نصر مجالي متذكراً غالب هلسا

نصر مجالي:

تاريخ بلا رتوش..
عند منتصف الليل دق جرس الهاتف في غرفتي في فندق {المنصور ميليا} في بغداد حيث كنت في مهمة لتغطية مؤتمر لوزراء الثقافة العرب العام 1982، وسمعت موظف الاستقبال يقول لي سيد مجالي عندي شخص يقول إنه قريب لك يريد أن يكلمك وهو أمامي، هل تسمح بذلك؟
قلت: ضعه على الخط وفوراً، وبعد تحيات أحسست بحرارتها قال لي أنت لا تعرفني وأنا لا أعرفك، ولكنني سألت عن أي صحفي يسكن في الفندق، فذكروا لي اسمك، وساعتها أدركت أن أزمتي حُلّت، أنا اسمي غالب هلسا، وحين سماعي الاسم أحسست بزلزال يهزني في داخلي، يا إلهي غالب هلسا يكلمني أنا والآن ومنتصف الليل وفي بغداد، وأنا الذي كنت أحلم أن التقيه منذ بدأت قراءة الحرف!
قلت: غالب هلسا وأزمة، وكيف هذا؟ إبشر لقد وصلت.
قال: لا تهتم يا اخو خضرا، الأزمة هي انه لا توجد غرف في أي فندق في بغداد، ووصلت لتوي من موسكو (طبعا كانت الحرب العراقية الإيرانية في بداياتها الكارثية)، ويممت شطر هذا الفندق وها أنا أكلمك.
فورها، قلت: أعطني موظف الاستقبال، حيث قلت له: دع الأستاذ هلسا يطلع إلى غرفتي، وبعد دقائق وجدت نفسي أمام القامة الكبيرة، فاحتضنني وأحسست أنني في قلب الكرك أو حضن مادبا، أو في حبات عيون ماعين، فاعطيته سريري وتوسدت أنا الكرسي المجاور وغط الراحل الكبير في نومه على الفور.
وفي الصباح قمنا بحفل اسستقبال وتعارف من جديد، وأمضينا معا ساعات معدودات كأنها العمر كله. وتذهب السنين ويأتيني في لندن العام 1989 نعي غالب "الحي الدائم" بفكره وعطائه وإنسانيته ونضالاته وأردنيته العالمية الأممية الشامخة.
للعلم الراحل غالب الهلسا ولد يوم 19 ديسمبر 1932 ورحل في ذات اليوم من التاريخ العام 1989!