عندما يتجلى الدين في الإنسانية
نهى سويد
كانت المرة الأولى التي وُصفت فيها بالكُفر عام 2014، داخل زنزانة فرع فلسطين. من معتقلة شابة تُدعى نور من دير الزور. قالتها على سبيل المدح وهي تحاول أن تُثني على أخلاقي: “تعلّمن الأخلاق من هذه الدرزية الكافرة.”
كنت حينها الفتاة الوحيدة من السويداء بين ما يقارب الأربعين معتقلة من الطائفة السنيّة، وكانت نور أكثرهن تشدداً. فاجأتني عبارتها أولا، لأنّ أوّل مرة أسمع أحدهم يصفني بالدرزية فأنا بعيدة في حياتي وسلوكي عن الانتماءات الضيقة وثانيا لأن بيئتنا السورية لم تعرف يوماً هذا النوع من الكلام ( كافرة). وبقيت اللحظة راسخة في ذاكرتي، خصوصاً أنّ بقية المعتقلات لم يُعجبهن ما قالت، فوبّخنها وطالبنها بالاعتذار منّي.
داخل الزنزانة، كنت أتولّى تهدئة النفوس وحلّ الخلافات الصغيرة التي كانت تنشب بين النساء مع أني أصغرهن سنّا، وأحاول تنظيم تفاصيل حياتنا اليومية بما يخفّف من وطأة الاعتقال. وبينما يملأن الليل بأدعية متواصلة تمتد لساعتين أو أكثر، كنت ألوذ بزاوية أستسلم فيها لأحلامي، كيف سأستقبل حريتي؟ بأي وجه سألتقي أمي؟ وأي حياة سأبني من جديد؟
وفي إحدى الليالي، استدعوا للتحقيق مدرّسة من درعا تبلغ قرابة الستين عاماً تُدعى أم عمّار، اعتُقلت لأن زوجها طبيب يعالج عناصر الجيش الحر. أكنّ لها كل الاحترام والتقدير،قبل خروجها التفتت إليّ وقالت: “ادعي لي بالنجاة يا نهى.” وعندما عادت، سألنها لماذا طلبت الدعاء من نهى فقط، فأجابت “لأنها أصدقنا.”
بعد أحداث السويداء، بدأت تصلني رسائل سخيفة مشحونة بالأوهام: أسئلة عن عبادة الشيطان أو العجل، أو هل حقّا الدروز كفّار يتناولن هذه الأوهام كأنّها حقائق. هذه الرسائل عمّقت إعجابي بتربيتي، تلك التربية التي يحملها أبناء السويداء جميعاً. نحن نكبر على منظومة أخلاقية صارمة، مرجعيتنا التربوية أخلاقية لادينية،قيمها الصدق والكرامة والانضباط. الدين لا يتدخّل في طفولتنا، ولا نُدفع صغاراً إلى المجالس الدينية. طفولتنا تضجّ باللعب والقراءة والفنون. وعندما نبلغ مرحلة النضج، قد نتوجّه نحو الاطلاع على التفاصيل الدينية، بما تحمله من عمق فلسفي وروحي.
نعيش في قرن التحوّلات الكبرى في العلم والمعرفة والحرية. البشرية فتحت آفاقاً لم يكن لخيال أن يتصورها قبل عقود قليلة. في هذا الأفق الرحب، لا أحد يعنيه نوع الإله الذي تعبده، وعدد الركعات التي تؤديها، وساعات الصيام التي تقضيها. القيمة الحقيقية هي ما يضيفه الإنسان إلى العالم من فكر وإبداع ومعرفة، وبما يتحلّى به من صدق وأخلاق.