كلام مزعج.. اللي ما بده يعكر مزاجه لا يقراه

مصطفى هدلا

 و أنا أقرأ بيان الشيخ معاذ الخطيب و دعوته إلى اللامركزية الإدارية كحل لمنع التقسيم... كنت أستغرب لماذا لم يتم تطبيق هذا الحل من البداية؟
كنت أعتقد أن الدولة الجديدة ستبادر لذلك بدون مشورة ولا رأي من أحد...
في بداية السقوط كنت أظن أن هذا الحل هو البديهي... وأن السلطة الجديدة أعقل من أن تفرض سلطانها بالقوة على كل التراب السوري ومن ثم تتحمل تبعات انعدام الخدمات والفساد الإداري و تهالك البنية التحتية... مع افتقارها الحاد للكوادر.... فلا شرعيتها شرعية دستورية ولا قواتها مهيئة.. لا يعقل أن يعود القوم إلى المركزية المفرطة للنظام الذي ثاروا عليه من الأصل... لم يخطر في بالي أن يقتدوا بالأسد في شكل نظام حكمه... والذي كان من أسباب سقوطه
كانت التصريحات المتواترة بأننا "كنا مستعدين لأخذ حلب فقط لا كل سوريا" مقدمة نتيجتها البديهية -في تصوري- أن يتم الاعتماد على أهل كل منطقة وكوادرها في إدارتها أمنياً وخدمياً...
وهذا هو المنطقي في بلد متنوع طوائفه غارقة في التوجس من بعضها البعض ريثما تستعاد الثقة و تهدأ النفوس.
أنا على يقين لو أن اللامركزية الإدارية تم تطبيقها من البداية ما كانت قطرة دم واحدة لتسيل - من الساحل السعيد وقتها بالتخلص من الأسد إلى السويداء التي كانت ترى نفسها في صف الثوار و جزءاً منهم....
هل يخفى على أحد أن الشاب العشريني القادم من مخيمات إدلب أو حماه - والذي لا يعرف شيئاً عن الوطنية السورية وتاريخها وقيمها بل قد تكون الوطنية في فكره كفر وجاهلية- هل يخفى على أحد أنه لن يلتزم حدود الاحترام والأدب مع الناس في القرداحة أو غيرها؟....
حالة غرور غريبة
لما كتبت ضد المبالغة في مظاهر الفرح في طرطوس وأن هذا الفرح غير المتزن يؤسس لصراع قادم وجولات جديدة قادمة من الدم قامت القيامة ضدي في مجموعة العائلة، و عندما طلبت من الداخلين إلى القرداحة أن يكلوا لأهلها إخراج جثمان حافظ من القبر تحاشياً لاستفزاز المشاعر، كان الجواب: بعد ما نخلص "فنترة عليه".
كان ثمن هذه "الفنترة" -وما سبقها وتلاها من أعمال استفزازية - أرواح 400 شاب من الأمن العام وألوف القتلى من المدنيين العلويين الأبرياء
هل تعلمنا الدرس؟
أعوذ بالله... نحن نتعلم من الدروس؟ عيب....
كررنا ما حصل في السويداء في منتهى انعدام البصيرة والجهل والتعصب.... دفعنا بالشباب غير المهيأ في منطقة بمنتهى الحساسية الطائفية والتاريخية والسياسية لنرى - عند أول اختلال - مشاهد يندى لها الجبين....
ما النتيجة؟
النتيجة الطبيعية جداً: هزيمة ساحقة ماحقة تصغر إلى جنبها خسارة الجولان سنة 67
نعم يا سادة: الحال الآن في السويداء أسوأ من النكسة.... لأننا في النكسة خسرنا الجولان لكننا لم نخسر انتماء أهلها إلى سوريا.... أما اليوم فنحن خسرنا الأرض وخسرنا الشعب...
عبادة الحقد
للأسف الشباب يعبدون أحقادهم و يبررون هذه العبادة بنصوص دينية وتراثية تكفيرية... شعور بالتعالي والاستحقاق أبعد ما يكون عن أخلاق المنتصرين
لعل مبعث هذا الشعور بالاستحقاق والثقة المفرطة ظنهم أنهم انتصروا عسكرياً في 8 كانون الأول 2024... وفي الحقيقة أن النصر العسكري وهم كبير
سقط نظام البعث السوري بنفس آلية سقوط نظام البعث العراقي: الحصار الغربي الخانق الممتد الموصل إلى الفقر المدقع والذي يسلب الأجهزة العسكرية والأمنية الولاء وإرادة القتال.... بعدها يتهاوى النظام كالهيكل الفارغ عند أول وكزة... وهذا ما جرى
النصر الحقيقي كان نصراً أخلاقياً يختصره شعار: نصر بلا ثأر... كان بالدخول الرحيم للحواضر والمدن والتعامل الحضاري مع المخالفين... هذا ما كسب قلوب الناس في الداخل والخارج فتح الأبواب الكثيرة التي كانت مغلقة.... لكن يبدو أن كل ذلك كان قشرة رقيقة سرعان ما سقطت مع ارتفاع أصوات المظلومية والتكفير
يؤسفني.... يؤسفني أن الدين الذي كان من المفترض أن يكون وسيلة لمحاسبة النفس وتقويمها و توجيهها صار وسيلة لتبرئة النفس ورمي كل موبقاتها على الآخرين مع التعالي عليهم.
يؤسفني أننا كأهل السنة والجماعة... بناة الدول ورجال الحضارات بتنا نفكر ونتصرف بعقلية الأقلية المتشنجة... نمجد "القائد" وندعو إلى سحق الآخر ونتلذذ بإذلاله
يؤسفني أن تتفوق علينا إسرائيل بنموذجها الديموقراطي للتعايش وتكسب ولاء الأقليات فيها بل و خارجها ونرى المظاهرات تعمّها اليوم ضد الحرب على غزة، بينما عاد الخوف يضرب أطنابه في أرجاء الشام من جديد... هذا بالضبط ما يجعلهم متفوقين علينا: قيمة الإنسان وكرامته داخل منظومتهم... ولن ننتصر عليهم ما لم يبلغ إنساننا ذات القيمة ويتجاوزها...
يؤسفني ما أراه من تبلد في المشاعر وعدم اكتراث بآلام إخوة لنا تألموا لألمنا ووقفوا معنا في محنتنا باتوا اليوم يرون فينا التهديد الأكبر والخطر المزمن والشر المحض... آخرهم كان سميح شقير في منشوره اليوم.... والذي كنت أسمع أغنيته "يا حيف" نغمة في جوالات الشباب الثائر في بانياس...
"يا حيف" اليوم بات يستحقها من قيلت لأجله في يوم من الأيام.