ملحُ الأرض.. أبي يرحل
عماد فوزي شعيبي:
عندما يتآكل الجسد، يبقى في ذاكرتي -فقط- أنك "ملح الأرض". تعبير لم أرَ في حياتي رجلًا يستحقه مثلك.
أنت كذلك لأنك كنتَ أبًا كما لا يُوصف، وطنيًّا كما لا تُقارن، عفيفًا صاحب إرادة. صامتًا لاتطلب، مترفّعًا عن ما يذلّ الرجال.
أو تعلم كم تعلمت منك الكثير يا أبتي:
أتذكر حوارنا عام 1982، أثناء اجتياح لبنان، عندما تكلمنا وقلت لك إنني مستعد أن أضحي بحياتي لأكون "جسرًا" بين الأجيال، ليعبر منه الحقّ، كما كانت قناعاتي ووجداني يمليان. وقتها غالبتَ خوفك على ابنك الشاب وطفقتَ تثني على موقفي وأنت تعيشُ انقساماً بين الاب … والوطني، لتُطلقني تحت ظلال الجناح الوطنيّ بلا تردد. ذهبت أبحث عما يوصلني بذلك الزخم القومي، بحثًا ومدافعًا عن شرف الأمّة في إحدى أهم عواصمها… هذا ما علمتني إياه طفلًا، كان لابد أن أجسّده شابًا بعنفوان ذاك الزمان!
هل تراني أنسى وانت تدخل ببذتك العسكرية بيتنا في القاهرة عام 1967 ووجهك كظيمٌ لا يُفسّر، إذ تقول لأمي: أيُّ كارثةٍ.. لقد سقطت الجولان، استرق السمع وأنت تقول لأحد مرؤوسيك: لولا ولديّ هالة و عماد، لانتحرت، كما يفعل أيّ ضابط عسكريّ هُزمَ، شعرتُ بالجزع وقتها طفلًا، ولكن كانت تلك دروسًا رافقتني طويلًا وعلمتني أن الوطنَ شرفي ولاعبثَ على مشارف الأوطان.
أقف إلى جوارك على شرفة منزلنا في القاهرة وأنت تنظر بأسىً إلى طائرات العدو وهي تحلّقُ دون رادٍ في سماء القاهرة وفجأة التفت إليك وأطلب منك إسقاطها بمسدسك!!!
وكان يومًا آخر مختلفاً عام 1973 أثناء حرب تشرين يوم كنتَ تسايرني بلعب الشطرنج، وتعلمني دروس عدم التسرّع، حينما حلقت الطائرات المعادية وخرجنا إلى الشرفة معاً ورأينا طائرتين تساقط أربع قنابل تقصف بها دمشق، ثم لنتابع المشهد معاً: كيف تسقط الطائرتين فوق جبل قاسيون، اتذكر يديك الحانيتين تأخذني إلى مكان في البيت لتحميني، ونحن نستشعر ارتجاف البناء إثر القصف وأنت تهتف: المجرمون يقصفون المدينة.
سأذكر حوارنا كرجلين! عام 1976 وانا في الصف العاشر، حين شرحت لك قراري بالاستمرار بالتفوّق، حتى أرسم مستقبلًا لا يُثقل... وأن أتحمل المسؤولية، وكان ما كان.
أو تعلم … لابد أنك كنت تعلم! و بصمتٍ وكأنه اتفاقٌ مُضمرٍ بيننا: أنني لم أفكر في بدايات نشري لمقالاتي وكتبي، أن أكتب باسمي الثنائي، لأحمل اسمك في قلب اسمي الثلاثي، لكي أقول لك: احصد ثمار ما صنعت، وإذا جار الزمنُ، فشفيعك ابنك. فاعبرْ على نتائج ما سيفعله، وهذا أقل شكر ستأخذهُ مني على عطاياك وعلى وجودك في حياتي أباً ومُلهماً، عبر الذين سيحبون وسيقدرون ابنك، فهو فعلُك يُردُّ إليك، وهذا أقلّ ما يقدم لرجل هو "ملح الأرض".
أتذكر رضاك عليّ، مكثّفًا، ودعاءك لي أن لا أعاني في كِبري، وتكرارك الالتفاتة إلى (حنيّتي)، التي لاتعادل نقطة في بحر حنيّتك. نعم، فلن أنسى تلك الليالي التي كنتَ تقضيها إلى جواري وأنا طفل حين كنتُ أمرضُ. وأتذكر تلك الليلة التي بتّ فيها إلى جوارك حين كُسرت رجلي وأنا طالب بالصف التاسع، وكنت أهلوس ليلتها.
سأذكرك في مشاويرنا التي كنت تأخذني فيها طفلًا، وأنا أقبلَ يديك سعادةً وحبًّا، فترد عليّ باحتواء كفي بحبٍ.
وسأذكر يوم كنتَ تترجم رواية "كولومبيا' بالفرنسية وكيف كنت أتلقّى منك الترجمةَ شِفاهًا لأكتبها.
وسأتذكر قصيدتك (قلبي) قبل نحو عشرين عامًا التي نظمتَها لي بحبور حين لم أحتمل أن أراك في غرفة العمليات تجري عملًا في شرايين القلب. وكثيرًا ما ذكرّتني بشلالات دموعي وأنا أتلوّى خجلاً منك وأنت تقول لي: لا أنسى منك هذا المشهد! وهل لي فيه مأثرة؟!
تراني مُفكِراً اليوم؟ لكنّ مكتبتك التي أتيتَ بها من القاهرة، كانت دليليّ الأول.
سأبقى عماد فوزي شُعيبي ولن ينفك عَقْدينا واسمينا ما حييت، وبعد أن أرحل ستذكرني الأجيال بك.
ستبقى ابتسامتك لي وأنتَ في أواخر أنفاسك حرزي وصوني ذلك أن نور رضاكَ قد غمرني…فماذا يهمني بعد ذلك؟
ها أنت ذا ترحلْ، وحسبي أنك بكرامتك؛ جبلًا فوق الألم. وهل ثمة رجل يصل الثالثة والتسعين ويبقى يعمل!!!
وهل لي من حرزٍ غير أنك خرجت من غيبوبةٍ كي ترضى عليّ
لن يتسع القبرُ لك يا والدي، فأنت بحجم مجّرة من الحبّ والشهامة و الكرمِ والعنفوان الرهيف والرجولة والرِضا.
لن أُودّعك في ثرى الأرض… فلا مكانَ يلمُّ الكبارَ حين يرحلون… وأنت من قلّة على وجه البسيطة من يمكن أن يكون لقب (الكبير) أقلّ ما يُقال عنه.
أبي فوزي شعيبي.. سنلتقي.