الفصول التدمرية.. بعد أربعين سنة
محمد مأمون العظمة
أبكاني رغم قسوة قلبي وسال دمعي رغم جفاف عيني؛ الله أكبر. وفي غمرة النصر وفرحته، أخ كريم أعادني إلى الوراء ليفتح الصندوق، صندوق الذاكرة، ويخرج الملف الأليم من تاريخ مظلمة تدمر، (بفتح الميم)، فبعث رسالة حب وذكرى ليصف المشهد، فرأيت بعين البصيرة وسمعت بالأذن الواعية ما كان يجري في ذلك المهجع المعزول؛ فقد قضينا فيه سنتين ليس لنا أهل أو أخ أو قريب حتى، ولا عمل أو مهمة تحرك العضل أو كتاب تحرك فيه الفكر وتشحذ الذهن بعلم نافع أو تسلية بريئة، ففي هذا الفراغ الرهيب ليس لك إلا البحث عن أنيس تناجيه و تحادثه لتفرغ عواطفك وانفعالاتك وتتحدث عن كل شيئ مضى، وتتلمس حساً أو خبراً يصلك بالحاضر لتنسج منه أحلاماً لأيام قد تدركها أو يدركك الأجل قبل أن تدركك.
محل إقامتنا في صالة كبيرة حشر فيها أكثر من سبعين، اذا رأيتهم في الليل وهم نيام تظن أنك تنظر في طنجرة يبرق؛ تنام على جنبك مكعوكاً كالسيف الأعوج فاذا غلبك النوم انقلبت فصار نصفك فوق جارك، فاذا تحملك سكت وإذا تأذى قال لك سيّف لتعود إلى جنبك المتألم.
والتعذيب نوعين، جماعي وإفرادي، فالجماعي للجميع، والوجوه الى الجدار مغمضة العينين، وفي كل يوم حفلة تعذيب إما في التنفس أو الحمام أو الحلاقة أو التفتيش، أو عقوبة لذنب لم يقترف أو للتسلية. والحفلة أولها شهيق خوف وآخرها زفير خلاص. والتعذيب الإفرادي مزاجي فلكل يوم فريسة تسام من العذاب ألواناً، كالكرة تتناولها الأيدي وترفسها الأقدام، حتى إذا تعبوا استعملوا اللسان يرمونك بأقذع الألقاب وأوسخ الكلام. فإذا انتهى الاحتفال هيا إلى المهجع لتتنفس الصعداء وتلملم رضوضك وتنظف جراحك وتمضي يومك بالآه والأنين تاركاً غدك لربك لاتفكر فيه فلديك مايشغلك آمناً بقية يومك.
هذا غيض من فيض ويسير من كثير ولله عاقبة الأمور. وأما الجار بجانبك فقد أصبح أخاً يقص كل أسراره يريح بها ضميره. ثم أتى الفرج ففرقنا ومضينا وانقضت سنوات فإذا به يقف أمامي في عيادتي ويقول أنا أخوك خالد جزماتي لا أنساك لمحبتي وللأيام التي جمعتنا، جاء الفرج فجئت لأطمئن عنك، وبعد غياب طالعنا بمقالة نشرها في آلة الوصل والاتصال تهف منها رائحة الحب والتقدير، ثم مضى.
لم تكن القصة من صنع أحد ولكن كانت من قدر الله، لاتقل شئنا فإن الله شاء، الشكر الجزيل للأخ المقدم خالد جزماتي على مشاعره الصادقة وأحيله على الله ليجزيه لا أدري أين هو الآن، وأرجو له كل خير. (دمشق 10/1/2025).
روابط ذات صلة
من ذكرياتي في سجن تدمر سيء الذكر