لنفهم حاضرنا.. عودة قصيرة لماضينا القريب
نصر شمالي
ما ينبغي تذكره اليوم هو أنه بعد الحرب العالمية الثانية بدأ الاجتياح الأميركي غير العسكري للبلاد العربية سلمياً من دون احتلال مباشر، وعلى حساب المستعمرين الأوروبيين الذين كانوا يحتلون البلاد العربية احتلالا عسكريا مباشرا.. ولقد كان التوجه العام للعرب عموما حينئذ توجهاً وحدوياً ملحاً مخلصا، فيكتب مفكروهم وأدباؤهم عن الوحدة، وتطالب بها جماهيرهم الثائرة..
وكانت لندن تتقهقر عسكريا وسياسيا في المنطقة العربية لصالح الحضور الأميركي المتنامي بسرعة والذي لم يكن حينئذ يقلق العرب حيث اعتبر كثير منهم واشنطن نصيرا للحرية..
ولكي تعزز لندن وجودها وحضورها وتحتفظ برصيد من القوة أمام واشنطن المندفعة للحلول محلها في البلاد العربية تظاهرت بالتجاوب مع الأماني العربية الوحدوية فكانت مبادرتها (الملغومة) بالتشجيع على قيام جامعة الدول العربية! وقد نوقش موضوع إقامة الجامعة في البرلمان البريطاني وحظي بالموافقة بعد أن عرضه وزير الخارجية حينئذ أنطوني إيدن، فكان قيام الجامعة الذي رعته لندن إنما مضطرة..
واليوم يمكن العودة إلى تلك المرحلة وإلى تلك الوثائق لمن يشاء، ومن ثم الحديث عن ملابسات تأسيس الجامعة العربية التي أقيمت ليس لصالح الأمة بل لصالح تأبيد الحكومات القطرية وبقاء الحدود والسدود.. إنما ينبغي أن يكون الحديث هادئا عقلانيا منطقيا من دون تهويلات ومبالغات ومكائد وتلفيقات، ومن دون خزعبلات مريبة تحركها المصالح الفئوية الخاصة المريبة.
----
دمشق - عن كتابي "الحرية والاستقلال" الصادر عام 2000