"لعنة أدلب…"

شعبان عبود

حين كنت شاباً صغيراً لم أنتبه كثيراً، أو بالأحرى لم يلفت نظري أو يعنيني كثيراً، أني ولدت في محافظة ذات طبيعة خلابة، حيث الأراضي الزراعية والبساتين وأشجار الزيتون تبدو من سطح بيتنا في "بنش" كما لو أنها بحر أخضر يطوّق القرية.
في الحقيقة أدركت ذلك لاحقاً، حين كبرت و سنحت لي الفرصة أن أزور وأتعرف على بعض المحافظات والمناطق السورية الأخرى. لكن جمال الطبيعة ذاك غالباً ما كان مرتبطاً بغصّة حين يسألني أحدٌ ما عن اسم محافظتي، هناك من لم يسمع بها، وإذا سمع بها فغالباً ما يربطها بحلب القريبة، أو يظن أنها تابعة لمحافظة حلب، بالنسبة لشاب مثلي في مقتبل العمر، كان ذلك يبدو لي مثل إهانة شخصية، لا أحد يراني لذاتي وما أمثله بل يجب أن أعرّف نفسي من خلال الآخر المعروف.
لم تنته القصة هنا، فهذه المحافظة الخضراء الجميلة اسمها مرتبط باللواطة لسبب أجهله، وفوق ذلك هي "مغضوب عليها من قبل القيادة" و"حافظ الأسد نفسه يكره محافظة إدلب". هكذا كنا نسمع ممن هم أكبر منا حينما نتساءل عن غياب المنشآت السياحية والصناعية وقلة الاهتمام واللامبالاة من قبل "المسؤولين".
لكن لماذا هي مكروهة؟
يجيب أحد ما، وهي الإجابة والتفسير الوحيدين ربما : "لأن أهل ادلب استقبلوا حافظ الأسد بالأحذية حين زار المحافظة في أول السبعينيات، وهي الزيارة الأولى والأخيرة له". وهذا بحد ذاته سبب إضافي يعزز الشعور لدى أبناء المحافظة بالخزي والنقص والخوف والشعور بالدونية والقلق الدائم، لا غرابة، نحن كنا نعيش في "دولة الأسد"، دولة يحكمها نظام استبدادي فردي وصل في مرحلة ما إلى تأليه حافظ الأسد، ونحن "أهل إدلب" بدونا كما لو أننا رمينا تلك الأحذية على الذات المقدسة، ومنذ ذلك الوقت حلّتْ علينا اللعنة.
لسنا موجودين في "مراكز حساسة" في أجهزة الدولة وهذا طبيعي لأننا من إدلب، لا يقبلوننا بسهولة حين نتقدم لوظيفة ما، وهذا متوقع لأننا من إدلب.
كل ذلك، وعلى مدار سنين طويلة، نحو ثلاثين سنة تحت حكم حافظ الأسد، ولّد ذهنيات وعادات التملق والتذلل والنفاق والاستعداد لدى البعض للعب أدوار قذرة، كما لو أن من يلعب هذا الدور يودّ القول: صحيح أنا من إدلب لكني لست منهم، صحيح أنا من إدلب لكن لا أشبه أهل إدلب، أنا أفعل أي شيء من أجل "السيد الرئيس القائد". اليوم لا أجد تفسيرا لذلك إلا كنوع من محاولات الدفاع الأولية الذاتية والمبررة لمواجهة التمييز والقهر والقمع.
بعد تخرجي بمعدل جيد من كلية الإعلام في أوائل التسعينيات، وكانت الكلية في حينها مجرد "قسم صحافة" يتبع لكلية الآداب بجامعة دمشق، بدأت بالتقدم لوظيفة في وسائل الإعلام الحكومية إسوة بالكثير من زملائي الذين تقدموا وتم قبول غالبيتهم، باختصار كل محاولاتي باءت بالفشل، تذكرت محاولاتي السابقة للحصول على غرفة في السكن الجامعي حينما كنت طالباً، أنا الوحيد ربما بين زملائي من أبناء المحافظات البعيدة الذي لم يتمكن من الحصول على سكن جامعي رغم أن طلاب قسم الصحافة في ذلك الوقت كانوا كما طلاب كلية الطب، يجب الموافقة على طلبات سكنهم، لكن أنا لم أستطع وبقيت خارج أسوار المدينة الجامعية، وهو الأمر الذي كلّف أبي وأسرتي أعباء مالية كبيرة، حيث كنت مع أخ لي ندرس في جامعة دمشق. هل هي لعنة إدلب؟ ربما.
لم تفلح كل محاولاتي وطلباتي الكثيرة في الحصول على تلك الوظيفة في الإعلام الحكومي الرسمي، أحد ما قال لي ناصحاً: "لماذا لا تبحث عن واسطة ما، من المستحيل أن تنجح محاولاتك تلك إذا لم يكن هناك من يدعمك."
وبالفعل وجدت لاحقا، باللواء "قورياقوس ميتشو قورياقوس" وكان وقتها مديرا لإدارة المشاريع الإنتاجية بوزارة الدفاع، ضالتي، فهو قديما كان من المحسوبين على "جماعة رفعت الأسد" واليوم هو يدين بكل الولاء للرئيس حافظ الأسد، لكن قبل ذلك سأوضح علاقتي بالسيد قورياقوس.
هذا الضابط أعرفه منذ أن كنت طفلا، ومنذ أن كان هو برتبة ضابط صغيرة، كان يزور بيت خالي، وخالي ذاك كان متزوجاً من أخته، ليس زواجاً عاديا، فخالي مسلم ومن قرية "بنش" فيما زوجته خزنادا، أخت قورياقوس، هي آشورية من تل تمر في منطقة الجزيرة السورية، وفي زمن بعيد لم أكن قد ولدت فيه بعد، خالي الذي كان يعمل هناك أحب خزنادا وهي أحبته، ولأنه كان صعباً عليهما الزواج فقرر خالي أن يخطفها ويتزوجها لاحقاً، وهذا ما حصل، ورغم استياء أهلها وأبيها، إلا أن المصالحة تمت فيما بعد ورأيت في طفولتي أبيها السيد "ميتشو" أكثر من مرة يزور بيت خالي، ليس هو فقط بل أبنائه وفي مقدمتهم قورياقوس وبقية إخوته وأخواته. باختصار مع مرور الوقت صار قورياقوس ضابطاً كبيراً معروفاً وله علاقات مع المسؤولين.
حين باءت كل محاولاتي بالحصول على وظيفة في الإعلام الحكومي، في لحظات اليأس تلك، ذهبت إليه في مكتبه حيث إدارة المشاريع الإنتاجية في منطقة الجمارك وسط دمشق وحدثته عن قصتي وطلبي منه. الرجل رحّب كثيرا بقدومي ووعدني خيرا وطلب مني أن أتوجه في اليوم التالي إلى مكتب رئيس تحرير صحيفة البعث وقتها تركي صقر. "هو صديقي وجاري أيضا في البناية التي أسكن فيها" هكذا طمأنني اللواء قورياقوس.
ذهبت إلى مكتب تركي صقر حيث يقع مبنى الصحيفة ووزارة الإعلام معا على "أوتوستراد المزة". وحينما فتحت لي السكرتيرة الباب ودخلت عليه كان عليّ أن أمشي طويلاً حتى أصل إلى مكتبه، كان هو جالسا وينظر نحوي، شعرت أن خطواتي ثقيلة وأن المسافة طويلة جداً.
بعد أن عرفته عن نفسي، شرحت له طلبي وحاجتي للوظيفة، ومثل أي مغفل، ذكرت له علاماتي ومعدل تخرجي الجيد، لكنه سألني أسئلة مختلفة عن علاقتي باللواء قورياقوس، ربما استغرب اسمي ذي الإيحاء الإسلامي واسم اللواء ذي الإيحاء المسيحي الآشوري، أعطيته جوابا صحيحا لكن لا يحتوي على ما يريده هو بالضبط، قلت له هو بمثابة خال لي، نقول له الخال قورياقوس لكن في الحقيقة هو ليس بخالي بل لأن خالي متزوج من أخت سيادة اللواء. لكن تركي صقر لم يكتف بذلك الجواب وباغتني على عجل بسؤال واضح: من أي محافظة أنت يا شعبان؟ قلت له من إدلب..
ساد صمت، ثم وقف من وراء مكتبه قائلا في إشارة لانتهاء اللقاء، ليس لدينا في الصحيفة شواغر الآن، اترك عند السكرتيرة رقم هاتف وسيتصلون بك في حال توفر الشاغر.
لم أحتج كثيرا من الوقت لأعرف أنه لن يوافق أو يساعد في توظيفي وأن سبب الرفض هو أني من إدلب وأن إدلب محافظة ملعونة ويكرهها حافظ الأسد، لم أحتج كثيرا من الوقت لأعرف أن السبب هو أشياء لم اخترها أو أقررها حين وُلدت مثل اسمي، الجغرافيا والمكان الذي نشأت وترعرت فيه، كذلك ديني وطائفتي.
بعد أن خرجت من سوريا منذ سنين طويلة استمرت لعنة إدلب، فرغم أنها ثارت على النظام مثل بقية المحافظات، إلا أنها سرعان ما صارت موطئا للجماعات الإسلامية المتشددة، ليس ذلك فحسب، هي من كان لها النصيب الأكبر من القصف والدمار، النظام وروسيا وإيران لم يتركوا مشفى أو فرن خبز أو مدرسة دون أن يقصفوه فأغرقوها في الدم والموت..
"لعنهل انتهت لعنة أدلب؟ بغض النظر، أنا منها و أحبّها رغم كل شيء.