محطات باضعة.. في عيد الصحافة
فواز خيّو
مرة كنا في الاجتماع وقال أحدهم: نحن السلطة الرابعة.
قلت له مازحا: يعني نحن نمارس دورنا حين تغيب السلطات الثلاث أو تتوفى، فضحكوا.
نحن السوريين من أنشأ الصحافة والمسرح ووزارات التربية والجامعات في كثير من الدول العربية، والآن نحن على الرصيف.
المعادلة ليست معقدة، فهي من مجهول واحد.
دخلت التحرير نهاية عام 89 وتقاعدت بعد ان انتهت قضية خطفي وأسرتي في عدرا، ولا زال بعض رؤساء الدوائر وأمناء التحرير في أماكنهم ولم يستطع رئيس تحرير تغييرهم، رغم أن بعضهم غاية في الجهل والسوء ولا هم لهم سوى تأمين الصفقات وابتزاز أصحاب المصالح فأساؤوا للصحافة والصحفيين.
والجريدة نسخة عن كثير من مؤسساتنا، ويسأل البعض لماذا وصلنا الى هنا؟
معظم مشاكلي كان هؤلاء سببها، ومعاركي مع الإدارات المتلاحقة بسبب عدم التغيير، وحين تحتدم المعركة يتغير رئيس التحرير ويجلبون لنا الأسوأ ويبقى هؤلاء.
حسب استبيان أجرته الجريدة عام 94 تبين أن 44% من القراء يتابعون الجريدة بسبب زاويتي، وفي كثير من المؤسسات والوزارات كانوا يعقدون جلسة قهوة لقراءة زاوية العم فواز.
كم هذا جميل ويشعرك بقدر من الراحة رغم كل شيء.
مرة دخل أخي الى مكتبة في شهبا ليشتري الجريدة، صاحب المكتبة يعرفه، قال له: من الصبح نفقت الجريدة وزاوية الاستاذ فواز تم تصويرها عشرات المرات بعد نفاذ العدد.
كان وضعي الأسوأ في الجريدة بسبب صراعي مع الفاسدين، فالامتيازات والبعثات وغيرها لعدد محدد من العواينية والذين هم عبء على كل شيء، رغم اني جعلتها الأولى في التوزيع بعد أن كانت تشرين متصدرة لسنوات، وكانت الدولة كلها تتابع زاويتي من رئيس الجمهورية الى باقي المؤسسات.
مطلع الألفية كنت ضمن عدد محدود أنا والصديق نبيل صالح نقدم مقترحاتنا لمشروع الاصلاح المزمع، وتذهب المقترحات لصانعي القرار، وكنا مشتعلين بالأمل بوضع جديد ولااااكن....
أحيانا كانت تأتيني قضايا ولحساسيتها أحاول حلها بالهاتف، فكنت أتواصل أحيانا مع أبو سليم مدير مكتب الرئيس، ومع جبران كورية الناطق الرئاسي ومن بعده فواز العامري، ومع الوزير هيثم ضويحي وزير القصر والذي حلف مرارا بأني بغلاة أخيه، نشأت علاقة احترام قوية مع هؤلاء ولم أطلب لقاء أي منهم أو احاول استغلال علاقتي معهم لمصلحة شخصية، وأي طلب كنت سأطلبه سيلبى حتما سيما انهم يعرفون بأن زاويتي متابعة باهتمام من رئاسة الجمهورية، واستغليت هذا الوضع لطرح قضايا كثيرة وتمت معالجة الكثير منها.
كان أمرا عاديا أن أرفع سماعة الهاتف وأحكي مع أي وزير أو مسؤول، وغالبا تحل المشكلة أثناء الاتصال، وعلى أثر زاوية في الانترنت نهاية عام 2010 أزعجت وزير الإعلام الطبيب الجراح محسن بلال فأمر بمنعي من الكتابة في الجريدة، وكانت نهايتي ككاتب فيها.
بعد تقاعدي بفترة مررت إلى الجريدة بخصوص معاملة، وكل شيء تغير حتى موظفي الاستعلامات، على الباب سألني الموظف: (لعند مين جاي؟)، اختنقت ألف دمعة في عيني، قلت له: "جاي لعندي". أنقذ الموقف ظهور موظف قديم من المطبعة فصرخ به: هذا الاستاذ فواز، وجاء نحوي يسلم علي بحفاوة.
والآاااان بعد كل ما حدث؛ أجلس كبدوي على حجر ناتئ وقد اجتاحت النيران كل الحقول، وفقد أغنامه وانكسر نايه، يلف سيجارة من دخان رديء وهو ينظر إلى هذا الأفق الضامر، ويجهش بما أقسى من البكاء.