د. عارف دليلة متذكراً والدته

كتب الكاتب والمناضل نصر شمالي، عبر صفحته، بتاريخ 5 حزيران 2025، متذكراً والدته في ذكرى وفاتها المصادفة الخامس من حزيران 1998، فكتب د. عارف دليلة معزياً صديقه الأستاذ نصر، ومستذكراً بدوره والدته، ليستحضّر مأساة وطن في عهد الأسدية:

د. عارف دليلة

تعزية مشتركة
^^^^^^^^^^^^
الرحمة للوالدة الكريمة وطول العمر لك، اخي نصر، ولمحبيك..
 
لم استطع، بعد قراءة منشور الاخ نصر شمالي في ذكرى وفاة والدته المرحومة، وتعزيته بالمناسبة، إلّا أن اكتب عن ذكرى وفاة والدتي وأنا في السجن:
عند اعتقالي من قبل ارباب الفساد والاستبداد في ٩/٩ /٢٠٠١، كانت والدتي تنتظر زيارتي لها، وكلما كان يمر يوم على تأخري كانت تسأل: اين عارف، وعدني سيزورني في الصيف وقد انتهى الصيف؟ وكانوا يقولون لها: انه مسافر، بينما انا مشغول بـ"ربيع دمشق"، الذي اختتم باعتقالنا! وطالت الشهور حتى أخذت تقول لهم: انكم تكذبون علي! وازداد ضعفها حتى الشلل الكامل عن الحركة، ماعدا سلامة السمع والبصر، والكلام الخافت، واضطروا ان يخبروها اني في السجن. وبقيت على هذه الحال سنتين ونصف، مستلقية، كاملة الوعي وعديمة الحركة، حتى ودعت هذه الدنيا الفانية. وفي صباح اليوم التالي، استلمت الجريدة، وفتحتها، وإذ قرأت النعوة على الصفحة الثالثة، ألقيت الجريدة على السرير، في الزنزانة الانفرادية (التي قضيت فيها سبع سنوات)، وقمت أتمشى، ذهابا وايابا، وأنا أستعرض عمر الوالدين المليء بالجهد والجهاد الحقيقي الذي أمر الله به عباده، وليس "الجهاد المعاكس"، جهارا نهارا، لاوامر الله، مثل بعض ما صدر الى سورية، (بعد تنظيف بلدان ولادته منه)!
وبعد دقيقتين من تسليمي الجريدة يفتح نافذة الباب الحديدي الشرطي الذي جاءني بالجريدة، وهو يلهث من السرعة، ينظر الى الجريدة الملقاة على السرير، ويقول: ممكن تعطيني الجريدة لخمس دقائق، ليطلع عليها مدير السجن، ثم أعيدها لك؟ فأعطيته اياها، متظاهرا بعدم فتحها، ومتاكدا من ان قيادتهم اطلعت على النعوة فطلبوا منهم عدم تسليمي الجريدة او استعادتها فورا. (وكنا في جناح السجن السياسي ممنوعين من اللقاء بأحد او من الخروج من زنزاناتنا، باعتبارنا، بتصنيفهم، أخطر. من أخطر المجرمين، وحتى من الجواسيس، اذ صدرت خلال اعتقالي خمسة مراسيم عفو اطلق خلالها سراح. معظم السجناء الجنائيين المجرمين قانونيا، ولم يطلق سراحي! وهذا "حق!"! فهل هناك أخطر ممن قاوم سرقتهم لأهم مورد مالي للخزينة، كما اعترفوا بعظمة لسانهم بعد اعتقالي بسنوات طويلة، إذ قرات في الجرائد مطالبتهم لرامي مخلوف (خازن أموالهم المسروقة، من أموال الدولة والمواطنين، بمن فيهم الفقراء الجياع، بعد تشليحه ما استطاعوا من قبل حملة مفتاح الخزنة الجدد)، عام ٢٠١٧ بـ٢٣٤ مليار ليرة، من بقايا التهرب الضريبي، فقط، على أرباح سيرياتيل (الخليوي المسروق)! التي كنت قد اعترضت في محاضرات ندوة الثلاثاء الاقتصادي في المركز الثقافي على اهدائها له "لنفسهم!" مجانا، وهم يمررون توقيع عقدها عام ٢٠٠١، بعيد اعتقالنا، بمخالفة فاضحة للدستور والقانون، وكان اول ما سألوني عنه، بدون اي خجل، ساعة إحضاري، هو عن موقفي من توقيع هذا العقد!
أعود إلى وفاة الوالدة المجاهدة، عقودا طويلة، ضد أشد انواع الفقر والحرمان والمعاناة، هي والوالد المجاهد معها، حاملين أعباء معجزة حقيقية، بمقاييس هذا الزمان الزفت، يوم استطاعا، من لاشيءعلى الإطلاق غير عملهما في الأرض وعنفوانهما، ليس فقط ان يقيما أود تسعة أطفال وهما على رأسهم، بل ان يوصلانهم الى اعلى مراتب العلم والعمل، ويودعانهم، مجهدين جدا، طبعا، ولكنهما نظيفين كالثلج، مرتاحي الضمير كالانبياء، غير متهمين ولو برغيف خبز حرام او بورقة نقد مستلبة من احد او من أموال الدولة والشعب!
وذهب بالجريدة ولم يعد!
فكرت طويلا، وانا اتمشى داخل زنزانتي، وأنا اسأل نفسي: هل من سبيل للسماح لي، محاطا بمرافقين من الامن يضمنان عدم افلات "العدو الخطير" من يد العدالة، بالخروج لعشر ساعات كافية للسفر من دمشق الى اللاذقية وحضور جنازة والدتي ومواساة والدي واخوتي، واعادتي الى الزنزاتة لاكمل السنوات العشر او اموت قبل اكمالها، حسبما وعدوني، بجد؟ أخذت قلما وورقة وكتبت طلبا بهذا الاقتراح الى ادارة السجن، وقبل ان اسلم الكتاب لهم فكرت طويلا، ثم مزقت الكتاب وعدلت عن الفكرة، بعدما توصلت الى يقين تام بان تلبية هكذا طلب ليس من اخلاقهم، فلماذا أكسر نفسي لهم؟
وبعد أيام وأنا أسمع الراديو، وكان المناضل الراحل الصديق ميشيل كيلو قد أصبح ايضا نزيل السجن، قد توفيت والدته وطلب من إدارة السجن اخراجه للمشاركة في وداعها والعودة الى السجن، ورفضوا طلبه. فارتاح ضميري!
ولقد سألت صديقي ميشيل، يوم زارني، بعد سنوات وقد خرجنا الى الحرية، ان كان فعلا قد طلب منهم ذلك، فاجأبني بانه لم يطلب ذلك، وانما اخوته طلبوا ذلك وقوبل طلبهم بالرفض!
فحمدت الله على صبري وصحة تقديري! وليس على اني اعيش في ظل ("دولة قانون"... حريصة على تمكين المجرمين الحقيقيين من الافلات من العقاب!).