صحفي عريق يتحدّث عن أولى خربشاته الصحفية

نصر المجالي:

 وكانت أول "حركشاتي" العبثية، في الصحافة وأنا طالب في الصف الأول ثانوي في مدرسة الكرك الثانوية، حيث كنت أبعث برسائل إلى صحيفة (المنار) التي كانت تصدر في القدس حتى 1967، وكانت تنشر لي في زاوية (القراء) ومرة تلقيت رسالة ويا لها من رسالة ألهبت فيّ الحماسة والفخر والتباهي "ويا أرض اشتدي ما عليكي حدا قدي"، إذ في الطابور المدرسي الصباحي، ناداني المعلم المناوب باسمي، للصعود الى حيث يقف، ونطيت من بين الفتية لأكون وجها لوجه أمام ما كان الخطوة الأولى في طريق تحقيق حلمي نحو بلاط صاحبة الجلالة، كانت رسالة شخصية من رئيس تحرير (المنار) الراحل الكبير جمعة حماد الذي أعتبره بحق أحد الأساتذة الكبار الذين أناروا لي الطريق نحو الصحافة في سنوات لاحقة.
وإذ تسلمت الرسالة عدت الى موقعي في الطابور، ولم أستطع صبرا حتى فتحتها لأقرأها، وإذا بالأستاذ جمعة حماد "يا إلهي يخاطبني بالأستاذ نصر" وتساءلت في نفسي ما إذا كان يدرك أنني ابن الصف الأول ثانوي/ فرع ج، هذه الرسالة ظلت ملتصقة في جيب قميصي وطرفها باد حتى يراها كل تلميذ ومعلم ومن هم في شوارع الكرك وقريتي القصر، لأثير فيهم رغبة السؤال الملعونة، عن فحواها ومن هو مرسلها، فرسالة بريدية وتحمل طابعا بصورة ملكية، لتلميذ تلك الأيام كانت واحدة من غرائب الدنيا.
وتذهب الأيام، لتحط راحلتي في العام 1971 كأصغر صحفي في التاريخ الأردني في صحيفة (الرأي) التي كانت تأسست بقرار من رئيس الوزراء الراحل وصفي التل، للقيام بمهمة المواجهة الكبرى مع قوميي العرب وثورييهم بعد أيلول (سبتمبر) 1970. وحينها عيّنت باختيار من الشهيد التل مراسلا لـ(الرأي) في رئاسة الوزراء، وأنيطت بي تغطية أخبار ونشاطات الدوائر الحكومية في جبل عمّان ومنها الخارجية والإعلام والبرلمان، فضلا عن النشاطات الملكية.
ويا للمصادفة، فإنه في افتتاح الدورة البرلمانية في مقر مجلس الأمة (القديم) على الدوار الأول، حيث كنت أغطي المناسبة التي رعاها جلالة الملك الراحل الحسين، يومها إخباريا، كانت المفاجأة، إذ وجدت نفسي وجها لوجه مع الأستاذ جمعة حماد، وكان رئيسا لتحرير صحيفة (الدستور)، ولم أكن التقيته من قبل، وبادرت إلى مصافحته وعرّفته على نفسي، ويا له من لقاء بين شيخ الصحافة وقيدومها والتلميذ الفتى الغِر، ومن بعد كلمات وكلمات سريعة، قال يرحمه الله: آه يا بدوي يا مجالي لا أدري ايش رماك لنار الصحافة؟ ولكنني يا فتى أتوسم فيك الخير ولي عليك عتب، لماذا لا تقودك قدمك لصحيفة (الدستور) للعمل معنا، أم أنك كنت ضحية مصداق بيت الشعر: أعلمه الرماية كل يوم** فلما اشتد ساعده رماني!، بمعنى أنني صرت أعمل في (الرأي) المنافسه لـ(لدستور) التي يرأسها، وهو الذي كان شجعني حين كان رئيسا لتحرير (المنار) في الرسالة التي رويت قصتها في مطلع المنشور.
وفي العام 1974 غادرت أنا (الرأي) محتجاً على قرار تحويلها الى ملكية خاصة، وكان من بين المالكين الجدد، المرحومين جمعة حماد وسليمان عرار ومحمود المايد ورجا العيسى ومحمد العمد، وتم تعييني في وكالة الأنباء الأردنية الرسمية بقرار فوري من رئيس الحكومة زيد الرفاعي، لكن بعد عام وجدتني في ديار (الرأي) ثانية وفي حضن جمعة حماد تلميذاً نجيباً وصحفياً يشق طريقه بأظافره وسط تحولات كبيرة في عمر فتى عشق المهنة والتعليم والرياضة والناس معاً، وفوق الجميع الأردن الذي حملته معي منذ العام 1980 وإلى اللحظة في ديار الاغتراب ولم أغترب..!