لسوف تتجدد أحزان ودموع
زياد غصن:
يوم الأحد القادم، سوف تتجدد أحزان ودموع عشرات الأمهات، ممن اعتدن قبل كارثة الزلزال الاستيقاظ باكراً لتحضير مستلزمات ذهاب أولادهن إلى مدارسهم.. أولادهن اليوم باتوا تحت التراب.
يوم الأحد.. سوف تتجمد الدمعة في عيون كثير من الأطفال، الذين سوف يستيقظون صباحاً للذهاب إلى مدارسهم، لكنهم لن يحظوا بقبلة من والدتهم أو والدهم. أو الاثنين معاً.
يوم الأحد... سيغلب الحزن على ملامح أطفال كثر سيكونون مضطرين للذهاب وحدهم إلى المدرسة بعدما اعتدوا لسنوات أن يكونوا برفقة أخوة وزملاء لهم، حصد الزلزال أرواحهم.
فاجعة 123 طالباً قضوا في الزلزال ذكرتني بقصة حزينة لي..
قبل حوالي أربعة عقود، وتحديداً عندما كنت في الصف الثاني الابتدائي، دخل علينا والدي مساء ذات يوم متجهماً وعيونه تترقبني بحنانه الذي كان، ولايزال بلا حدود. سألني: هل خالد ابن فلان في صفك؟. أجبت: نعم وألعب معه يومياً. التفت والدتي نحوه وسألته: ما به. صمت قليلاً ثم قال: منذ قليل صدمته سيارة بينما كان متوجهاً للشراء من محل تجاري قريب من منزله، وقد مات.
كل ما أتذكره آنذاك أنني أدركت أنني لن أرى خالد مجدداً، ولن ألعب معه مجدداً في الفرصة.
صباح اليوم التالي، توجهت كالمعتاد إلى المدرسة، أو ما كان يسمى بملحق المدرسة الابتدائية، والذي هو عبارة عن منزل عربي مستأجر مكون من ثلاثة غرف مخصصة لشعب الصف الثاني الإبتدائي وفسحة صغيرة. جميع زملائي في الشعبة كانوا يتحدثون عن وفاة خالد. وما هي إلا دقائق حتى قرع الجرس، ودخلنا إلى الصف. ولا شعورياً بقي مكان جلوس خالد فارغاً. فهو كان يجلس في المعقد الأخير. في المنتصف بين زميلين، حرصا منذ الدخول على إبقاء مساحة فارغة بينهما.. فهي مكان جلوس خالد.
دخل معلمنا القدير إلى الصف لتقع عينه مباشرة على مكان خالد الفارغ. صمت لبرهة وكأنه يريد أن يحبس حزنه عنا. بادرنا بتحية الصباح، وقال: تعرفون ماذا فقدنا.... تعرفون من كان يجلس هناك... أريد منكم إبقاء هذا المقعد فارغا لنهاية العام حتى نتذكره دوماً. وهكذا كان.
ثم طلب منا الوقوف وقراءة الفاتحة له، والدعوة له بالرحمة.
منذ ذلك الوقت، وأنا على قناعة أن ثمة عدالة في هذا الكون لابد وأن تتحقق يوماً ما. عدالة تنصف خالداً الذي توقف عمره عند سبع سنوات تقريباً. وتحاسبنا نحن الذين حصلوا على حياة أطول من غيرهم.
وهذا ما أشعر به اليوم أيضاً حيال كثيرين ممن فقدوا حياتهم باكراً أو ظلماً أو مرضاً... أو ممن سرقت ونهبت حقوقهم وأحلامهم ولقمة عيشهم.
لروح خالد، الذي لاتزال ملامح وجهه عالقة في مخيلتي، ولأرواح أطفال سوريا الذين فقدوا حياتهم بالأمس واليوم، وعلى امتداد الجغرافيا الوطنية، كل الرحمة والغفران.