إسطنبول، التقيت مؤخراً بصحفي إيطالي كان مهتماً قبل أسابيع من بدء المجزرة، بزيارة السويداء ووضع «الدروز» تحت عدسته المُكبرة. من وجهة نظر خارجية بدت له المدينة متحررة إلى درجة كبيرة على صعيد اللباس والحريات الشخصية. لكنني حاولت أن أشرح له أن الصورة أعقد مما تبدو، فكثير من النساء في السويداء قد يمتلكن القدرة على اختيار لباسهن، إلا أن زواجهن من طائفة أخرى قد يعرضهن للقتل. وهذا ما يجعل فهم الديناميكية التي تحكم المدينة وتُسيّرها أمراً بالغ التعقيد. 

طوال سنوات امتلكت مشاعر مُركبة تجاه السويداء، فهي مدينة متناقضة؛ رؤوفة ومتوحشة، منعشة، وخانقة، رتيبة ومتبدلة. لكي تحبّها أو تفهمها لا بد أن تبني علاقة متوازنة معها. ولا بد أيضاً تمنح نفسك مسافة منها وتراها من مبعدة، كأن تراها حيناً بعيون أبنائها وتراها حيناً آخر بعيونٍ نقدية تثمن جمالها وخصوصيتها الثقافية وتعترف بالنقائص والمشكلات المتجذرة فيها. 

أدركُ اليوم، بعد فوات الأوان ربما، أنني تعاملت بتعالٍ مفرط مع المدينة التي ولدت وكبرت فيها لأنني ظننت، ولوقت طويل، أنه ولكي أكون سورية أكثر، يجب أن أكون أقل «سويدائية» مما أنا عليه. ركضت طوال سنوات وراء الهوية الجامعة، الكليّة، متأثرة بتوجهات أسرتي اليسارية. اليوم لا أستطيع القول أنني نادمة على هذا الأمر، فتلك كانت طريقتي في التعبير عن كراهيتي للانتماءات الضيقة، وأنا أكرهها حقاً، لكن ذلك لا يغير من حقيقة أنني ابنة هذه المدينة التي وقفت عاجزة عن إنقاذها. 

ألوم نفسي اليوم لأنني طمحت طوال سنوات إلى أن تصل الكلمات التي أكتبها أبعد وأبعد، وأن تؤثر في الناس في سوريا وبلدان عربية أخرى. حتى أنني في إسطنبول وقفت على خشبة مسرح للهواة لألقي نكات بلغة أجنبية تستنكر التنميط والعنصرية ضد جميع السوريين، كما لو أن توسيع الجمهور وتنويع الوسائط في نقل الرسائل بات هاجسي. أردت أن تصل رسائلي إلى أبعد مدى، بكل وسيلة ممكنة، دون أن أفطن أنه كان حريّاً بي أن أقول بعضها همساً ودون وسائط في أذن شاب أو صبية ولدوا في السويداء بعد 2011. لو أنني بذلت جهداً أكبر في الرجوع إلى ما نسميه في علوم الاتصال «الاتصال وجهاً لوجه» بدلاً من الافتتان بأدوات الاتصال الجماهيري، لو ركزت على إحداث أثرٍ صغير في مدينتي الأم بدلاً من توسيع رقعة الأثر لكنت ربما تنبأت بالمصائب القادمة وأدركت الخطر الذي يُحيق بالمدينة من داخلها وخارجها.

أعتقد أنني اليوم أدفع ثمن القطيعة مع الأصول؛ أنا لم أنجح بالتأثير في مدينتي ولم أستطع حتى أن أكون ممثلة لأحد تياراتها أمام بقية السوريين. حين تُخوّن اليوم مدينة بأكملها ويحكم بالموت على جميع أبنائها، لا يتم إحصاء رأيي، أو رأي التيار الذي أمثّله. حينما أقول بأنني أفضل الموت على رفع علم الاحتلال وأنني ما زلت أومن بشعار «الموت ولا المذلة» لا يكاد يراني أحد أو يسمعني، كما لو أنني عديمة الأثر داخل المدينة وخارجها. 

لا أعلم اليوم متى أصبحنا عديمي الأثر مثل الرغوة، كما لا أعلم من المُلام على هذا الجهل المتجذر بالآخر. هل نلوم من بنى القوقعة أو من لم يساهم في كسرها؟ أم نلوم عائلة الأسد على تفككنا واغترابنا عن أنفسنا ومدننا وبعضنا البعض، أستذكر هنا كيف اعتادت أمي على تحميلهم مسؤولية كل شيء حتى إن تعطّل مصباح في منزلها. 

كل هذا الاغتراب أفضى إلى الأسابيع التي جلستُ فيها مرتعدةً خوفاً على أبي وعشرين فرداً من أسرتي القريبة وعلى العشرات من رفاقي وجيراني ومعارفي (أمي لسخرية الأقدار كانت خارج السويداء تُكمل مع رفيقاتها ما أسمينهُ مبادرة «قطار السلم الأهلي»). في مواجهة المجزرة، سألتُ نفسي وأنا أنطقُ كل حرفٍ لثوي: لماذا تكبّد شبانٌ سوريون عناء القدوم في هذا القيظ كي يقتلوا تالا و«أم نواف» وغِنى وتيمور ومعهم 1500 مواطن لم يسببوا لهم يوماً أي أذى؟ متى امتلكوا الوقت لمُراكمة كل هذه الكراهية نحو مدينة لم يدخلوها يوماً؟ هناك أجيال وأجيال من السوريين الجدد كبرت وعاشت دون أن تعرف بعضهم بعضاً، والمحزن في الأمر أن لحظة اللقاء الأولى بينهم كانت اللحظة التي جاء فيها أحدهم لقتل الآخر. 

الجمهورية