مشاهدات مغترب سوري في السويد.. حقوق الرجل

معن حيدر- فينكس

لم تحصل المرأة السويدية على حقوقها كاملة إلا في مطلع القرن العشرين (حوالي ثلاثينيات القرن الماضي)، كما قرأنا في الكتب هنا.
وقرأنا أيضا أنّ الكاتبة السويدية الشهيرة أستريد ليندغرين اضطرت أنْ تنتقل، في مرحلة متقدّمة من حياتها، إلى النرويج بسبب أمور تتعلق بتثبيت حملها وولادتها.
وكان الصديق الكاتب آرام كرابيت أرسل لي عبر الإيميل، نسخة رواية قام بترجمتها في وقت سابق، اسمها (إيلين) للكاتب السويدي هانس بيترسون
جرت أحداثها في نهاية القرن الثامن عشر، يستطيع القاريء أن يرصد فيها معاناة المرأة السويدية آنذاك في ظل سيطرة الرجل المطلقة.
حيث وقف والد إيلين، بطلة الرواية، حائلا دون زواجها بمن تحب، ففضّلت العنوسة، وعندما هرمتْ طلبت أنْ تُدفن في المكان الذي التقتْ فيه مع حبيبها هوكو أول مرة، وأقتبس:
((دُفنت إيلين في منتصف المسافة ما بين الضيعة والمكان الذي عاشت فيه حياتها كلها. دُفنت بالقرب من طريق الغابة، حيث التقتْ مع هوكو. بالقرب من المروج التي كانت تسير عليها تحت قطرات المطر المنهمرة على رأسها وجسدها، في طريقها للقاء هوكو. لقد دُفنت في المكان التي عاشت فيه حياتها الحقيقية)).
نترك إيلين ونعود إلى المرأة السويدية التي حصلتْ على حقوقها بالتدريج: أولا حق التعلّم دون التعليم، ثم حق التعليم والتوظّف شرط ألاّ تكون حاملاً، ثم حقّها في الحصول على إجازة الحمل، ثم إجازة أمومة، ثمّ حق مشاركتها في الانتخابات بالتصويت فقط، ثم في الترشح للانتخابات...
وحصلتْ ليس على حقوقها كاملة فحسب، بل على (حقّها ومستحقّها ونفقة طلاقها) كما يقول المثل.
وربما يلمس المرء بشكل ما، من خلال الحياة اليومية، أنّ الآية انقلبت وأصبح الرجل هو من ينبغي أنْ يُطالب بحقوقه.
وفي هذا الصدد أذكر حادثتين طريفتين حصلتا معي
الحادثة الأولى:
كنّا مجموعة من ثلاثة أشخاص، سويديتان وأنا، ننتقي نصوص المشاركين بالأمسية السويدية العربية المشتركة (شعر وموسيقى) التي أقمناها في شهر نوفمبر/ تشرين ثاني الماضي (2023) على مسرح بلدية اسكلستونا،
وعند استعراضنا نصّا لصديقنا آرام اسمه (جدّي) من مجموعته (كان ياما كان الحب مالي بيتنا، ذكريات طفل من سورية)، يتحدّث فيه عن جدّه الذي كان يعالج الناس بالأعشاب مجاناً، وعن جدّته التي (كانت صعبة وذات ملامح قاسية، دائمة التأنيب لجدّه المتسامح الذي كان يمضي وقتاً طويلاً في الحقول بين الأعشاب والزهور)..
اعترضتْ السويديتان بقوّة لأنّ الكاتب أساء إلى المرأة وخالف القيم الاجتماعية السائدة في السويد، واصفين الكاتب بأنّه هو القاسي وووو...
فاعترضتُ عليهنّ قائلاً إنّ الكاتب ينقل وقائع من ذكرياته، وتطوّر النقاش، ولم يهدأ إلا بعدما بدّلتُ النص بنص آخر اسمه (الروضة).
والحادثة الثانية:
سبقتني زوجتي في الوصول إلى السويد، وبالتالي أصبح عنوان المراسلات باسمها، وصار عنوان مراسلاتي: معن حيدر/ عن طريق نايفة الخطيب.
وفي إحدى المرّات جاءتني رسالة عبر الموبايل من إحدى الجهات الرسميّة يعلموني أنّهم أرسلوا لي رسالة في البريد عليّ أنْ أستلمها من مركز البريد في متجر إيكا القريب من منزلنا، والرسالة تحوي كود للاستلام.
عندما ذهبتُ لم يكنْ هناك مراجعون في ركن البريد، فتقدّمتُ من الموظفة السويدية العجوز وأريتها رسالة الموبايل وأعطيتها هويتي
فتحتْ الكومبيوتر أمامها ومسحتْ رسالة الموبايل بالماسح الإلكتروني وأخذت تدقّق على الشاشة.
قالت لي إنّ الرسالة ليست باسمك، وأنّ صاحب الاسم هو من يجب أن يستلمها
حاولتُ أن أشرح لها أنّ الاسم هو اسم زوجتي وأنّ عنواني....
عندما سمعتْ الموظفة كلمة (زوجتي) لم تمهلني لأُكمل، بل انبرتْ ترغي وتزبد وتبربر بالسويدي فلم أفهم شيء.
استدرتُ لأنسحب وأنا أشعر بالخجل ومستغربا من تصرّفها، لأجد ورائي عددا من السيدات والرجال ينظرون إليّ شزرا (على علمي ما كان في حدا ورايي، منين طلعوا ما بعرف).
لاحقا، عندما استلمتْ زوجتي الرسالة، فهمنا القصّة: كانت الجهة المرسلة قد كتبتْ العنوان دون ذكر اسمي، والعنوان طبعاً باسم زوجتي.
ما جعل موظفة البريد تعتبرني أحاول اختراق خصوصيات زوجتي وأتعدى على حقوقها المقدّسة.
وفهمت ليش أكلت حمّام ع البارد منها وكام نظرة تأنيب من الواقفين على الدور.