مجدداً عن سورية السايكسبيكوية

نصر شمالي

نواصل الحديث عن سورية السايكسبيكوية المقتطعة من مجمل سورية الطبيعية (بلاد الشام)، فنذكر أنها بالرغم من التجزئة كانت يوم جلاء الفرنسيين تمتلك شروط الحياة السياسية الحديثة التي تجسدت في ثمانية تيارات سياسية مثّلت عموم فئات الشعب بصورة كافية، وهي: الوطنيون، والشعبيون، والشيوعيون، والقوميون السوريون، والإخوان المسلمون، والبعثيون، والاشتراكيون، والمستقلون..
وكانت جميع التيارات المذكورة متفقة تقريبآ (من حيث المبدأ وليس في التفاصيل) على ثلاثة أهداف ستراتيجية هي: بناء سورية الديمقراطية البرلمانية المتطورة اجتماعياً واقتصادياً والسائرة بما يتفق مع روح العصر ومتطلباته، والتصدي للإستيطان الإسرائيلي في فلسطين، والعمل على تحقيق الوحدة العربية.. وبعد تحقق الاستقلال.
وكما ذكرنا في غير مكان، بدت التيارات المذكورة جميعها جادة في تحقيق الأهداف الستراتيجية الثلاثة، وبخاصة توجه السوريين بكثافة إلى ميادين الحرب الفلسطينية (أي خارج حدودهم السايكسبيكوية!) ومعارضتهم اتفاقية النفط الأميركية أصولاً في برلمانهم الحر، فكان لا بد من تحجيمهم على الفور وحصرهم في حدودهم السايكسبيكوية التي أغفلوها وتخطوها!
لقد كان انقلاب حسني الزعيم مفصلاً على هدا الأساس، وهو الأساس الذي يجري تجاهله، بينما يجري الاستغراق في استعراض التفاصيل الهامشية الظاهرية التافهة المثيرة كالروايات البوليسية، وعن قصد طبعاً، وذلك للتقليل من شأن الشعب السوري ومن أهمية مواقفه الوطنية والقومية! فحكاية انقلاب الزعيم كما يروونها هي حكاية السمنة الفاسدة وجنون العظمة عند الزعيم وما إلى ذلك من تفاهات!
وقد اعتقل الزعيم معظم قيادات التيارات السياسية وفي مقدمتهم الرئيس شكري القوتلي ورئيس الوزراء خالد العظم، وأرسل أنطون سعادة غدراً إلى الإعدام في لبنان، حيث سعادة كان فعالاً جداً في ميدان النهوض بالبنية الاجتماعية السورية وتحديثها وفولذتها، وأيضاً في ميدان مواجهة الإسرائيليين!
وأنزل حسني الزعيم بميشيل عفلق أشد الأذى في السجن لأن حزب البعث وزع بياناً ضد اتفاقية النفط، وهو ما لا يشير إليه الحكواتية رواة "التاريخ" السوري!
بكلمة واحدة، أراد الأنغلوسكسون الصهاينة بانقلاب الزعيم (والطريق مازال في أوله كما يقال!) كسر شوكة التيارات السياسية السورية جميعها وتدمير عنفوانها الوطني، وتحجيم سورية وشعبها لتبقى في الحدود التي رسمتها لها اتفاقية سايكس بيكو لا تتعداها أبداً!
لقد كان ينبغي على سورية المقلصة جغرافياً وبشرياً حسب ترتيبات سايكس بيكو أن تظهر بمظهر الدولة المستقلة السيدة إنما ظاهريا ومظهراً فقط ومن دون أن تكون كذلك حقاً! لكن الشعب السوري ونخبه تصرفوا على أساس أنهم مستقلون تماماً وأسياد أنفسهم تماماً، وبدأوا ينشطون على هذا الأساس في الداخل السوري وفي "الخارج" الفلسطيني والعربي عموماً!
وسرعان ما بدأت الانقلابات العسكرية التي استمرت حتى عام 1954 لضبط الشعب السوري ولإقناعه بأن بلاده مجرد منطقة مدارة بحكم ذاتي في خدمة الأنكلوسكسون الصهاينة وبما لا يتناقض مع قيام الكيان الإسرائيلي كما نصت على ذلك اتفاقيات سايكس بيكو! ولكن، لقد بدا صعباً جداً ضبط الشعب السوري ونخبه حتى بالانقلابات، حيث الجيش الوطني بدوره لم يكن بأكثريته الساحقة متعاوناً معهم بل ضدهم.. فالعقيد عدنان المالكي. مثلاً، كان معتقلاً لأنه ضد الحكم العسكري الذي ترأسه العقيد أديب الشيشكلي.. بل إن الرئيس الشيشكلي بالذات كان يتحدث بانزعاج (مثل الرئيس شكري القوتلي قبله) عن التدخلات الأميركية التي تطالبه بقمع النخب السياسية السورية تحت عنوان: "مكافحة الشيوعية"! وكان الشيشكلي يقول لخلصائه أنه "يجامل" الأميركيين في الحدود الدنيا اتقاء لشرهم! تماما كما قال القوتلي..
وهكذا لجأ الأنغلوسكسون الصهاينة إلى إشعال نيران الفتن والاقتتال بين النخب والتيارات السياسية كي تنشغل ببعضها ضد بعضها عن أهدافها الستراتيجية الداخلية والخارجية، فكانت مؤامرة اغتيال العقيد عدنان المالكي خطوة في هذا الاتجاه ضد الجيش الوطني من جهة وضد النخب والتيارات الشعبية الوطنية من جهة أخرى!