قول في "الديمقراطية الليبرالية"

نصر شمالي:

في التسعينيات رفعت نخب عربية كثيرة، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، شعارات الليبرالية والديمقراطية في مواجهة أنظمة الاستبداد. ولو أن ذلك كان من اجتهاد تلك النخب لكان الأمر طبيعياً ومبرراً، لكن سرعان ما اتضح أنه كان تجاوباً مع ما طرحه المحافظون الجدد الأميركيون وحلفاؤهم الأوروبيون، ثم ظهر فعلاً وعلناً التنسيق الميداني بين تلك النخب وبين الدوائر الأميركية والأوروبية من أجل تحقيق الخلاص العربي "الليبرالي الديمقراطي"!..
من جهتي، رفضت تلك النشاطات بشدة وامتنعت عن تلبية دعواتها، وواجهت بعض أشخاصها بوجهة نظري، ثم ابتعدت نهائياً منصرفاً إلى الكتابة، فقد كان واضحاً لي تماماً ذلك الذي كان يحدث في ميادين "النضال" من أجل تحقيق الخلاص "الليبرالي الديمقراطي"!
فمنذ العام ١٩٨٩ كنت أتابع تلك التحولات الديمقراطية الليبرالية في وسط أوروبا وشرقها، المترافقة مع فرض السوق الحرة وعمليات الخصخصة وتفكيك المجتمعات والدول، لتحويلها مستقبلاً إلى آلاف الدويلات "الديمقراطية"!
وفي حينه عرض تقرير لبرنامج التنمية التابع لهيئة الأمم المتحدة التأثيرات السلبية لعمليات التحول الديمقراطي في بعض البلدان، فلخصها بسبعة تأثيرات هي:
انخفاض معدلات الحياة.. وارتفاع معدلات الوفيات.. والانتشار غير العادي للفقر.. وانخفاض الأجور.. وتفشي البطالة.. واتساع الفجوة بين الفقراء والأثرياء.. وازدياد التمييز!
لقد كان واضحاً أن عصابة المحافظين الجدد الصهيونية تسعى لإقامة "محميات ديمقراطية" في مختلف أنحاء العالم (ينبغي أن يبلغ عددها ستة آلاف!) وذلك بالاعتماد على نخب من الصفوة العالمية الموالية لواشنطن توفر للعصابة هياكل سياسية جديدة تتكفل بعزل الشعوب تماماً عن الهيكل الوطني السياسي والإداري لبلادها، حيث يحل محل أبناء الشعب في الإدارة المدنية إداريون محليون ومستوردون يسمون "دوليين" يتحدثون جميعهم اللغة الإنجليزية، ولهم صلاحيات واسعة تبلغ حد اختيار الموسيقى والأغاني والبرامج الترفيهية التي تبثها المحطات المحلية الوطنية!..
وها نحن اليوم نرى بعضا من نتائج ذلك!