أوّل إضراب عمالي خططت له ونفذته

جوزف جريج

عندما كنت في السنة الأولى من دراستي الجامعية... عملت بصيف 1976 في ورشة بناء صالة تشرين الرياضية في دمشق, وقد كان العمل يمتد حتى ساعات متأخرة نظراً لضرورة إنجاز الصالة قبل بدء الدورة الرياضية العربية الخامسة التي كانت مقررة في خريف ذلك العام.
كان الأجر 20 ليرة باليوم, و أجر كل ساعة إضافية بعد ساعات العمل الثمانية يعادل أجر ساعة وربع من ساعات الدوام. وكان كل من العمال والمتعهد أصحاب مصلحة بالعمل الإضافي... فنحن بحاجة للمال والمتعهد يريد سرعة الإنجاز.
لم يكن العمل الإضافي بعد الثالثة ظهراً أمراً ممتعاً أبداً... فالشمس الحارقة تلفح الوجوه وعملنا على سطح الصالة المكون من ألواح معدنية تحرق أقدامنا، والمهمة هي تغطية الألواح بالكرتون والزفت ورقائق الألمنيوم مع استخدام مسدسات تبصق اللهب على الزفت لتسخينه مما يزيد من الحرارة الخانقة، فالنار كانت من فوقنا وتحتنا وفي يدنا.. عدا عن الروائح غير الصحية.
كنت شاباً متحمساً تدفعني أفكار ثورية لتحسين شروط العمل.. فقمت بإقناع العمال أنه من غير العدل حساب الساعة الإضافية لنا بساعة وربع ونحن على سطح الصالة وفي تلك الظروف... بينما يأخذ الآخرون نفس الأجر عن العمل الإضافي وعملهم ضمن الصالة وتحت سقفها وفي الظل.. وأنه من العدل أن يزيد أجر ساعتنا الإضافية من ساعة وربع إلى ساعة ونصف.
واتخذنا القرار أن أكون الناطق باسم "الطبقة العاملة" وأن أتفاوض باسمهم مع المتعهد ونهدد بالإضراب إذا رفض!
كانت النتيجة أن خاف المتعهد من فكرة الإضراب.. فهو سيفقد وقتاً ثميناً بالبحث عن عمال ذات خبرة مثلنا بنوعية العمل، ولذلك قال لي وكيل المتعهد: سأعطي الجميع ساعة ونصف مقابل كل ساعة عمل إضافي.. إلا أنت فستبقى ساعتك بساعة وربع!
أحسست بالانتصار وقلت له: لامانع عندي فقد تحقق مايريده (الشباب)، وكانت ردة فعله بسيطة جداً، فقد أمسك ببطاقة عملي وشطب عليها بقلمه، وقال لي: أنت مفصول من العمل, وتحول بنظره إلى العمال قائلاً: عودوا إلى عملكم!
استدار (الشباب) باتجاه الورشة ماعدا صديق وقف ينظر إلي وبعيونه اعتذار وتأهب للانضمام لي... فما كان مني إلا أن طلبت منه الذهاب للورشة وتركي وشأني.
وهكذا...... انتهى الإضراب بالنجاح ولكن مع طرد (قائد الإضراب).
ذهبت إلى غرفة الملابس وارتديت ثيابي النظيفة وقصدت الإدارة لآخذ حسابي عن الفترة الماضية والسعادة تغمرني رغم الغصة في حلقي من خذلان العمال لي وعدم تضامنهم معي، فقد اعتبرت النتيجة (نجاحاً نضالياً) باهراً، وأن سلوك العمال الانتهازي سببه قلة الوعي وحاجتهم لإطعام أفراد أسرهم. وهناك قابلت وكيل المتعهد الذي قال لي عد للعمل ولاتكرر فعلتك مرة ثانية.
لم تكن إعادتي للعمل حباً أو رأفة بي.. بل لأني كنت أكثر العمال كفاءة ومنفعة للمتعهد، وكانت الإدارة قد سلمتني رئاسة الورشة قبل شهر من الحادثة.
تابعت العمل حتى نهايته وترافق ذلك مع بدء الدراسة بالجامعة... وتوتة توتة وخلصت الحتوتة.
أتذكر هذه الحادثة وحوادث مماثلة عندما أكتب هنا عن وجع السوري المسحوق الذي يقرأ ما أكتب ويعجبه ولكن دون أي تعليق. وقد قال لي كثيرون بصراحة أنهم يخافون من التفاعل مع المنشورات التي تنتقد الدولة!
رغم ذلك لن أغير طريقتي بالتعبير عن موقفي بقضايا الشأن العام.. فالطبع غلب التطبع.