من ذكرياتي في سجن تدمر سيء الذكر
خالد محمد جزماتي
في أواسط تموز من عام 1981 جرت عملية فرز للمهاجع في سجن تدمر حسب الأحكام، فتم تخصيص المهجع 11 للأحكام الشاقة المؤبدة وأنا من نزلائه، وكان عددنا 71 سجينا مؤبدة أحكامنا..... وهجمنا من أول وهلة على بعضنا البعض نتسارع في التعارف، فكان أول من لفت نظرنا الرقيب أول سجيع ناصر من قربة الزوبار التابعة لريف اللاذقية، والثاني ياسين سفلو من اللاذقية، وقد أعلنهما مسؤول انضباط السجن فيصل كحيله رئيسان للمهجع وميزتهما الرئيسية أنهما مدعومان لا يحلقان شعرهما، مع أن سجيع ناصر كان أصلعا وشاربه مميزا.... وبسرعة تعرفت على أربعة أطباء كرام دمشقيين.
الدكتور محمد مأمون العظمة ( 1938 --أمد الله في عمره) إن لم تخني الذاكرة، فقد تخرج طبيبا من جامعة دمشق عام 1963 ثم تابع دراسة اختصاص الجراحة العامة والبولية والتناسلية، وكما علمت أنه كان أستاذا في الجامعة وهو صاحب الصورة في الأسفل وقد أخذت له عام 2023...
أما الثاني فهو الدكتور بدر الدين الصفدي من دمشق مواليد 1943، وكان أحد أساتذته في الجامعة زميله في السجن الدكتور مأمون العظمة..

أما الثالث فكان الدكتور عماد رنكو من دمشق، وقد تم اعتقاله بعد تخرجه من الجامعة طبيبا بزمن قليل، وهذا الطبيب الصابر بذل جهودا مضنية أثناء حياته في السجن في مداواة السجناء والتعامل الصعب مع رقباء السجن أثناء توليه كثير من المرات المسؤوليات الصحية في مختلف المهاجع الذي عاش فيها. (يقيم الاّن في كندا)....
أما الرابع فكان الدكتور الدمشقي الفلسطيني الأصل محمد القلا، والذي تخرج في السنة نفسها مع الدكتور عماد رنكو..
وكان الدكتور القلا شديد الذكاء هادىء الطبع، وكان يجيد الى جانب تفوقه في الطب اللغة الانكليزية الى جانب الفرنسية، وقد استفدت منه كثيرا كغيري من السجناء في حفظ اللغتين الفرنسية والانكليزية في ذلك الزمن الصعب، وأعتقد أنه يقيم الاّن في الجزائر.....
أعود للحديث عن صاحب الصورة الدكتور مأمون العظمة.. فقد تاّلفت معه وكان طيب القلب مع ذكاء ظاهر وذي عشرة طيبة.. فكان يعطينا دروسا في الطب وخاصة شروحات مستفيضة عن الجهاز البولي للإنسان، وقد تناولت الطعام معه الى جانب الدكتور بدر الدين الصفدي وشاب رائع من دمشق اسمه جمال قطان، متدينا....
وكان الدكتور العظمة من جماعة المرحوم الشيخ عصام العطار، وكان يهوى أحيانا الاستماع الى المنامات ويميزها بشكل ملفت للنظر...
وفي صباح يوم من أيام المهجع 11 جاء الدكتور بدر الدين الصفدي الى مائدة فطورنا وخاطب الدكتور مأمون قائلا: يا أستاذ (هكذا كان يناديه زيادة في الاحترام لأنه كان أستاذه في كلية الطب) رأيت رؤيا معبرة... أجابه الدكتور: هات لنشوف أنا أستمع.. فبدأ الدكتور الصفدي بشرح منامه قائلا: رأيت نفسي أقوم بتوليد زوجتي وأتممت قطع حبل الخلاص!... فانتفض الدكتور العظمة من فوره ورفع ساعدة وسبابة كفه الى الأمام وأصابع كفه الأربعة مطبقة، وصاح به بصوت أعلى من المعتاد لفت به نظر الجميع: هذا الفرج بعينه....!....
ويا للهول بعد الفطور جاءت الشرطة والرقباء وفتحوا باب المهجع وهم يصرخون بنا: الجميع لبرا .. وصففنا اثنين اثنين.. وبدأت الكرابيج تنهال علينا.. طبعا ما عدا سجيع وياسين... وشاء الله أن يتلقى الدكتور مأمون العظمة كرباجا عل رأسه من الخلف، فلف الكرباج على رأسه وأصاب عينه بشدة سببت له ورما كبيرا عانى منه ألما شديدا.. وتفاصيل ذلك مثيرة...
وبعد يومين شاءت ارادة الله أن يكون تفسير منام الدكتور بدر الدين الصفدي يسري بجلاء على أستاذه الذي فسر له رؤياه..... فجاء الرقيب وفتح شراقة باب المهجع وهو ينادي باسم: مأمون العظمة قائلا: ضب أغراضك... وأخذه الرقيب وتم تسفيره الى دمشق..
وقد علمنا بعد زمن أنه تم اخلاء سبيله بعد شفاء ورم عينه.. ومعلوماتي عن سبب اخلاء سبيله وهو المحكوم بالأشعال الشاقة المؤبدة.. أن في القصر الجمهوري اثنين من الأطباء من اّل الصواف والدكتور محمد مأمون العظمة خال لهما.. فقاما بالتوسط له عند حافظ الأسد فلباهما وأمر بإخلاء سبيل الدكتور مأمون بمرسوم عفو خاص. وحسب ماعلمت أن حافظ الأسد لم يكرر ذلك أبدا...
أخيرا ألفت نظر القراء الكرام أن العميد الطبيب ماجد العظمة رئيس إدارة الحدمات الطبية في الجيش العربي السوري وقتذاك وهو ابن عم الدكتور مأمون العظمة وزوج الدكتورة نجاح العطار ليس له أية علاقة بإخلاء سبيل الدكتور مأمون العظمة كما يظن البعض، بل أبناء أخته من اّل الصواف هما السبب الذي أتاحه لهما الله جلت قدرته... ولله الأمر من قبل ومن بعد..
ومرة أخيرة أقول: لك مني يا دكتور مأمون أطيب التحيات وأصدق التمنيات، لكم ولأسرتكم الكريمة بدوام الصحة والعافية وألف مبارك الفرج الذي تحقق أخيرا ونحن أحياء نرزق...