من وحي سجون آل الأسد

نصر شمالي

تذكرت اليوم سنوات السجن، وتذكرت كيف كان الداخل ألى سجون آل الأسد مفقودا والخارج منها مولودا سواء جرى اعتقاله لسبب أو من دون سبب، أي بالمصادفة! فلقد كان مجرد اعتقاله ودخوله السجن، ولو اعتباطا في الزحمة ومن دون تهمة، يعرضه لاحتمال بقائه في السجن لسنوات طويلة مفتوحة غير محددة، بل ولاحتمال الموت في السجن!
ومن جهتي، مثلا، فقد سجنت من دون تهمة، ولم أعرف كم هي المدة التي سوف أقضيها في السجن، ولذلك، ولكي أرتاح نفسيا من إرهاق التوقع والانتظار، اعتبرت سجني مؤبدا! ولم يكن السجناء من أبناء سورية فقط، بل كان معهم كثيرون من مختلف البلاد العربية ومن الأجانب من جميع القارات أيضا، حالهم عموما في السجن ليس أقل سوءا من حال السوريين، وكثيرون منهم لا يعرفون سبب سجنهم ولا متى سيخرجون!
وكان الفلسطينيون هم من يلي السوريين في السجن من حيث تعدادهم وفظاعة معاملتهم! وقد جاورني لفترة أحد العرب السجناء، من غير السوريين ومن غير الفلسطينيين، وهو كان يقيم في دمشق لاجئا سياسيا، وكان عاشقا لسورية إلى حد أنه أعطى ابنته إسم "سورية"! كانت "سورية" ابنته! لكن هذا لم يشفع له، وبقي في السجن المفتوح لسنوات لا يعرف متى ستنتهي، وذلك لخلاف وقع بينه وبين رفاقه من أبناء بلده اللاجئين في سورية، ويبدو أنهم كانوا أكثر منه ولاء للمخابرات السورية التي تتولى أمورهم!
وقد سألته إن كان سيبقى في سورية بعد خروجه من السجن؟ وإن كان سيزور سورية بعد مغادرته لها؟ فأطرق مكفهرا متوترا للحظة ثم رفع رأسه وقال بنبرة شديدة القسوة: "إذا قدر لي وخرجت من سورية فإنني لن أسافر أبدا أبدا في طائرة تعبر الأجواء السورية مجرد عبور"! وظل محدقا في وجهي ينتظر ما أقول، ثم سألني وقد استبطأ جوابي: " وأنت؟ ماذا عنك إذا أطلقوك؟"، فأجبته: "سأبقى في سورية، في السجن أو في البيت أو في القبر"!