نصر شمالي متذكّراً عمر أبو ريشة

نصر شمالي

تذكرت هذا المشهد لعمر أبو ريشة؟ ففي بيروت، في الثمانينيات على الأغلب، كنت أسير متسكعا في شارع الحمرا، وإذا بالشاعر عمر أبو ريشة، بقامته الفارعة وبأناقته المتميزة، متسكعا أيضا، يسير على الرصيف متمهلاً، ويتوقف للحظة أحياناً متأملاً في هذا المشهد أو ذاك من مشاهد الطريق، فقررت أن أتباطأ في سيري، وأن أرافقه سائراً خلفه على بعد خطوات قليلة بحيث لا يلحظني، وفجأة، وجدته يتوقف عن السير وينتصب كالرمح على مدى قامته الباسقة محدقاً في اتجاه زاوية متطرفة على الرصيف؟
ومن حيث أنا شاهدت في تلك الزاوية بقايا سيدة هرمة مكومة على الأرض، محتضنة ذراعيها وساقيها ورأسها!
وتابعت عمر أبو ريشة وهو يقترب منها منقلا خطواته كأنما بحذر شديد، وعندما حاذاها تمامآ هبط برأسه من عليائه إلى حيث رأسها، ونزل بكفه إلى الأرض تماماً حيث ترك لها قطعة نقود، ثم استقام واقفا رافعا رأسه ببطء إلى العلاء كأنما هو يرفعه بصعوبة بالغة، وانسحب كأنما على رؤوس أصابعه ليواصل تسكعه!