من السويداء إلى كفرنوران.. حكاية وطن

عبيدة النبواني
اليوم، بعد أن هدأ صوت الرصاص، وأرجو أن يصمت للأبد.. أجد نفسي مدفوعاً لأحكي قصّةً من قصص كثيرة في جعبتي.
بعد نجاحي في الثانوية العامة عام ٢٠٠٧ قررت أن أتابع دراستي في ما عرفت حينها ب أكاديمية الأسد للهندسة العسكرية في حلب. متطوعاً كطالب ضابط فيها باختصاص هندسة البرمجيات.
بعد أربع سنوات، انطلقت الثورة السورية، ولم أكن حينها أدرك ما يجري في سوريا لأسباب كثيرة. وقد قررت قيادة الأكاديمية العسكرية حينها زجنا بالحرب، فأوقفت الدروس والامتحانات، ونقلتنا إلى نقاط مختلفة في مدينة حلب، كان نصيبي منها مع نحو عشرة أو خمسة عشر طالباً آخرين، أن نكون على خط الاشتباكات في حي سيف الدولة.
في ذلك الوقت، بدأت أدرك حقيقة ما يجري، وشاهدت بعيني كيف كان عناصر الأمن يتعاملون مع المدنيين ويستبيحون البيوت التي غادرها ساكنوها، بل إن بعضهم كانوا يأخذون من النازحين أموالاً مقابل إسكانهم في بيت فارغ تركه أصحابه على عجل.
لا أذكر الأسماء جيداً لكن الأمر وصل بأحدهم أن يدعي أنه شيخ كي يعقد قران أحد رفاقه على إحدى النساء اللواتي أقمن في أحد هذه البيوت ليستطيع ممارسة الجنس معها.
في هذه الأثناء، أيقنت أني لا أريد أن أكون في هذا الطرف. كنت إذا جاء مدني يريد أن يأخذ بعض الثياب من بيته، وقد بدأ الشتاء، أدخل قبله إلى المنزل وأحاول تحريك الأثاث أثناء انتظاره عند الباب، خشية أن يكون في البيت لغم أو عبوة ناسفة قد تودي بحياته. ورغم أني لا أملك أي معرفة مسبقة بالألغام وطريقة التعامل معها، لكنني كنت مقتنعا أنه إذا كان في البيت لغم؛ فمن الأفضل أن ينفجر بي، أنا الجندي، على أن ينفجر بصاحب البيت المدني، وما زلت مقتنعا بذلك مع اعترافي أن تصرفي ذاك كان متهورا.
كثيرة هي القصص التي حدثت حينها لكن هذا ليس ما أود أن أحكيه اليوم.
حين قررت الانشقاق عن جيش النظام في ذلك الوقت، تواصلت مع صديقة من محافظة درعا، وبفضلها استطعت الحصول على رقم صديق انشق قبلي ببضعة أشهر من قرية كفرنوران في ريف حلب، وقمنا بالتنسيق معاً إلى أن َوصلت سالما إلى بيته بعد يومين.
هناك، في تلك القرية الصغيرة، عشت سبعة أشهر، كان معظمها في بيت هذا الشاب ومع أهله وإخوته وعائلته، لم أحتج شيئا طوال ذلك الوقت. وحين طلبت مبلغا من المال من أهلي دون أن أبلغهم عاتبني والد صديقي، الحاج أبو عمار رحمه الله، بقسوة قائلاً: "طالما أنت هنا فنحن أهلك، لن تطلب شيئا من أحد آخر"
الحاج أبو عمار، المسلم السني، كان يراني له ابناً، لا شابا درزيا. وقد كنت بين أبنائه الخمسة الولد المدلل في الحقيقة، كان مستعدا للتكفل بمصاريف زواجي فيما لو قررت الزواج، وكان قد رصد مبلغ مليون ليرة حينها من محصول ذلك العام لتأمين سفري إلى أوروبا مع أحد أبنائه إذا رغبنا بذلك.
عشت بين هؤلاء الناس سبعة أشهر، تعرفت خلالها على شكل حياتهم، وعرفت أنهم يزرعون الأرض مرتين في العام، لا كما نفعل نحن في السويداء، التقيت بشبان ورجال وشيوخ، تعرفت على مأكولات تلك المنطقة وانبهرت بتنوعها ولذتها، شاهدت المنازل والأحياء المدمرة، طلبت منهم تعليمي الصلاة وصلينا معاً كتفاً إلى كتف بينما تحلق فوقنا طائرات النظام. استمعت إلى خطب الجمعة في جوامعهم وأحببتها. ثم غادرتهم مع أمل بعودة قريبة.
مضت أكثر من عشر سنوات على ذلك الآن، لم أعد إلى ريف حلب، لكنني ما زلت أتحدث عنهم في كل مكان، وأذكر مآثرهم أمام الجميع، وخلال الاسبوع الذي مضى، لم يمض يوم دون سؤال منهم عن حال عائلتي وما إذا كانوا يحتاجون أي مساعدة.
اليوم، في زحمة سعار التحريض الطائفي بين أبناء هذا البلد، لا بد أن أقول:
أنا عبيدة النبواني، الذي ولدت درزيا في السويداء.. أفتخر بأن أهلي مسلمون سنة من ريف حلب.

زمان الوصل